يبدو أن معالم المرحلة المقبلة في المنطقة ولا سيما في سوريا أصبحت واضحة على الاقل بالنسبة الى دول القرار، خصوصاً روسيا اللاعب الابرز والاكثر حضوراً مند العام 2012 في ظل انكفاء الولايات المتحدة عن التعاطي المباشر في الأزمة السورية، باستثناء ما قام به حلفاؤها بالتنسيق معها قبل الإنقسام الخليجي الحاد الذي وقع على قاعدة ما بني على باطل فهو باطل، ومن جهة أخرى المشاركة الضعيفة والمحدودة من خلال التحالف الدولي الذي بالكثير من المهام التي قام بتنفيذها ساعد الإرهاب بدلاً من مكافحته. 

في حين أنَّ روسيا التي كانت من اليوم الأول حريصة على السيادة السورية ولم تدخل او تتدخل إلا بطلب وموافقة رسميتين من دمشق، كانت صارمة في تنفيذ حملتها العسكرية التي تضمنت ضربات موجعة لأوكار الإرهاب على كامل الأراضي السورية.

 

سقوط خيار التقسيم

في ظلّ هذا الوضع كيف يمكن قراءة مستقبل المنطقة؟

بالإستناد إلى الإختبار الكردي في اربيل يتأكد المؤكد وهو أن التقسيم مرفوض مطلقاً. كذلك في سوريا التي ستنهض من الأزمة موحدة واحدة، على اساس فدرالي جديد، وبحكومة مركزية واحدة واسعة الصلاحيات، ورئاسة بصورة جديدة كان قد بدأ بابراز ملامحها التقدمية والاصلاحية قبل الأزمة، وسيكملها بوتيرة أفضل وأسرع الدكتور بشار الأسد لولايةٍ كاملة على الأقل. 

وعندما نراقب التحولات الناعمة في المنطقة يمكن أن نرى المؤشرات. فالتقسيم سقط في إربيل، وها هو الأردن الذي يتجه الى اللامركزية الموسعة على مستوى البلديات الكبرى، ويستعد لفتح الحدود من جديد مع سوريا. إذن "الفدرالية النسبية" بحسب ظروف كل بلد من المنطقة اصبحت أمرا واقعاً أو هدفاً ثابتاً يجب الوصول اليه بآليات وأوقات وأحداث متعددة، بعدما أثبتت مركزية الحكم فشلها الذريع في تحقيق مصالح الشعوب واستقرار الدول.

 

رؤية روسية تصالحية

ولأنه لا يمكن البناء على انقاض الدم والحقد والثأر والانشطار الحاد بين ابناء الوطن الواحد لا بد من المصالحة والمصارحة. وهي أسهل لدى "الجيل الجديد" الذي لم ينغمس حتى النخاع في لعبة الدم التي تعمي البصائر والقلوب. هكذا نجح القيصر القائم من الرماد فلاديمير بوتين في بناء روسيا الامبراطورية السياسية والعسكرية والاقتصادية العائدة من الافلاس والدمار والتشرذم العرقي والطائفي والفئوي، وهو اليوم بعد ارساء قواعد الدولة القوية بشتى الوسائل ينتقل الى مرحلة بناء "الجيل الجديد"، وهو البرنامج الذي عقدت من اجله مئات المؤتمرات وليس آخرها المنعقد اليوم في سوتشي والذي يضم 35000 شاب وشابة من حول العالم، يتشربون مبادئ "الجيل الجديد" بطريقة أو باخرى. 

 

اجتماع "حميميم" حول مستقبل سوريا

على هذا الأساس تستعد "حميميم" للعب دور تحاوري بين شباب سوريا من الأطياف والمشارب العرقية الطائفية والسياسية كافة ، والتي يستعد ممثلون عنها للاجتماع للتحاور والتشاور حول كيفية بناء سوريا الجديدة بعد معمودية الدم، سوريا الحضارية الموحدة وربما الفدرالية غير المقسمة، والأهم سورية القوية الممانعة، وسوريا المنفتحة على ذاتها وعلى محيطها. 

1500 شاب من كل سوريا سيجتمعون في "حميميم" في الأسابيع القليلة القادمة، ليضعوا حجر الأساس لمشروع "سوريا الجيل الجديد" القائم على قوة الهوية والثقة بالانفتاح، الثقة بالذات والثقة بالآخر، أيا يكن هذا الآخر.

وهكذا تكون انتصرت روسيا ونجحت في المكان نفسه والزمان نفسه في ارساء قواعد حكمة القوة بوجه جهالة الإرهاب، وقوة الحكمة في بناء مستقبلٍ أفضل لشعوب المنطقة، بعدما أسست لمستقبل أفضل لشعوب العالم من خلال كسر منظومة الأحادية القطبية التي أنهكت العالم، 

هكذا تكون "حميميم" رمزاً للقوة الممانعة وللحوار المفيد، وتكون القاعدة نفسها التي دمرت الإرهاب، عنواناً لبناء مستقبل سياسي لأجيال قادمة. 

 

  • نائب رئيس حزب "المشرق"