كان من المُفتَرَضَ أنْ تلتئم اليومَ الهيْئة العامة للمجلس الأعلى للروم الملكيين الكاثوليك، لإنتخاب هيئة تنفيذية جديدة، تأخذ على مسؤوليتها القيام بدورٍ وطنيٍ وسياسي وإجتماعي فاعل، يُسهم بتصويبِ دور الطائفة، وتفعيل حضورها الرئيسي في وَرْشَةِ إعادة بناء الثقةِ بالوطن، المُهَدَّد بمخاطرَ وتحديّاتٍ كثيرة، والعمل على إعادة التأكيد على الدور التشاركي لأبناء الطائفة، الذين يعتزّون بأنّهم من البُناةِ الأُوَلِ للكيانِ اللبناني، القائمِ على التنّوّع والتعدديّة،التي تتكاملُ فيها الطوائفُ في صَوْنِ لبنان والحفاظ على هويّته ورسالته ودوره الريّاديّ النوْعِيِّ و المُخْتلِف..

 

وفي ظلّ التحديات الكثيرة التي تعترضُ مسيرة إستعادة الثقة وتحصين العلاقة بين كلِّ المُكَوِّنات الوطنية، الطائفية والمذهبية والسياسية، يبرزُ اليومَ هَمٌّ رئيسيٌ في مسار تصويب العلاقة، وتحديد المصير ورسْمِ خطّةِ حُضورٍ جديدةٍ، لإعادة الطائفةِ الى الصَّفِ الأوّلِ في تصنيفاتِ المواطنةِ، للقيامِ بدورها الجامِعِ والإنفتاحي والرياديِّ، والذي أَدَّتْهُ بنجاحٍ وتألُّقٍ منذُ تأسيسِ (لبنانَ الكبير)، القائم أساساً على مبدأ التكامل بين الطوائف الكيانية، المؤسسِّة للبنانَ والراعية لدوره الحضاري ورسالته التوافقية والتوّفيقيّة بين مراكزِ القوى وأقطاب السياسة الدولية التي كانت تنطلقُ تاريخياً من لبنان، كونُهُ بلداً نوعيّاً ومُخْتلفاً، ومن المأمولِ أنْ يُبْنى على نموذِجَّيَته، للإنطلاق الى تأسيسِاتٍ جديدة لمفهومٍ الوطن الذي تلتقي فيه إراداتٌ واضحةُ المُفهوم والأهدافِ والنيّاتِ، في سبيل تثبيتِ وظيفةِ لبنان السياسية والحضاريّة والكيانية.

اليوم، تتكثفُ التحديات، وتتعاظم الإنتظاراتُ المُلقاةُ على مسؤولية المجلس الأعلى في هيئته الجديدة ودوره المُستدام، الذي لَمْ يَخرُجِ يوماً عن خطّ الإعتدال و مسيرة التوافق ومسار الإلتزامِ الوطني والإنتماءِ الصريح الى لبنانَ، و المنطقة العربية التي تنطلقُ الطائفة منها وتتوزّعُ في أرجائها، وتنشر حضورها وإنفتاحيّتها، من دون التنازل عن دورها وخطّها التاريخي، السياسي والروحي والحضاري والوطني.. ويبقى الرهانُ والإيمانُ، أنْ ننطلقَ من جديدٍ لتركيزِ كِيانيّتنا وتثبيتِ دورنا، على الخارطة السياسية والوطنية، كعنْصرٍ أساسي وشريكٍ كاملِ الشراكة، لا مُلْحَقينَ بأحدٍ، ولا تابعينَ لأحدٍ، ولا مُسْتقوينَ بأحد..!

 

فإمَّا انْ ننجحَ بإستعادةِ دورنا الوطنيِّ المُسْتقِلِّ والتمايزيِّ، وَإِمَا أنْ نُسَلِّمَ أمرَنا لِلَّه والوطن... ونستقيلَ من تاريخنا وننزعَ عن صدورنا الوِشاحَ اللبناني، الذي طالما أصَرّتْ طائفة الروم الملكيين الكاثوليك أنْ يكونَ علامتها الفارقة في مسيرتها الوطنية ومسارها التوافقي..

نَحْنُ اليوم امام رهانات وتحديات وإنتظارات كثيرة...والأملُ أن نقدِّمَ نموذجاً تفاعلياً للمواطنة البيضاء، ينطلقُ مَنْ قناعةٍ راسخة في أذهاننا و تراثنا الروحي واللبناني، وهي أننا من كلّ لبنان وسنكون دائماً لكلِّ لبنان..!

  • أستاذ جامعي وعميد سابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية