يقرأ الانسان صفحات الإنجيل في جغرافية فلسطين وشعبها، عن حياة يسوع وانطلاق الرسالة منها، فيرى الزمن الحالي معاكساً لها، معبراً عن مأساة النزف المسيحي، وأن يتحول المسيحيون إلى وجود رمزي فحسب. لكن رغم صعوبة الاوضاع يسعى المسيحيون ومعهم المسلمون إلى المحافظة على هذا الحضور وأهمه التراث الذي يعطي أساساً للهوية الفلسطينية.

 

التراث المسيحي الفلسطيني

في بيت لحم يسعى شباب إلى المحافظة على التراث الفلسطيني من خلال الأيقونات.

ويتحدث نقولا جحا مدير مركز بيت لحم للأيقونات لموقع "اليوم الثالث"، عن أهمية المحافظة على التراث المسيحي. يؤكد جحا أن "الاهتمام بالتراث الفلسطيني عامة والمسيحي خاصة نتج عن قلة اهتمام واهمال لهذا النوع من التراث على مدى العصور، فكل النظم والمناهج التعليمية لا تعطي هذا التراث حقه ولا يتم تدريسه في المدارس، والتراث الفلسطيني وتاريخ فلسطين لا يبدأ من احتلال اسرائيل لأرضنا عام ١٩٤٨ بل هو تراث عريق يلخص وجود حضارات وامبراطوريات عاشت وتأسست على ارض تدعى فلسطين منذ عصور قديمة".

ويشدد جحا على أن "الديانة المسيحية هي من أحد أهم مرتكزات التراث الفلسطيني، فقد كانت منتشرة في أغلبية فلسطين وموجودة في أعيادها وتقاليدها وأديرتها. فمثلاً إلى يومنا هذا يوجد مناطق في فلسطين باسم دير مثل دير البلح ودير ياسين، كانت منتشرة فيها الاديرة يوم كانت نسبة المسيحيين هم الأغلبية في فلسطين، ومع الزمن ولأسباب عديدة تم هدم هذه الاديرة والى اليوم هناك آثار لها".

 

المقاومة بالأيقونة ورمزيتها

يعيش نقولا حجا في بيت لحم وأسس فيها مركز لتعليم رسم وكتابة الايقونات.

ويوضح سبب اختيار الايقونة لتكون مدخلاً للمحافظة على التراث، بالإشارة إلى أن "الايقونة في أهميتها توازي وتساوي أهمية الانجيل، وتدعى بالإنجيل الملون وتعتبر الباب إلى الابدية والسماء، لأننا من خلال الايقونة تقابل الشخص المقدس الموجود، فهي حضور اكثر ما هي صورة، وإن أول ايقونة تم اكتشافها من فلسطين في دير القديسة كاترينا في سيناء في القرن الرابع".

ويوضح أن الايقونة انتشرت من منطقتنا، وكان في القدس مدرسة للأيقونات حتى سنة 1840 تقريبا في القرن الثامن عشر، ولكن تم إهمال هذه المدرسة التي كان لها نموذج خاص فيها مثل المدرسة السورية في صناعة الايقونات في حلب".

وعن الايقونة الفلسطينية يقول "الذي يميز الايقونة أنه يتم صناعتها وكتابتها بالطريقة التقليدية كما كانوا القديسين يقومون بكتابتها، فاستخدموا المواد الطبيعية كالبيض والنبيذ والحجر المطحون والتي تمثل الألوان. نحن اليوم نستخدم ذات الطريقة، بخلط صفار البيض مع الكحول والالوان ونرسم الأيقونة، وكل مكونات الايقونة طبيعية حتى اللاصق الذي يستعمل هو من جلد الارانب وعندنا أيضاً الخشب الطبيعي وشريطة بيضاء وهي ترمز الى خشبة الصليب وكفن القيامة، والالوان هي من الطبيعة لان الطبيعة كلها تسبح الخالق وهو ما يميزها عن الرسم الحر ".

ويشير إلى رموزها قائلاً: "فيها رموز وحكايات عدة، مثلاً أيقونة وجه المسيح، الوجه المقدس تعكس صورة المسيح الإلهية والبشرية المتجسدة في نفس الوجه، إذا نظرت إلى الايقونة تراها وجهاً ولكن حين تعرف قراءة الأيقونة نرى الطبيعتين في المسيح، حتى في الثياب يلبس المسيح اللون الازرق وهو لون السماء والألوهة والاحمر هو سر التجسد دلالة على الإنسانية".

 

صون التراث المسيحي هو أحد الاساليب من خلال مركز تعليم وصناعة الأيقونات، الذي يعتبره جحا فناً عريقاً وروحانياً وثقافياً فلسطينياً. ويقول "هدفنا صون هذا الفن وأن نحافظ عليه وننقله للأجيال القادمة. نحن هنا نصونه لضرورة وجوده وأهميته، والمركز هو الوحيد لتعليم الايقونات في فلسطين والشرق الاوسط، هناك أشخاص يرسمون أيقونات بشكل شخصي ولكن هدفنا في المركز أن نعلم بشكل مجاني الطلاب المهتمين، ويتم التعليم ل نقل هذا الفن الروحي من جيل إلى جيل ولا يظل مرتبطاً بشخص معين".

الوضع السيء لمسيحيي بيت لحم

يرى جحا أن وضع المسيحيين في بيت لحم اليوم سيء، و"هناك تراجع في عددهم بعد الانتفاضة الثانية بالتحديد وبناء الجدار الذي يفصل بين الضفة عن القدس وعن مناطق 48. فهذا الجدار خنق سكان فلسطين من ناحية اقتصادية واجتماعية ولدهة حرية التنقل، وساهم بتراجع الوضع السياحي في بيت لحم والتي تعتمد بشكل اساسي على السياحة بوجود كنيسة المهد والأماكن التراثية فيها. فالاحتلال يمنع الزوار أن يبقوا في بيت لحم، فقط مسموح لهم أن يدخلوا إلى كنيسة المهد ومن ثم الخروج من بيت لحم، فحُرم سكان المدينة من الاستفادة من السياح من الناحية الإقتصادية. في فترة من الفترات كان هناك دمار في بيت لحم وقصف ورائحة الموت تنتشر في المدينة. ويشير إلى أن العديد من المسلمين والمسيحيين هاجروا ولكن بسبب قلة العدد كان التأثير أكبر من الناحية المسيحية، وهذا لا ينعكس فقط على بيت لحم وإنما أيضاً في نابلس وجنين، وهي مناطق فيها مسيحيون هاجروا إلى اوروبا واميركا الجنوبية والولايات المتحدة".

ويشير إلى أنَّ عدد المسيحيين في فلسطين اليوم هم أقل من 2% وهي في تراجع، و"كل يوم نسمع عن عائلة تهاجر من البلد وهذا الوضع مأساوي، نتأمل ان الذي بقوا موجودين ان نحافظ على وجودهم وعلى عددهم، شكل المركز سبب لبقاء العديد من الناس، فنحن نساعد لتسويق عملهم إلى الخارج مما يساعد في تأمين مدخل معيشي لهم".

  • صحافي ومراسل "اليوم الثالث" في سوريا