لا تقوم الأمم على الدساتير والمواثيق فحسب، بل إنّها أيضًا ترتكز على العبَر التي قال بها عدد من آبائها المؤسّسين. وقد تكون أحد أهمّ ميّزات كياننا الصغير، أو هذا اللبنان "الحلو والمنمنم" على حدّ قول مؤسّس الندوة اللبنانيَّة ميشال أسمر، هو أنّه بُني ليس فقط على أسس سياسيَّة واجتماعيَّة، إنَّما فكريَّة وثقافيَّة أيضًا. فمن يوسف السودا وبولس نجيم، إلى ميشال شيحا وميشال زكّور وميشال أسمر وكاظم الصلح وكثيرون، ترك لنا هؤلاء مخزونًا هائلًا من الفلسفة السياسيَّة التي، ولعمري، لو وضعناها نصب أعيننا، لشكلّت مرجعًا صالحًا يعيننا على التبصّر ورسم رؤية سياسيَّة واجتماعيَّة واستراتيجيَّة واقتصاديَّة لبلدنا الصغير.

 

الإيمان اللبناني الوطني

قد يكون ميشال زكّور أحد هؤلاء الآباء المؤسّسين الذين رحلوا قبل أن يشهدوا استقلال لبنان في العام 1943. من أهمّ العبر "الزكوريَّة" هي تلك التي تركها لنا في العدد التاسع والعشرين من المعرض سنة 1930. إذ خلال احتفال المعرض بالذكرى العاشرة لولادة لبنان الكبير كتب زكُّور: "لقد كانت هذه السنوات العشر التي مرَّت على اللبنانيِّين ممزوجة بالمتناقضات من الحوادث، حتَّى أنَّ اللذة بكيان لبنان الحالي كانت تعكِّر على الدوام بما يتخلَّلها من مرارات القلق السياسي وعدم استقرار الحالة العامَّة على شكل راهن. ولكنَّ إيمان الوطنيِّين اللبنانيِّين كان قويًّا فثبتوا عليه رغم الأعاصير السياسيَّة التي هبَّت عليه من كلِّ الجهات وكان أشدُّ هذه الأعاصير خطرًا ما ثار منها على بعض اللبنانيِّين. وهذا الخطر هو على نوعَيْن: الأوَّل بعض اللبنانيِّين لا يريدون كيان لبنان، والثاني بعض اللبنانيِّين لا يفهمون الاستقلال والسيادة القوميَّة في وطنهم الصغير" (ميشال زكور، "أول أيلول بعد عشرة أعوام"، المعرض، العدد التاسع والعشرون، 1930، ص 4).

 

الزبائنية والإرتهان للخارج

وكأنَّ هذه الكلمات قيلت البارحة. وكأنَّ أبناء لبنان لا يريدون الخروج من هذه الإشكاليَّة الثنائيَّة الأبعاد التي تحكم تصرُّفاتهم تجاه بلدهم الصغير. أناس من بينهم ينخرطون في مشاريع خارجيَّة إقليميَّة كانت أم دوليَّة غير آبهين بمدى تداعيات آثار هذا الانخراط على الكيان اللبناني ووحدة شعبه، وآخرون لا يريدون أنْ يدركوا أنَّ الدولة لا تُدار بالزبائنيَّة ولا بعقليَّة رجال الإقطاع حيتان المال ورجال مافيات الحرب وأعيان القرن التاسع عشر ورجال الدين الخالطين بين الدين والدولة. فالدولة قبل كل شيء هي علم، بناؤها يحتاج قامات علم وأدب وأخلاق والتزام ومشاريع وأفكار ومعرفة بالقوانين وطنيَّة كانت أم دوليَّة. قامات تحكم نهجَها السياسي ثوابت وطنيَّة وقوميَّة لا تهين عند وقوع الملمَّات أو المصالح الشخصيَّة. فمن يتصرَّف برعونة في إدارة الدولة وصيانة الاستقلال والسيادة هو بخطورة الخارِجٍ عن الكيان تحت شعارات قوميَّة أو أيديولوجيَّة أو دينيَّة تتخطَّى الكيان نحو مشاريع لا تزال بمعظمها مبهمة غامضة فيها من الشعارات أكثر ما فيها من التاريخ ومن الواقع ومن المستقبل.

 

أين الرؤية المستقبلية؟

والأسوأ من هذين الخطرين إنّما يتجسّد في انعدام الرؤية المستقبليَّة لدور لبنان ولكيفيَّة تطوير نظامه السياسي بما يتماشى ليس فقط مع تطوره وازدهاره ورسالته، بل مع ضرورة السعي لتطوير الإنسان وتأمين حقّه في الحريَّة وفي تحقيق ذاته الإنسانيَّة وفي البحث عن الحقيقة والجمال والسعادة.

لعلَّ استذكار ميشال زكُّور ومعرضه بمناسبة عيد الاستقلال، ونحن على قاب قوسين من مئويَّة لبنان الكبير، لهو جرس إنذار أو محاولة للاعتبار من تاريخ واحد من آباء لبنان المؤسَّسين، علَّنا نتعلَّم من دروسه وتجاربه لبناء حاضر ومستقبل أفضل للبنان أولًا وللمنطقة المحيطة ثانيًا ومن خلالهما لنساهم في بناء الحضارة الإنسانيَّة. فلبنان لا معنى لوجوده إلا من خلال حرصه على التنوّع والحريَّة من جهة، وعلى الرسالة الإنسانيَّة التي يحملها لمحيطه وللعالم أجمع مفادها: نعم يمكننا أن نعيش معًا بحريَّة وأمل وفرح وجمال.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث".