تكثر المداولات والنقاشات هذه الأيام حول قانون الانتخابات النيابية، والتي تُعتبر إلى حدٍّ ما نقطة إيجابية. في المقابل، تكثر السلبيات في تلك المداولات كما في الصيغ التي تُطرح خلالها. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى عدم خبرة دستورية وسياسية لدى معظم المكونات السياسية.

 

المجلس النيابي صاحب القرار

أولاً، ومن الناحية الدستورية، للمجلس النيابي وحده الصلاحية الكاملة للنقاش في القانون الانتخابي وبتّه، فلا يمكن أحداً أنْ يحلَّ مكان المجلس النيابي. إلا أنه ووفق مجريات المداولات الحالية، يُستدل وكأن هناك اتفاقات وتعهدات ثنائية قد حصلت قبل انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة، كي لا نقول صفقات انتخابية، ما يُعدّ مخالفة دستورية واضحة. وفي نفس السياق أيضاً، هناك مخالفة أخرى وهي أن الدستور واضح في مجال القانون الانتخابي، فهو تكلم عن اعتماد المحافظات، ولكن بعد إعادة النظر بالتقسيم الإداري. وتلك الإعادة أضحت اليوم حاجة محورية نظرًا للتغييرات الديموغرافية، ولما لتلك الإعادة من فائدة في تسهيل شؤون اللبنانيين الإدارية وتحقيق الإنماء المتوازن في المناطق كافة. فلا ضير أبدا من تشكيل محافظات صغيرة ينقل إليها البعض من الصلاحيات المركزية.

 

"الستين" ليس مسؤولاً

اما في مجال عدم الخبرة السياسية، فيتمثل ذلك أولاً بتحميل قانون الستين مسؤولية كل الأزمة السياسية والوطنية، وكأن هذا القانون هو حصان طروادة الذي يريد تدمير لبنان. فقانون الانتخابات النيابية الصادر عام ١٩٦٠ هو غير القانون الذي اعتمد في اتفاق الدوحة، ذلك أن تقسيمات قانون الستين هي غير التي اعتمدت في انتخابات العام ٢٠٠٩، كما إن عدد النواب في قانون الستين، ٩٩ نائبًا، هو غير عدد النواب في الإنتخابات الأخيرة. أضف إلى ذلك، إنَّ هدف فؤاد شهاب من وضع قانون الستين كان مزدوجاً، فهو أراد من جهة الحفاظ على مواقع البيوتات السياسية التاريخية والزعماء التقليديين، تفاديًا لتكرار إسقاط زعماء كبار كما حصل في انتخابات العام ١٩٥٧، ومن ناحية ثانية خلق فسحة تساعد في نشوء طبقة سياسية جديدة، من دون إلغاء أحد. أما القول إن قانون الستين قد تسبَّب باندلاع الحرب، فهو كلام سياسي غير علمي بتاتًا.

ومن المفارقات السياسية في مداولات اليوم هو تركيز البحث في قانون الانتخابات على موضوع الدوائر الانتخابية فقط. فلم نسمع، أقله في الإعلام، عن أي منحى تطويري كمسألة مشاركة المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة والمغتربين، كما لم نسمع عن موضوع النفقات الانتخابية وسقفها، الإعلام والإعلان السياسيين، منع الربط بين الشق الديني والسياسي في الخطاب الانتخابي، الخ، وكأن في تغييب تلك المواضيع المحورية محاولة لتحديد النتائج سلفًا. ومن المفارقات في عدم الخبرة السياسية في تلك المداولات الربط بين مفاهيم عديدة وبعضها متناقض الى حد ما والتي لا يمكن جمعها بتاتًا في قانون واحد، كالتمثيل الصحيح وإعادة حقوق المسيحيين، القانون العصري، الخ. فصحة التمثيل تقتضي إعادة توزيع المقاعد النيابية، بطريقة تؤدي ربما إلى ضرب المناصفة. أضف إلى ذلك ان طرح موضوع مشاركة الناخبين المسلمين في اختيار عدد معين من النواب المسيحيين أو العكس، هو كلام خطير تُضرب خلاله الأسس التي قام عليها لبنان وعلى إرادة اللبنانيين في العيش معًا. فهناك عدد لا بأس به من النواب المسيحيين قد وصلوا الى الندوة البرلمانية نتيجة تحالفات انتخابية، أكثر من مجرد عملية تصويت. وتلك التحالفات هي أساسية لأنها تقرّب اللبنانيين من بعضهم وتجعلهم يتشاركون معًا في الحكم. وما للمشاركة من اهمية محورية في استتباب الأمن والاستقرار، فهذه سوريا مثلاً وبعد مرور اكثر من خمسة أعوام على اندلاع الحرب فيها، يعجز سياسيوها عن وضع نظام يؤمن آلية للمشاركة السياسية لجميع أطياف المجتمع. فبدل الإصرار على إلغاء تلك الآلية في لبنان، علينا أن نعمل على تطويرها والدفاع عنها والترويج لها.

 

حقوق المسيحيين أم المواطنة؟

اما في موضوع حقوق المسيحيين، فاستعادتها لا تتحقق في القانون الانتخابي بقدر ما تتحقق في استعادة حقوق المواطنة لكافة المواطنين اللبنانيين، وذلك عبر تأمين سبل العيش الكريم في بيئة نظيفة وعدالة اجتماعية وتأمين مقومات العيش من ماء وكهرباء وشبكات طرق واتصالات، اما غير ذلك فلا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بموضوع استعادة حقوق المسيحيين. اما في خصّ موضوع القانون العصري، فعصرنة الدولة اللبنانية لا تبدأ من قانون الانتخابات النيابية، بل تبدأ من مجموعة قوانين وآليات ومؤسسات تعمل على ترسيخ مبدا المواطنة ومدنية الدولة. أما ما يحصل من حديث عن تلك المفاهيم المتناقضة بهذه الطريقة، يجعل وكأن الهدف من وراء ذلك الحيلولة دون تحقيق تلك المطالب المحقة.

 

اقتراحات لتقسيمات الدوائر الإنتخابية

إن أي بحث علمي ودقيق في موضوع قانون الانتخابات النيابية عليه ان ينطلق أولاً من الدستور اللبناني. أضف إلى ذلك، وامام صعوبة اعتماد الدائرة الفردية، التي تبقى الحل الأمثل، تبقى الدائرة المصغرة الإنتخابية أفضل التقسيمات. فخلق دوائر تحتوي على مقعدين كحد أدنى وأربعة كحد أقصى يؤدي الى تحقيق نوع من العدالة، فلا يختار مثلاً مواطن لبناني عشرة نواب ومواطن آخر نائبين او ثلاثة. كما أنَّ الدائرة المصغرة تُقرّب الناخب من ممثله في الندوة البرلمانية، فتسهل المحاسبة. كما إن الدائرة المصغرة التي لا يتراوح عدد ناخبيها بين خمسين وسبعين ألف تجعل لكل صوت قيمة بحد ذاته، ما يؤدي ألى تطمين الأقليات، وانتفاء الحاجة إلى النسبية المرفوضة من البعض، والتي لم توقف العمل بها في العديد من الأنظمة الانتخابية. كما إن الدوائر المصغرة المختلطة تجعل النائب المسلم كما المسيحي مرتبطًا ارتباطا وثيقًا بناخبه المنتمي إلى غير طائفته، ما يحول دون بروز الخطاب المتطرف أو العنصري. كما إن الدائرة المصغرة تسمح ببروز طبقة سياسية نخبوية، وتمثيل كافة شرائح المجتمع، ما يعني وصول كافة الآراء، والذي سيكون بعضها حتمًا مختلفًا، ما يساهم حكماً في تسهيل عملية مراقبة عمل الحكومة كما في محاسبتها. لندخل بالتالي فعلاً في علمية إصلاح واسعة وشاملة تؤدي إلى تحقيق متطلبات معظم الشعب اللبناني التواق إلى العيش بسلام وأمان واستقرار وازدهار.

* أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة القديس بولس في أوتاوا - كندا