الأزهر - القاهرة

بداية، أنقل إليكم تحيات فخامة الرئيس العماد ميشال عون والشعب اللبناني وتمنياتهما بأن يتكلّل هذا المؤتمر بمقرّرات تحاكي طموحاتنا وتنعكس على مجتمعنا العربي المشرقي مستقبلاً واعداً بالإطمئنان والإستقرار.

 

جئنا اليوم لنشارك في مؤتمر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، بدعوة من رئيس هذا المجلس، فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر أ.د. أحمد الطيب. وهذا ليس بغريب على هذا الصرح الديني والوطني الذي ما دعا يوماً إلّا للحوار والمحبة والتآخي والاتحاد واحترام الأديان والإبتعاد عن الفتن. وفي بداية اشتعال البركان في مشرقنا كان السّباق ما بين العام 2011 وعام 2013 الى توقيع وثيقة تدعو لنبذ العنف واجتناب التكفير والتخوين ودعم تأسيس الدولة المدنية واعتماد النظام الديمقراطي والإقتراع الحر ... وفي العام 2014 استضاف هذا المقام مجلس أساقفة الشرق ومجلس كنائس الشرق الأوسط وهيئات دينية ومدنية من مصر وفلسطين، دعت الى الحرص على اجتماعنا العربي والمشرقي والإنساني في الحاضر والمستقبل .

 

الحضارة الواحدة

إنّ مهّمتنا في هذين اليومين هي ملاقاة ما نتج عن المؤتمرات السابقة من وثائق وتوصيات، ومناقشتها وتبادل الأفكار حولها، انطلاقاً من خبرة كلّ واحد منّا. ومحاكاتها في جلساتنا هذه بتكريس الثوابت والأسس والمبادئ، ثمّ ننطلق لمواجهة التحديّات الداهمة التي تواجهنا، وذلك عبر أساليب عملانية تعزّز عيشنا المشترك، وتحصّن تكاملنا الإيماني بالله الواحد، وتثبّت رسالتنا الإنسانية المرتكزة على التلاقي والتآخي، لنعبرَ منها نموذجاً، ولا أغنى، للعالم أجمع .

إنّنا أبناءُ كنز تاريخي وإرث حضاري لا يقدّران بثمن. نحن أبناءُ حضارة واحدة هي عصارة حضارات مرّت على منطقتنا فأثرّنا فيها وتأثّرنا بها، واليوم إسمها: "الحضارة العربية". ونحن أبناء ثقافة تبادلت المعرفة مع غيرها من البلدان فاغتنت منها وأغنتها؛ ويكفينا فخراً، أننا من شواطىء هذه المنطقة، صدّرنا الأبجدية على يد قدموس إلى العالم .نحن من منطقة هي مهبط الأديان السماوية، نحن أبناء عروبة حضارية وثقافية ودينية، وقيمةُ وجودنا أن نبقى معا".

تداعيات "الفوضى الخلاقة"

إنّ الإسلام لم يهجّر اليهود من المشرق ولا من أي بلد عربي. فاليهود اضُطهدوا في أوروبا وهُجّروا منها، ومع هذا جاؤوا واحتلّوا أرضاً عربية واغتصبوها من أهلها بعد أن نكّلوا بهم وهجّروهم منها، وهي فلسطين التي كانت مثالاً لتعايش الديانات السماوية الثلاث. كما أنّ الإسلام لم يهجّر المسيحيين من بلدانهم العربية؛ ففي فلسطين مثلاً هُجّر المسيحيون على يد الاسرائيلين، وفي العراق لم يتهجّر المسيحيون إلاّ بعد الغزو الأميركي الأخير لبلاد ما بين النهرين، والتهجير الحاصل حاليا على يد الإرهاب، يطال المسلمين والمسيحيين معاً، إضافة إلى كلّ الاقليات.

إنّ ما نمرّ به اليوم من مصائب وويلات هو نتيجة "الفوضى الخلاّقة والشرق الأوسط الجديد" اللذين بشّرتنا بهما كونداليسا رايس، ثم جمّلوا الإسم ب "الربيع العربي" مع بداية حرب التكفير والإرهاب، وهو ما ارتد بالحقيقة على بلداننا قتلاً وتهجيراً وتدميراً وحرقاً. لقد تبيّن أنّ الهدف من هذه الحرب هو أبلسة الدين الإسلامي وتشويه صورته بنسْبه الى الإرهابيين والتكفيريين الذين هم من صنع هؤلاء الماكرين الذين يعيثون إجراماً في المنطقة والعالم .

 

على المسيحيين والمسلمين حماية بعضهم بعضاً

إنّ الإسلام ليس ديناً ارهابياً بل دينُ عدل وشورى ورحمة، وإذا كانت هناك مجموعات إرهابية تستعمل الدين الإسلامي وتستغلّه لتشويه صورته وضرب قيمه، فالإسلام منها بّراء ... ومسؤوليّتي أنا المسيحي المشرقي أن أدافع عن أخي المسلم الذي عايشته منذ اكثر من 1400 عام، لصدّ الخطة المبرمجة ضدّه والقضاء عليها. كما أنّ المسيحية ليست دين تقوقع وظلم وكراهية بل هي دين التسامح والانفتاح والمحبّة. وإذا اقترف بعض المسيحيين جرائم قتل وتعدّ ورفض للآخر فإنّ المسيحية لا تمتّ لهم بصلة. ومسؤوليتي أنا المسلم أن أحميَ أخي المسيحي وأحافظ على وجوده الحر في هذه المنطقة.. يقول الإمام علي عليه السلام "الناس صنفان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق." وهذا القول ما هو إلاّ من فحوى القرآن الكريم ...

أنا كمسيحي علاقتي الإيمانية بالله عامودية، وأنا كمسلم علاقتي الإيمانية بالله عامودية أيضاً. ولكن، أنا كمواطن، علاقتي مع أخي، مسلماً كان أم مسيحياً، هي أفقيّة لأننا تموضعنا معاً وتعايشنا معاً وفرحنا معاً وحزّنا معاً على أرض مارسنا عليها رسالة محبة وتآخٍ وتناغم وحرية فكر وعقيدة.

إذن، أنا المواطن العربي، ولأي جنسيةٍ انتميت، فشخصيتي هي مزيج من الديانتين. من هنا صورتي كمواطن مسيحي لا تكتمل إلاّ مع صورة أخي المسلم، وأيّ تشويه لصورة أحدنا، في أي جزء منها، هو بالتأكيد تشويه لصورة الآخر. من هنا يتأكّد أنّ وجودنا معاً يستوجب الحفاظ على بعضنا البعض.

نحن اليوم أمام مفترق طرق، إمّا نتوحّد فنفرض الحلول التي تناسبنا، أو نبقى متفّرقين، فتُفرض علينا الحلول وتمزّقنا وتشرذمنا.

 

لنبذ التكفير

مسؤوليتنا الكبرى هي أن نخرج في نهاية هذا المؤتمر بخطّة متكاملة تحظى بثقة الجميع، نجابه بها من يريدون لمشرقنا الإضعاف والإنحلال، عبر التأكيد على العناوين التالية التي تعكس مكامن قوّتنا:

- تمسّك كلّ منّا بالآخر وحماية بعضنا البعض

- الإقتناع بأنّ في الاتحاد قوّة وفي الإفتراق ضعف

- إعتبار التآخي هو القاعدة، والاختلاف هو الشواذ

- نبذ كل أنواع الإرهاب والتكفير الغريبين عن وجدان المسيحية والإسلام.

 

مسؤولية الإسلام

أيها الحضور الكريم

لا يُرجِع المسيحيين إلى بلدانهم ومدنهم وقراهم في هذا المشرق إلاّ أخوهم المسلم، شريكهم في هذه المنطقة.. ولا يعيد للإسلام صورته البهية في العالم إلاّ المسيحي، الشاهد العيان، وابن هذه الأرض.

إذا إرتقينا إلى هذا المستوى في فهم كنه وجودنا ومصيرنا المشتَركين سنفوّت، لا شكّ، الفرص على المصطادين في الماء العكر، ونحصّن مجتمعاتنا، فنطوي صفحة المآسي والويلات، ونعيد لأوطاننا الأمل بمستقبل مطمئن، يعيش فيه أبناؤنا حياة كريمة هانئة.

عالمنا العربي أيّها الإخوة يحتاج بإلحاح إلى مثل أصواتكم الحكيمة، فارفعوها قدر ما استطعتم لتعلو على كل صوتٍ يدعو للفتنة. إرفعوها عالياً ولا تتركوها خافتة، فتتلاقى مع ما يماثلها، وتكبر آمالنا بالخلاص.

لم يعد أمامنا من وقت، لقد انتظرنا ما فيه الكفاية، والإنتظار هو تآكل لوجودنا وانهيار لقدراتنا، علينا أن نتحرّك كلّ من موقعه، ولكن ضمن خطة واحدة، للعمل وتحضير الرأي العام للإقتناع بها وتحفيزه على نشرها والتبشير بها كمنطلق خلاص لهذه المنطقة، والانتقال من حالة اليأس إلى حالة الأمل المرتكزة على اّتكالنا على ذاتنا بما عندنا من قوة للتأثير، بعد أن نكون قد حصّنا بلداننا ضد الإرهاب وضدّ التدخّل الخارجي.

 أيّها السادة الكرام

دلّونا على منطقة تتعايش فيها المسيحية والإسلام منذ 1400 سنة ولم تقطع تواصلها وتتصادم؟! دلّونا على منطقة أخرى استطاعت وتستطيع أن تكون النموذج للعالم أجمع بتناغمها وتكاملها غير منطقتنا، بالرغم من كل ما مرّ عليها من احتلالات خارجية ؟!

لا يحمي هذه المنطقة إلاّ أبناؤها، ولا تتقدّم إلاّ بتضافرهم، ولا تستمر برسالتها الإنسانية متألّقةً إلاّ بجناحيها المسيحي والمسلم.

 

  • بيار رفول وزير شؤون رئاسة الجمهورية في الحكومة اللبنانية، ومثل رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون في مؤتمر الأزهر عن "الحرية والمواطنة.. التنوّع والتكامل" الذي انعقد في 28 شباط و1 آذار.