ما رأيناه وسمعناه خلال السنتين المنصرمتين حتى هذه اللحظة من السنة الثالثة للغزو الداعشي في سنجار والموصل وسهل نينوى، هي حقائق يجب ألا يختلف عليها اثنان، بغية الشروع فى إيجاد حلول سريعة وواقعية:

 

الجرائم الداعشية

  • المهجرون قسراً ليسوا سواحاً، وليسوا عاطلين عن النشاط قسراً لفترة الراحة أو النقاهة مثلما تعتقِد بعض الدول المضيفة.
  • المهجرون ضحايا وخاصة أبناء الأقليات، وهم من اختبروا كلَّ أنواع الإنتهاكات لحقوقهم والبشاعات المادية والمعنوية ضدهم، أيّ عمليات ممنهجة للإبادة الجماعية بكل ما تعنيه هذه العبارة، ضد المسيحيين والإيزيديين وباقي الأقليات. وشملت تلك البشاعات والجرائم:
  • مخطط القضاء جماعياً على أعراق وأديان المجموعات الإثنية والدينية:
  • مسح هويتهم وقلعهم من جذورهم وممارسة جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية ضدهم، بالتهجير القسري واختطاف اطفالهم وسبي نسائهم، والاتجار الجنسي بهم وببناتهم وذبح رجالهم، وتغيير الدين بالاكراه، وممارسة أبشع انواع التعذيب ضد شبابهم، وسلب كل ممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية كالذهب ومبالغ مالية باهظة، بالاضافة الى كل الموجودات داخل البيوت ومصادرتها لتسجيلها باسم "داعش".

 

نفذوا الشنق في بيتي!

وما تبقى لهم بعد التكفير هو مجرد آثار للتدمير الكامل. فهو إما محروق بنسبة ما يقارب 40٪، او مدمر كلياً في أكثر من 20٪، والنسبة الباقية جميعها مسلوبة ومحطمة. فالموجودات من بقايا احتياجات، تبدو مدنسة بشكل لا يوصف بحيث تثير الاشمئزاز ولا يشعر اصحابها أنَّ هذا الدار لهم وهذه البقايا من الأشياء المدنسة وغير الصالحة للإستخدام. هذا بالإضافة إلى غيرها من الجرائم التي مورست من قبل الكفار بالله والانسانية التكفيريين الداعشيين وباقي الدواعش.

وأنا المتحدثة معكم إحدى هؤلاء الضحايا، حيث داري البسيط في قراقوش لا يزال ملطخاً بالدنس المذكور، وإن كان قد نجا من الحرق عجائبياً، لكنه وحسب ما رأيته كان قد علِّق في الباب الرئيس ولا يزال حبل مشنقة وطاولات صغيرة تحته، ما يدل على أنَّهم مارسوا الحكم بالإعدام شنقاً هناك في داري!

تصوروا الأثر النفسي الذي يتركه تدنيس بيتي في فكري وقلب عائلتي...

 

المستقبل القاتم

  • ما يتوقعه الضحايا لما بعد داعش، هو انعدام الأمان والاستقرار في بيئةٍ كانت حبلى بتأثيراتِ سياساتٍ عنصرية وطائفية والإكراه، والتجاوزات غير المشروعة من قبل المكونات المجاورة والمتنفذة في القرى المسيحية والإيزيدية وبشكل خاص أمنياً واقتصادياً، حتى قبل داعش...
  • جميع المعطيات الحالية عن الوضع لا تلوح باستعادة الثقة المفقودة. وسبب ذلك ليس بسبب تسليم مصير المسيحيين والأقليات إلى عديمي الرحمة والحس البشري من عصابات داعش، مؤشرين بذلك على معاكسة سير الزمن نحو الخلف إلى أكثر من ١٤٠٠ سنة الى الوراء فحسب، بل وأيضاً بسبب انعدام القرارات السياسية التي يجب ان تكون حاملة للحلول السريعة والقصيرة كما المتوسطة المدى، بغية الوصول الى تحقيق الحلول الطويلة المدى التي تدعم السلام والامان المستدام.

لكن هذا كله بحاجة الى اصلاح اداري وقانوني، بوضع آليات ديناميكية تواكب ومتغيرات العالم.

 

مسؤولية أجهزة الدولة

واقع الحال سيء، بسبب الحجب المعلوماتي الذي يمارسه أغلب الموظفي المحيطين بالمسؤولين المحتلين للمناصب في القرار، بالإضافة إلى المستشارين القانونيين الذين شاركوا منذ عقود، لا بل تفننوا في تحريف القوانين بايجاد تعليمات تخالف القانون وتضر الانسان بدلاً من أن تخدمه، بينما مبدئياً تلك التعليمات هي لتوضيح التطبيق وتساعد المستفيدين في تطوير الأوضاع وليس لتدميرهم. أما الدستور فأصبح خرقه شيئاً أشبه ببطولات، باستخدام تارةً كتابات دينية معينة، وتارة أخرى عبر ضغوط مسلحة تهديدية تؤدي إلى قرارات جائرة بحق مواطنين لا يمتلكون امكانية الدعم الميليشياوي او نفوذ سياسية في السلطة، مثل المسيحيين والآيزيديين وغيرهم من الاقليات الدينية.

 

 

الغزو الداعشي وتكرار التاريخ

إنه السؤال الذي يتمحور حوله مؤتمرنا الموقَّر هذا.

لقد تركت العصابات الغازية رسالة من ٢٠١٤، كعامل موضوعي قديم جديد تكرر عبر التاريخ:

-اعتناق الإسلام، دفع الجزية، أو القتل. لا بل هذه المرة لم تشفَع للمسيحيين حتى الجزية، كما شهدت لنا عوائل عائدة من الموصل. ففضَّل المسيحيون ترك كل شيء وعيش مآسي الهجرة القسرية مقابل بقائهم مسيحيين. كم هو عظيم ايمانهم! وأي كنز للكنيسة الجامعة! وكذلك ساعدت اهمية عامل الموقع الجغرافي لقراهم ومدنهم، لاسيما تلك الواقعة في سهول عريضة واستراتيجية كسهل نينوى القريب جدا من مناطق اربيل ودهوك، وسهل السليفاني في سميل-دهوك، في إجلائهم ذاتياً بشكل سريع. كذلك ساعد في التهجير انعدام الوجود العسكري للقوات الكردية (البيشمركة) التي كانت مبدئياً تضطلع بمسؤولية عملية أمن المناطق التي أطلق عليها جهراً “المناطق المتنازع عليها"، فلدى اعتداء عصابات داعش تبدّد هؤلاء المسلحون قبل الأهالي بساعات عديدة دون اي ردع!

 

كل هذه العوامل ساعدت في تأمين أسرع فرار للمسيحيين بأقل الخسائر البشرية، بالإضافة الى قرب سهل نينوى من أربيل ودهوك، مقارنةً بسكان سنجار وقراها المحصورة بجبل سنجار العملاق الذي منع وصول الآيزيديين والمسيحيين الى بر الأمان، قبل محاصرتهم من قبل العصابات الداعشية.

نعم، حتى في سنجار كان هناك مسيحيون، وتم حبسهم في كنيسة القديس كوركيس لمدة أكثر من اسبوع. وقد التقت بهم منظمة حمورابي لحقوق الإنسان بعد فرارهم، حيث ظهرت آثار الإعتداء عليهم وتم تعذيبهم بوحشية ثم تحويلهم إلى الإسلام بالإكراه. قدم الإيزيديون عدداً أكبر من الضحايا، لأنَّ ليس فقط خذلتهم الظروف الجغرافية الصعبة، بل وأيضاً السياسية والأمنية المحلية حيث لم ينجحوا في تركِ مناطقهم بسهولة بل تأخروا بسبب أوامر من مسلحين اكراد في نقاط التفتيش.

 

معاناة الإيزيديين: الإله القاتل!

سرد لنا أهل سنجار أن بعض هؤلاء الاكراد قد أصبحوا "دواعش" وهم ينفذون مهامهم. فإحدى الناجيات الايزيديات قالت "كنت اتوسل الي بعض عناصر من البيشمركة ليدافع عني لطالما انهم يجبروني ان اسمي نفسي بكردية ايزيدية" وقالت لهم: أيهمكم بأن يعتدي علينا هؤلاء، لماذا لا تدافعون عنا؟ فأجابها أحدهم: "من كل عقلك سأبادل الدولة الاسلامية بك يا كافرة وانا مسلم"؟!

وبقوا في هذا الحال، إلى أن تضاعفت قوة الدواعش ضدهم واستبيحت دمائهم بشكل جماعي مستخدمين دينهم ومعتقداتهم كذريعة لشرعنة إبادة الإيزيديين بشكل وحشي، وباسم الله الداعشي القاتل الذي يظهروه على سلبية اعلامهم وسوادها وهم بلا رحمة.. فكان القتل والسبي والإتجار بنسائهم وبناتهم وقتل رجالهم. ففي بعض المناطق ابيد الرجال بالكامل كما حصل في قرية كوجو وغيرها، وفاقت أعداد ضحاياهم أعداد ضحايا المسيحيين، وتم بيع الفتيات والنساء في أسواق النخاسة في الموصل والرقة السورية. وتعرض أطفال الإيزيديين إلـى الترهيب في معسكرات لغسل الدماغ وتدريبهم على ممارسة العنف باشكاله، وجهاد النكاح الذي يمثل أسمى اهداف الجهاديين! تعرضت أيضاً بنات المسيحيين أمثال كريستينا للإختطاف ولا يزال مصيرها مجهولاً.

شخصياً التقيت وحققت مع اعداد من الناجيات الإيزيديات والمسيحيات اللواتي تحدثن عن البشاعات الفظيعة لجرائم الابادة الجماعية، مثل عنف الإستعباد الجنسي حيث سُحقت كرامتهنَّ. نعم عدد المسيحيات والمسيحيين والمسيحيات المسبيين والمقتولين أقل مقارنة بالإيزيديين، لكن نوع البشاعة هي نفسا.

 

لا يمكن الإستخفاف بالانتهاكات الصارخة ضد كرامة الإنسان، لانها غير قابلة المس بها اياً كانت المبررات والظروف. وهذا ما تؤكده كل النصوص الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وأبرزها اتفاقيات جنيف الاربعة والخاصة بالحق الإنساني وواجب التزام الدول حتى في النزاعات المسلحة بصيانة الكرامة الإنسانية، وفي الحق في الدعم الإنساني بغض النظر عن حالة الضحايا..

 * باسكال وردا رئيسة منظمة حمورابي لحقوق الإنسان ووزيرة الهجرة والمهجرين سابقاً في العراق. هنا الحلقة الأولى من كلمتها التي ألقتها في مؤتمر مركزية مسيحيي المشرق في الربوة - لبنان الذي انعقد تحت عنوان "مسيحيو المشرق ما بعد التكفير"، بين 9 و11 شباط ٢٠١٧.