"صوت سمع فى الرامة، نوح وبكاء وعويل كثير، راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين"  (متى 2: 18)

وكأنما بالماضي البعيد يُلقي بظلاله على واقعنا الحاضر، إذ قبل نحو ألفي عام، امتدت يَد هيرودُس لتسفك دماء أطفال بيت لحم الأبرياء لعل واحدًا منهم يكون المسيح الذي ولد بحسب ظنه ليُهدد مُلكه ومُلك أبنائه، واليوم يغتال الإرهاب الأسوَد عشرات المسيحيين المصريين قاصدين بذلك قَتل المسيح الحي فيهم!

 

هَجمَات إرهابية بين الحين والآخر تهتز لها مصر، تُسفِر عن وقوع العشرات من الأبرياء ما بين شهيدٍ وجريح،  فلم يكَد يمُر على تفجير الكنيسة  البطرسية الواقعة في حَرَم المقر البابوي بالعباسية فى قلب القاهرة، إلا مئة يوم، والذى أسفَرَ عن استشهاد 29 قبطيًا من بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن عدد من الجرحى مازال بعضهم يتلقى العلاج داخل مصر وخارجها، وإذ بانفجارٍ جديد يهزُ مدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية.

 

الأقباط وأنظمة الحكم: العلاقة المتأرجحة

لا يمكننا بأى حالٍ أن نَفصِل الأحوال التي يعيشها المسيحيون فى مصر عن الوضع السياسي لبلدهم. فمنذ ما با يُعرف بثورة 23 يوليو 1952، تستَغلُ الأنظمة المتعاقبة المسيحيين كورقة رابحة فى علاقاتها -خاريجيًا- مع المجتمع الدولي، وعلاقتها –داخليًا- مع الجماعات المُتشدِّدة (السلفيين والإخوان)، وباتت أجهزة الدولة تختصر الأقباط فى شخص " البطريرك" باعتباره رمزًا دينيًا واختياراً إلهيًا يُطيعونه في كل كبيرة وصغيرة ويخضعون له خضوع البنين.

 

ولذلك فلم يكن من المُستغرَّب أن  يحدد  الرئيس الراحل أنور السادات إقامة البابا شنودة فى عام 1981 عقب سلسلة من المواجهات بدأت مع حادث الخانكة الطائفي فى عام 1972  والذي فيه اعتدى عدد من المسلمين على مبنى يصلى فيه الأقباط، وقد أرخ  الكاتب الصحفي محمد حسنين رد فعل الرئيس السادات بقوله " شنودة يريد أن يلوي ذراعي ، ولن أسمح له أن يفعل ذلك".  وتخللها مظاهرات أقباط المهجر خلال زيارة السادات لامريكا  ليظن بأن البابا «شنودة» يتحداه، فأصدرت أجهزة الأمن قرارا للبابا بأن يتوقف عن إلقاء درسه الأسبوعي، ورفض البابا ثم قرر تصعيد الأمر بأن أصدر قرارا بعدم الاحتفال بالعيد فى الكنيسة وعدم استقبال المسئولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة بل وصل الأمر إلى ذروته عندما كتب فى رسالته التي طافت بكل الكنائس قبيل الاحتفال بالعيد أن هذه القرارات جاءت احتجاجا على اضطهاد الأقباط فى مصر .

الوضع في عهد الرئيس الراحل أنور السادات كان مختلفًا عن سابقه الرئيس جمال عبد الناصر، الذى كان مقربًا من البابا كيرلس السادس وساهم في إنشاء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، والتي أصبحت الآن المقر البابوي لبطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

وقد عبَّر الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عن العلاقة بين البابا كيرلس والرئيس جمال عبد الناصر فقال : "كانت العلاقات بين جمال عبد الناصر وكيرلس السادس علاقات ممتازة، وكان بينهما إعجاب متبادل، وكان معروفاً أن البطريرك يستطيع مقابلة عبد الناصر فى أي وقت يشاء، وكان كيرلس حريصاً على تجنب المشاكل، وقد استفاد كثيراً من علاقته الخاصة بعبد الناصر في حل مشاكل عديدة".

 

وبالرغم من تأييد البابا شنودة الثالث للرئيس الأسبق حسني مبارك حتى بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلا أن سلسلة من الهجمات استهدفت الأقباط بدأت بأﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﻤﻨﻔﻠﻮﻁ 1990 مروراً بمذﺑﺤﺔ ﺍﻟﻜﺸﺢ ﺍﻷﻭﻟﻰ وﻃﺮﺡ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺎﺭﻑ ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ 1998، وﻣﺬﺑﺤﺔ ﺍﻟﻜﺸﺢ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻧﻬﺐ ﺑﻴﻮﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﻭﻗﺘﻞ ﻭﺫﺑﺢ ﻭﺣﺮﻕ 19 ﻗﺒﻄﻲ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﺳﺮﻫﻢ 2000، وﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﺑﺎﻟﺮﺻﺎﺹ ﻭﺍﻟﺴﻼﺡ ﻭﺧﻄﻒ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻓﻲ ﺩﻳﺮ ﺃﺑﻮ ﻓﺎﻧﺎ ﺑﺎﻟﻤﻨﻴﺎ 2008، حتى  أحداث ﻧﺠﻊ ﺣﻤﺎﺩﻱ ﻣﺤﺎﻓﻈﺔ ﻗﻨﺎ 2010، وأخيراً ﺣﺎﺩﺙ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ ﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﺭﺍﺱ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩﻳﺔ 1 ﻳﻨﺎﻳﺮ 2011 والتى أعقبها الثورة.

 

وخلال فترة الحكم العسكري لمصر شهدَ الشارع القبطي أحداث ﻣﺬﺑﺤﺔ ﻣﺎﺳﺒﻴﺮﻭ ٢٠١١، وأﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﻌﻤﺮﺍﻧﻴﺔ ﻧﻮﭬﻤﺒﺮ ٢٠١٠، و ﺍﺣﺪﺍﺙ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺻﻮﻝ ٢٠١١، و ﺍﺣﺪﺍﺙ ﺍﻣﺒﺎﺑﺔ ٢٠١١، و ﺍﺣﺪﺍﺙ ﺳﻤﺎﻟﻮﻁ ٢٠١١، وﺍﺣﺪﺍﺙ ﺍﺳﻮﺍﻥ ٢٠١١، وﺗﻬﺠﻴﺮ ﺍﻗﺒﺎﻁ ﺍﻟﻌﺎﻣﺮﻳﺔ ٢٠١٢.

وخلال حبرية البابا تواضروس والتى تزامنت مع تولى الرئيس الإخواني محمد مرسي الحكم، شهد الشارع المسيحي أﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ ﻭ ﺍﻟﻬجوﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺎتدﺭﺍﺋﻴﺔ ﺍﺑﺮﻳﻞ ٢٠١٣ ، وحرق عدة كنائس علي مستوي الجمهوريه أغسطس ٢٠١٣ عقب فض اعتصامي النهضة ورابعة، فيما شهدت فترة حكم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي حادث البطرسية فى ديسمبر ٢٠١٦، وفرار مسيحيي العريش ٢٠١٧، واخيراً تفجيرات أحد الشعانين فى ٩ أبريل ٢٠١٧، إلى جانب حوادث متفرقة لاستهداف المسيحيين فى عدد من المناطق الشعبية.

وخلال الأنظمة  المختلفة تأرجحت  العلاقات بين رأس السلطة المصرية والرئاسة الدينية في مصر  بحسب قوة التأييد والمساندة التي يحصل عليها النظام من الأقباط ورأس الكنيسة القبطية، والتي تستخدمها الأنظمة فى تبيض" وجهها" خارجياً .

 

تنقية النصوص من الفكر المتطرف

ويظل المواطن المصري المسيحي بين سندان نظام يستخدمه لتبييض وجهه عالمياً مقابل تحقيق مبتور لعدد من القضايا، ومطرقة الجماعات المتطرفة التي تستهدفهم بين الحين والآخر، وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل ما الحل؟

والحل باختصار -كما يراه العديد من المُراقبين- يكمُن فى تنقية المناهج التعليمية من النصوص التي تحُض على الكراهية، لتحل محلها مناهج تدعم احترام الآخر المختلف وتُرَّسِخ لفكرة العيش المشترك، مع محاربة الفكر المتطرف بتشجيع الثقافة والفن والأدب، وتغليب وسائل الإعلام مصلحة الوطن بسلوكها نهجًا مُعتدلًا كبديل عن مواد إعلامية ذات مستوى متدنِ تعُج بالضجيج وتروج للفكر المُتطرف.

 الحل أيضًا يكمُن بداخل كلٍ مِنّا، حيث أننا مسؤولون كلٌ داخل أسرته وبيئته الصغيرة، والمسؤولية مُلقاه علينا لنقوم بدورنا في التوعية ومُجابهة التكفير بالتفكير ونشر ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، فباختصارٍ، الحَلُ بِنَا ولَنَا.

*صحفية في جريدة "روز اليوسف" مصرية