أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرها اليوم الثلاثاء 16 آيار 2017 بعنوان: "موتٌ مُعلَنٌ" تقرير تحليلي عن وقائع القتل والتهجير القسري بحق أقباط العريش. عنوان التقرير مستوحى من رواية الأديب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز، "سرد وقائع موت معلن".

 

تقرير شامل

وقد وثق التقرير الحقوقي الوقائع المعلنة لاستهداف الأقباط في محافظة شمال سيناء بأشكال مختلفة بدءًا من منْع ممارسة الشعائر الدينية وحرق الكنائس والاعتداء على الممتلكات والخطف مقابل الفدية. وصولًا إلى التهجير القسري والقتل على الهوية على مدار السنوات الست الماضية.

 ووصف التقرير الممارسات بحق الأقباط في شمال سيناء، بأنها "موت معلَن"، وحللت وقائع القتل والتهجير القسري وفرض حالة الطوارئ على المحافظة لفترات طويلة متواصلة.

 

الأسر المهجرة والأوضاع الخاصة

وقال الباحث إسحاق إبراهيم مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة، خلال كلمته بالمؤتمر إن هناك نحو  ٤٠٠ أسرة مهجرة من شمال سيناء إلى مدينة الإسماعيلية وأغلبهم بدون عمل وممتلكاتهم موجودة بالبلاد، بعدما قتل مسلحون مجهولون سبعة مسيحيين خلال فبراير/شباط الماضي، في حوادث متفرقة استهدفتهم في شمال سيناء. وأضاف أنهم لديهم تقارير خاصة بالأوضاع في العريش بينها تقرير نشر في ٢٠١٣، وأخرى لم تنشر بعد، بجانب زيارتهم لمدينة العريش والشيخ زويد قبل وبعد ٣٠ يونيو وبالتالي رصد الوقائع كان ميدانيًا.

 وقال: "مع بداية ٢٠١١ شهدت أحداث عنف تجاه الأقباط وتهجير جزئي لأهالي رفح ثم تهجير كامل لهم، والإعلام يردد وقتها بأن هذا ليس استهداف ديني وأن العنف يطال الجميع سواء المواطنين أو الأجهزة الأمنية".

 

رسائل "ولاية سيناء"

وكان فرع داعش في مصر، المعروف باسم "ولاية سيناء"، دعا عناصره، الأسبوع الماضي، إلى قتل من سماهم بـ"الصليبيين في مصر"، كما نشر تسجيلاً مصوراً في 19 فبراير/شباط الماضي، هدد فيه أقباط مصر، ووصفه بأنه "الرسالة الأخيرة لمنفذ الهجوم على الكنيسة البطرسية بالقاهرة، الذي وقع في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأودى بحياة 299 شخصاً".

 

نبيل صابر قبطي مات لأجل ختم النسر

نبيل صابر، 42 عامًا، ترك أبناؤه مدارسهم بمدينة العريش، واتجهوا جميعًا إلى بورسعيد ضمن عشرات الأسر القبطية، اضطر نبيل إلى العودة لمدينته مرتين لاستخراج بعض الأوراق اللازمة لتمكين نجله من أداء الامتحانات في مدارس بورسعيد التي تطالبهم ببيانات نجاح مختومة بختم النسر كشرط لأداء أبنائهم الامتحانات.

 كُتبت السلامة لنبيل في المرة الأولى، لكن في الثانية كانت نهاية حياته، حيث عاد لأسرته جثة مثقوبة الرأس والصدر برصاص مسلحين. ومستقبل أبناء نبيل، الذي حاول تأمينه بـ"ختم النسر"، أصبح الآن في مهب الريح، بعد أن فقدوا معيلهم الوحيد.

 

التهجير القسري وتنامي التطرف

وأكد التقرير أن الحادث الأخير، "يمكن وضعه في سياقه الأوسع المتسم بتنامي العنف الطائفي بأشكاله المختلفة، وتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة المسلحة في شمال سيناء، والفشل الرسمي في توفير الحماية اللازمة المقررة دستوريًّا وقانونيًّا للأقباط الذين يواجهون هذا التهديد المباشر، على الرغم من توفر سبل تلك الحماية لدى أجهزة الدولة".

 وخلص التقرير من خلال توثيق الوقائع إلى استنتاجات رئيسية. أولها "أن ما حدث في فبراير/شباط الماضي لا يمكن وصفه سواء بالمعايير القانونية والدستورية المصرية، أو بالمعايير الدولية التي قبلت بها الدولة ورفعتها إلى مرتبة النصوص القانونية الملزمة، إلا كتهجير قسري مارسته جماعات مسلحة أو شبه مسلحة ضد جماعة متجانسة دينيًّا بهدف إجلائها من موطنها. ولا يمكن التهوين من شأنه واعتباره مجرد مغادرة طوعية أو حالة نزوح جماعي هربًا من نزاع مسلح".

 

كما خلص التقرير إلى "أن ممارسة التهجير القسري ليست حدثًا استثنائيًّا في سياق مناخ التوتر الطائفي السائد في مصر بقدر ما كانت ممارسة شائعة تواطأت معها أجهزة الدولة في كثير من الأحيان عبر إقرارها أو إشرافها على جلسات الصلح العرفية التي كانت تعقد لتسوية أغلبية النزاعات الطائفية، والتي كانت ممارسة التهجير مكوناً رئيسياً من مقرراتها".

 وشدد على "أن تعامل الأجهزة الأمنية مع تلك الأزمة قد فشل في الوفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية والدولية بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين المصريين في تلك المنطقة، وعلى رأسها الحق في الحياة، والحق في الملكية، وعدم التهجير القسري، مع الأخْذ في الاعتبار المدى الزمني الطويل الذي تطورت عبره الأحداث والذي كان من المفترض أن يسمح بالتنبؤ والتخطيط الفعّال للتدخل بهدف توفير الحماية، ومع الأخذ كذلك في الاعتبار حقيقة الانتشار الأمني والعسكري الكثيف في المنطقة".

 

أرشيف للإعتداءات

 وتناول التقرير خلفية تاريخية عن تطور أحداث العنف الطائفي في مصر منذ ثورة يناير 2011، ورصدًا لأنماطها الرئيسية، والواقع الأمني والسياسي والاجتماعي في شمال سيناء، وانعكاسات هذا الوضع الأمني على حياة أقباط المنطقة. كما شمل قراءة في أحداث القتل والتهجير القسري التي جرت وقائعها في فبراير الماضي، ومواقف الفاعلين الرسميين من أجهزة أمنية ومحلية وتنفيذية، كما قدم رصدًا لأهم الانتهاكات التي تعرض لها أقباط شمال سيناء خلال هذه الأزمة.

 

التوصيات: فرض الأمن وحماية ممتلكات الأقباط

وقدمت المبادرة في تقريرها عدة توصيات، منها "وضْع خطة محكمة ومحددة زمنياً لفرض الأمن، وضمان حماية من يريد من المهجرين العودة إلى مدينة العريش، أو مساعدة من يريد البقاء في المناطق الجديدة التي انتقل إليها مع توفير سبل الحياة الكريمة وفرص عمل قريبة من سكنه، وتقديم الإعانات اللازمة إليهم".

 كما أوصت بـ"حماية ممتلكات الأسر القبطية التي تركوها وراءهم، وتقديم تعويضات متناسبة مع حجم الممتلكات لمن يريد التصرف في ممتلكاته وعدم العودة إلى العريش مرة أخرى، وإعلان جهات البحث والتحقيق عمَّا توصلت إليه، وتحديد مسؤولية المتورطين في هذه الاعتداءات وتقديمهم إلى العدالة".

*ناشط حقوقي مصري