منذ أن نالت الدولة السورية الاستقلال سنة 1946 حتى يومنا هذا، مرورا بكافة المراحل السياسية من الانقلابات العسكرية وتجارب الوحدة مع بعض الدولة العربية إلى حكم البعث، كان للمسيحيين دورهم وحضورهم، ضمن مؤسسات الدولة والاحزاب. فليس في سورية تجربة احزاب دينية، عدا الاخوان المسلمين، فكانت التجربة هي في أحزاب مدنية.

 

ثوابت المسيحيين السوريين

وضمن السنوات السبعة الماضية كان الدور المسيحي حاضرا في حراك ضمن منطق المواطن وليس الكتلة، فالمسيحيون عامة يختلفون بآرائهم السياسية وانتمائهم الحزبي، ولكنهم على قاعدة أن الدولة هي الاساس وليس "الكانتونات" الطائفية. وهنا كان الاتهام الموجه لهم من قبل جزء من المعارضة بأن التأييد الاكبر منهم هو للحكم في سوريا، كونه بحسب رأي المعارضة، يسوق لنفسه بأنه حامي الاقليات، وكان الرد على هذا الاتهام ضمن رأين:

الرأي الاول يعتبر أن هناك مسيحيين معارضين للحكم في سورية ولا يمكن الحديث ضمن منطق التعميم، فضمن مفهوم النسبة والتناسب فإن من الطبيعي أن يكون عدد المسيحيين المؤيدين للمعارضة أٌقل من نسبة باقي الطوائف لأنه انعكاس لنسبتهم ضمن المجتمع كونهم يشكلون ما نسبته حوالي 10 % من عدد السكان، أما الرد الثاني فهو أن المسيحيين هم ضمن منطق الدولة في منطقة تعصف بها رياح الحركات المتطرفة، وفي محيط إقليمي مؤهل للتقسيم والتهجير.

 

الحراك السياسي

في مؤسسات الدولة لم يكن هناك تواجد مختلف عن السابق، فهو استمرارية للعقود السابقة، ولكن نتيجة الازمة يبقى لكل خطوة حتى لو كانت طبيعية فهي ستأخذ منحى مختلف. وقد كان هناك حرص من الدولة السورية أن يبقى حضور المسيحيين في المؤسسات الرسمية، فضمن مجلس الشعب السوري (البرلمان) كان تواجد النواب بشكل دائم من معظم المحافظات، كالنائب السابقة ماريا سعادة والنائب حمودة صباغ (عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) والنائب نورا أريسيان، كما ضمت الحكومات المتعاقبة وزراء مسيحين مثل وزير الصحة الحالي نزار يازجي.

وفي الطرف المعارض فقد توزع المسيحيون، فالمعارض ميشيل كيلو وجورج صبرا كانوا ضمن المجلس الوطني الذي تم تأسيسه في تركيا، اما ضمن المعارضة في الداخل السوري، فمنهم الدكتور اليان مسعد امين عام حزب المؤتمر الوطني من اجل سوريا علمانية، وسامي بيتنجانة عضو المكتب سياسي للتيار الثالث لأجل سوريا، وهم اعضاء ضمن المنصات التي تم تأسيسها للحوار في جنيف. حركة الجسم المسيحي ضمن الازمة كان في حدود رفض التقسيم وقيام أي دويلات طائفية وعرقية، حتى لو كان هناك بعضهم تعامل مع الازمة من نظرة الوجود المسيحي حصرا، فهي ضمن السياق ذاته. ويبقى المطلب الاساسي لديهم هو العمل على تثبيت الوجود المسيحي ضمن الدستور في تأكيد الحقوق والواجبات، وليس فقط ضمن اعتبارات دينية تتعلق بشعارات الاخاء الديني.

 

اختلافات عن مسيحيي المشرق

وتختلف تجربة المسيحيين في سورية عن غيرهم في منطقة الشرق الاوسط، فهم لا يشكلون عدد كبيرا كما الاقباط في مصر، ولم يشكلوا حالة سياسية حزبية كما في لبنان، فتراكم التجربة هي خارج الزعيم الطائفي والحزب الديني، ولكن يبقى فيها ادراك إلى اهمية الوجود المسيحي وخاصة كون بلادهم تشكل مهد المسيحية وانطلاقتها إلى العالم، فهم يدركون بأنهم ورثة أنطاكية والتي اصبحت تحت سلطة الدولة التركية منذ بداية القرن العشرين مع عملية التقسيم للمنطقة، وأن عددهم كان يفوق عدد المسلمين في الدولة الاموية، وهم يدركون أنهم تعرضوا لعمليات إبادة خلال التاريخ كان من أكبرها زمن المغول حين قام تيمورلنك بتنفيذ إبادة بحق المسيحيين في المشرق، وصولا إلى المجازر العثمانية بحق السريان والارمن والاشوريين، وغيرها من العوامل المحيطة بهم وداخل بلادهم، تعطيهم الخيار بين أمرين، إما الهجرة خارج الارض او الحضور الدائم والفاعل ضمن القضايا إن كانت محلية في مؤسسات الدولة السورية أو إقليمية مثل القضية الفلسطينية.

 

الدفاع العسكري

حمل مسيحيون السلاح في مواجه المجموعات المسلحة، إما ضمن أفراد في الجيش السوري وكان منهم وزير الدفاع السوري داوود راجحة الذي تم اغتياله في تموز 2012، أو ضمن مجموعة مقاتلة رديفة إلى جانب الجيش. وقد اختلف الدور العسكري بين المدينة والريف، ففي المدن كان التواجد ضمن قوات الجيش السوري او اللجان التابعة للدفاع الوطني، أما خصوصية بعض المناطق الريفية فقد فرضت تشكيل فصائل عسكرية مقاتلة تضم أفراداً من لون واحد، مثل قوات السوتورو السريانية وقوات "الناطورة" الاشورية في المنطقة الشرقية، فهي ضمن مناطق ذات أغلبية مسيحية وطوق مواجهة مباشرة مع تنظيم داعش.

وفي مناطق أخرى كان القتال ضمن ما يعرف بمؤسسة الدفاع الوطني مثل صيدنايا في القلمون ومنطقة الوادي في حمص. وفي نموذج أخر كانت منطقة محردة ذات الاغلبية المسيحية دور عسكري ولكن ضمن صفوف المجموعة المقاتلة " نسور الزوبعة " التابعة للحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي يتواجد تاريخيا فيها. أما الفصيل العسكري الوحيد المعارض الذي تأسس فهو المجلس العسكري السرياني وهو على تنسيق مع قوات حماية الشعب في مناطق سيطرة الاكراد شرق سورية.

وبقيت الحالة العسكرية في حالة جدل، فكان هناك تخوف من عسكرة المسيحيين وجعلهم يدخلون ضمن محرقة الحرب، في حين كان رأي أخر مختلف بان المواجهة مع حركات متطرفة كان من الضروري أن يتم تدريب الشباب على حمل السلاح لمساندة عمليات الجيش السوري والدفاع عن مناطق تواجدهم، وهنا كان الدعوة للحرص ألا تتشكل أحزاب وفصائل مسيحية عسكرية خارج منطق الدولة.

 

العمل الإغاثي والمدني

مع اشتداد حالات النزوح داخل البلاد، بدأ العمل ضمن مؤسسات إغاثية وهي في معظمها تابعة للمؤسسات الكنسية، مثل دائرة العلاقات المسكونية والتنمية التابعة لبطريركية الروم الارثوذوكس، هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية التابعة لبطريركية السريان الارثوذكس. كما بدأ نشاط منظمات أجنبية مثل منظمة إغاثة مسيحيي الشرق SOS Chrétiens d'Orient / بعثة سورية. وتعمل مختلف هذه المنظمات على تأمين التمويل بشكل أساسية من منظمات دولية وخاصة العاملة في سورية، كون هذه المنظمات تعتبر المؤسسات الدينية او المنبثقة منها، إحدى الجهات التي يمكن من خلالها تأمين الدعم المالي للمشاريع التي يتم تنفيذها في سوريا.

*صحافي سوري يراسل موقع "اليوم الثالث"