في أحد مشاهد فيلم حسن ومرقص، كان عادل امام وعمر الشريف يشاهدان فيلماً لنجيب الريحاني، وأخذ عادل إمام يحكي لعمر الشريف أن نجيب الريحاني المسيحي لم يعرف أن شريك مشواره الفني ومؤلف مسرحياته بديع خيري مسلم إلا حين ذهب لتقديم واجب العزاء في وفاة والدت، ووجدهم يقرأون القرآن. حيث أن أياً منهما لم يهتم أن يسأل عن ديانة الآخر. وهذه الواقعة صحت أم لم تصح، ليست شاذة أو غريبة، وليست مقصورة على أهل الفن وحدهم، فكما سمعنا عن القمص سرجيوس الذي كان يخطب في الأزهر الشريف خلال ثورة 1919، سمعنا أيضاً وقرأنا عن مسيحيين ويهود كانوا يحضرون دروس الشيخ محمد عبده في تفسير القرآن.

 

البحث عن الإنتماء الطائفي

أما الآن، فنحن جميعاً نعرف أن هذا الزمن الجميل كما أسماه عادل امام قد مضى، وأصبح من الصعب ان تجد شخصاً غير مهتم بديانتك في مصر. سائق التاكسي والحلاق ومن يجلس بجوارك في المواصلات العامة، والطفل الذي يجلس بجوار ابنك في المدرسة، الجميع يحاول ان يعرف هل انت من فريقه ام من الفريق الاخر. ولا يبدوا ان الامر له علاقة بمدى تدين الأفراد، حيث نجد أن أقل الناس تديناً أحيانا يكونون أكثرهم أهتماماً بمعرفة ديانة من يتعاملون معهم، تماما كما يهتم مُشجعي كرة القدم بالجلوس في المدرجات التي تخص فريقه حيث يشعر بالانتماء والأمان. فكيف تحول المصريين عن أروع صور التعايش وتقبل الاختلاف إلى واقعنا الذي أصبح الانقسام والتحزب فيه في أبشع صوره؟

 

ديفيد ماكليلاند (David mcClelland) هو أخصائي أميركي في علم النفس، وصاحب نظرية الاحتياجات الثلاثة، وفيها يحاول أن يشرح ما هي العوامل التي تحرك الإنسان وتحفزه، وقد حدد تلك الاحتياجات إلى ثلاث: الحاجة الى تحقيق الانجازات، والحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى امتلاك القوة.

وتلك الاحتياجات هي مكتسبة، بمعنى أن بيئة الانسان وثقافته تشكل تلك الاحتياجات وترتب أهميتها عنده، و أنا أعتقد أن الحاجة الى الانتماء تحتل المكانة الأولى بين تلك المُحفزات في ثقافتنا العربية الان.

 

أيام الوطنية المصرية...

قبل أن ينهار مشروع القومية العربية مع هزيمة 67 وموت جمال عبد الناصر، كان الانتماء عند طائفة كبيرة من المواطنين للوطن و للقومية العربية ومشروع الوحدة الكبير. وقبل ذلك كان الانتماء للأمة المصرية في عهد الملكية. وربما كان الاحتلال ووجود عدو واضح مشترك لكل المصريين عاملاً هاماً على تقوية الإحساس بالإنتماء الوطني، فكان من الطبيعي أن يشعر المصريون جميعا أنهم شركاء في فريق واحد، وأن مسيحية المواطن أو يهوديته لا تقلل من مصريته أو عروبته التي تقوم على عوامل اللغة والثقافة. حتى ولو كان الإسلام من روافد تلك الثقافة كما أقر العديد من مُنظري مشروع القومية العربية المسيحيين.

 

انتشار الخطاب الديني

لكن في لحظة صدمة الهزيمة، يبدوا أن المصريين كفروا بمشروع القومية العربية، وشعروا أن الله عاقبهم لأنهم انشغلوا عن الدين بالفلسفات الاشتراكية والعلمانية والعصبية الوطنية. وبالرغم من أن الدين كان دائماً له مكانة كبيرة في وجدان المصريين، الا أن المصريين في هذه المرحلة بالذات قرروا أن يحولوا دفتها إلى الدين في صورته العالمية كوطن جديد، وتغيير الانتماء الوطني إلى الانتماء الديني. وتغيرت الراية الوطنية إلى الراية الدينية، حتى أن علم الدولة عند بعض الجماعات الدينية صار من رموز الجاهلية.

 وساعد على ذلك تغير القيادة السياسية بين وقتي الهزيمة واسترداد الأرض، وقد كانت القيادة السياسية الجديدة في ذلك الوقت تريد ان تسحب البساط من تحت بقايا نظام عبد الناصر فأجهزت على ما تبقى من انتماء قومي وعروبي لصالح التيار الديني، في محاولة للتخلص من رموز النظام السابق.

 

تقوقع المجموعات

هكذا شعر المسيحيون أنهم تُركوا بالخارج بينما اجتمع باقي أبناء الوطن يحددون انتماءات الوطن كله، وأصبحت الشراكة في الدين أقوى من شراكة الوطن عند البعض، وانتشرت هذه الروح في كل مكان، في أماكن العمل، في النوادي الرياضية وفي الجامعات. فأصبحنا نجد المسيحيين وقد تكتلوا في أماكن تجمع معروفة لهم، وأخرى للأخوة أو الأخوات المسلمات داخل الجامعة. وسيطرت الجماعات الإسلامية على اتحادات الطلاب. وتقوقع المسيحيين في أسر جامعية مسيحية، حتى الملازم الدراسية والملخصات اصطبغت بصبغة دينية. وهكذا أصبح كل شيء طائفيأً، حتى مناهج التعليم العام والخطاب الرسمي متمثلا في تلفزيون الدولة.

 

تغرب الأقباط بسبب الخطاب التمييزي ضدهم

وبالتدريج وعلى مدى عشرات السنين، وكنتيجة لهذا الخطاب الطائفي، أصبح الماليزي المسلم أقرب إلى المصري المسلم من المصري المسيحي بناءً على الانتماءات الجديدة، وكان لهذا بلا شك تأثير عميق في الوعي القبطي، الذي تعمق إحساسه بالتغرب تدريجياً، حتى انعزل تماماً متقوقعاً داخل اسوار كنيسته باحثاً هو الآخر عن انتماء كامل غير منقوص. وأصبحت الدولة تتعامل مع الكنيسة المصرية بصفتها سفارة للأقباط داخل مصر.

 

الصوت الوطني العاقل

أنا لا أعتقد أنَّ الفرصة قد فاتت لاعادة تعميق روح الانتماء الوطني، فبالرغم من ضجيج الخطاب الطائفي، هناك أصوات عاقلة كثيرة تنادي بسيادة روح المواطنة. وهي في رأيي قارب النجاة الوحيد المتبقي لنا في هذه المنطقة التي تعج بالانقسامات الدينية والطائفية. فلابد من إعطاء تلك الاصوات مساحة لتشكيل ثقافة المجتمع، فكما قلت، تلك المحفزات وخاصة الانتماء هي عوامل مكتسبة، يمليها المجتمع  الثقافة العامة على الأفراد. فلا أحد يولد طائفياً أبداً، هي أشياء نتعلمها من مجتمعنا.

 

التربية هي الأساس

يحكى عن طفل أمريكي صغير عاد إلى بيته من المدرسة في أول يوم دراسي له، يحكي لامه بسعادة غامرة أنه قد تصادق على الطفل الذي يجلس بجواره في المدرسة، فسألته أمه، هل ذلك الطفل أبيض أم أسود؟ فكر الطفل قليلاً ثم قال لها، لم انتبه، لكني سوف أنتبه غدا الى لونه.

*طبيب مصري مقيم في الولايات المتحدة