لطالما كان موقع الدين ودوره في دول المشرق العربي مثار نقاش، وعاملًا هامًا مؤثرًا على شكل السلطة في هذه الدول ووظائفها وسياساتها، ومتأثرًا بها في نفس الوقت. وفي عصر تتأجج فيه النزاعات الدينية في المشرق العربي، وتأخذ فيه أبعادًا جديدة، وتدخل مساحات غير مسبوقة، فإن التساؤلات حول منابع هذه النزاعات وتواريخها والأطراف الفاعلة في خلقها أو الحد منها تصبح أشد إلحاحًا. وفي المقابل، فإن أسئلة أخرى تثار حول الطروحات العلمانية التي تقدم نفسها كبديل في المشرق عن دينية الدولة والنزاعات التي تلحقها والمناخات المناسبة لتطبيقها.

 

العلمانية تعني فصل المؤسسات الدينية عن السلطة الحاكمة، حيث لاتقبل بإعتناق دين معين على حساب دين أخر ولاتتبنى دين معين كدين رسمي للدولة ولاتسمح للدين ان يتدخل في رسم سياسة الدولة او يدخل في اصول الدستور للدولة. وأصولها تعود الى الفلسفة اليونانية. هنالك لبس دائم بمفهوم العلمانية وخصوصا في دول المشرق العربي باعتباره رديفاً للإلحاد وطبعا العلمانية ليست الإلحاد، العلمانية هي "دهرنة" الدولة؛ أي العيش في زمن الدنيا وما تقتضية الدنيا وزمانها. 

الدهري يَعْنِي ألا يحكم شؤونك نص آتٍ من الماضي، ولا رجالات يعيشون على النصوص وليس على العقل والظروف الناشئة. العلمانية هي فصل الدين عن الدولة واندماج فاعلياته في المجتمع المدني. بحيث يكون دور الدين روحياً لا زمنياً. وبهذا المعنى يأخذ الدين مكانته الأرفع في الدولة العلمانية عندما يكون فعله روحياً وليس مستنداً إلى تداخلات باليوميات وبالإجراءات.

 

ضبابية علمانيي المشرق

تخبط العلمانيون في دول المشرق التي شهدت احداث دامية وتغيرات مفصلية في السنوات الاخيرة، واعتقدوا بأن ما يحدث هو فعلاً ثورات من أجل الديموقراطية والحرية والعصرنة وقام معظمهم بدعمها والتهليل لها، فما كان الا ان قفزت على الساحة السياسية قوى إسلامية وأكثرها متطرفة غذتها الانظمة الاسلاموية في المنطقة وعلى رأسها بعض الدول العربية والإقليمية، وضخت أموال لاستقطاب ما سموه الثورات. وهنا العلمانية أقصيت تماماً لأنها لا تملك اي دعم مادي معنوي لوجستي سياسي. وتبين ان الانظمة الاسلاموية الجديدة اثبتت أنها أقسى على الحرية والعصرنة والانفتاح واحتواء الاختلافات المذهبية والإثنية والقومية والعشائرية، وأكثر عداء للديموقراطية من الأنظمة التي سبقتها، والأسوأ أن العداء والاستبداد يُرتكبان باسم الشرعية الدينية، فوقعت بعض القوى المشرقية التي تدعي العلمانية بمأزق كبير..

 

علمانيات متعددة ومختلفة

والصادم أنَّه كفصلٍ تام بين الدولة والدين، فإن العلمانية لا تقوم إلا في قلة من البلدان وهنا استعرض على سبيل المثال فرنسا، الولايات المتحدة، المكسيك. وفي المقابل هناك الدول التي تعرف في أوروبا على أنها نصف علمانية كألمانيا وبلجيكا وهولندا. فالدولة في ألمانيا مثلاً حيادية من وجهة النظر الدينية، لا تنتصر لدين على دين ولا وجود فيها لدين دولة أو لكنيسة قومية، وهي بهذا المعنى دولة علمانية. ولكنها في المقابل لم تبت صلتها بالكنائس البروتستانتية والكاثوليكية حصراً وتعتبرها كهيئات اجتماعية تابعة للقانون العام وتقر لها بحقها في التعليم الديني لأتباعها في المدارس العمومية. وفي الوقت الذي تلتزم الدولة في بلجيكا بالحياد الديني فإنها تعقد صلة خاصة مع ديانة الغالبية (70% من السكان) التي هي الكاثوليكية وتضمن التعليم الديني في المدارس العمومية لمن يطلبه من تلاميذها أو أهاليهم. وتتكفل بالإنفاق على القائمين بأمر الشعائر الدينية، وإن كانت تحصرهم بست طوائف: الكاثوليكية والبروتستانتية والأنغليكانية واليهودية والإسلام والأرثوذوكسية.

 

وهنالك دول شبه علمانية وهي الدول اللاتينية في جنوب أوروبا؛ البرتغال واسبانيا وإيطاليا. فحتى الأمس القريب كانت الكاثوليكية لا تزال هي الديانة السائدة أو الرسمية في هذه الدول. فدستور البرتغال لعام 1951 ينص على أن الكاثوليكية هي دين الأمة البرتغالية (94% من السكان) ويقر لها بمعاملة خاصة. وقد تبنت اسبانيا عام 1978 دستوراً حديثاً يضمن الحرية الدينية للأفراد ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على وجود علاقات تعاون بين الدولة والطوائف ولا سيما الكاثوليكية. وتعمم اسبانيا التعليم الديني في المدارس وتسمح بوجود مرشدين روحيين في الثكنات والمستشفيات والسجون وتبيح لمواطنيها أن يقتطعوا نصفاً في المئة من ضرائبهم ليقدموه على شكل (عُشر) للكنيسة. أما في إيطاليا التي لها وضع خاص بحكم كونها مركز البابوية فإن الدولة تعترف رسمياً بأن مبادئ الكاثوليكية تمثل جزءاً من التراث التاريخي للشعب الإيطالي وتعفي الكهنة من الخدمة العسكرية وتقر بمشروعية الزواج الديني وتسمح لهم بالتعليم الديني في المدارس العمومية على نفقة التلاميذ وأهاليهم. أما بريطانياً أخيراً فتقدم نموذجاً لدولة لا علمانية بدون أن يعني هذا أنها دولة دينية، فالكنيسة الأنغليكانية ما زالت لها في إنكلترة صفة الكنيسة الرسمية والملك (أو الملكة) هو رأس هذه الكنيسة، ولكن في جميع هذه الحالات ومهما تفاوتت درجة العلمانية بين "نصف علمانية" و"شبه علمانية" و"لا علمانية" تكفل الدول الأوروبية الحرية الدينية أي حرية اعتناق الدين وحرية تبديله كفالة مطلقة.

 

 

أزمة الإسلاميين

وبعد مجيء الأحزاب الإسلامية إلى الحكم في بعض دول المنطقة، بدأت تظهر أزمة التشدد الديني بعد أن انخرطت هذه الأحزاب في الحكم وأدرك قادتها وأعضاؤها وجماهيرها أن فرض القيود الدينية على الناس لن يحقق المصلحة ولا الاستقرار ولا يعزز من شعبيتهم أو يأتي بأي فائدة على المجتمع، وهو يدور عكس عجلة التاريخ. فكان لا بد من إعادة طرح العلمانية كحاجة اليوم للخروج من حالة التخبط العشوائي الذي يعيشه المشرق!

نعم، ما زالت بعض الجماعات الصغيرة تمارس التشدد كورقة سياسية تجدها رابحة في ظل التناقضات السياسية السائدة في المنطقة، لكن غالبية المثقفين داخل الاحزاب الاسلامية تفكر مرتين اليوم بعد ان إتضح لها ان نتيجة السير بهذه السياسة الاستبدادية هي الفشل.

 

لتحالف العلمانيين والقوى المتنورة

أمام هذه الهمجية والجرائم التي ترتكبها القوى التكفيرية المتطرفة يتطلب على القوى الشرقية المتنورة اللجوء الى التحالفات الانية من دون تأخير وجمع شمل القوى غيرا لمتطرفة زائدا القوى الليبرالية والمثقفين المستقلين والشباب المنفتحين ممن يؤمنون بسياسة الانفتاح لكل الاديان والاثنيات والقوميات، والانفتاح على الدول التي سبقتنا بتطورها الثقافي الاجتماعي السياسي الاداري. ولتسليط الضوء على هذه القوى الظلامية المتطرفة نجد كيف يدور الصراع على السلطة وسرقة أموال الدولة ونهب ممتلكاتها العامة، على العكس من النظام العلماني الذي تذوب فيه الهويات الطائفية حيث تذوب الهوية الدينية السياسية، بل تبرِز الهوية الوطنية الهوية الانسانية التي تداعي بها معظم الاديان كون بلدان الشرق معظمها تتكون من شعوب فيها الهويات الدينية المختلفة مع الهويات الطائفية المختلفة مع الهويات القومية المختلفة. والنظام العلماني يجمعهم تحت مظلة القانون.

إذن الحل هو النظام الديمقراطي العلماني ولا شيء سواه كمنقذ من الأتون التي تعيشه منطقة المشرق وتتخبط في ناره...!

* أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة