بعد سبع سنوات من الحرب على سوريا، ترتفع رايات الحركات الدينية، يجتاح رجال الدين شاشات الفضائيات العربية، تتراجع الدعوات العروبية ويتصالح بعضها مع التيارات الدينية، ليصبح حضور العلمانيين السوريين كالصوت الصارخ في البرية. فهم إما مغيّبون ومهمشون من مختلف الاطراف أو غائبون نتيجة تراجعهم عن قيمهم وتفضيلهم الاختباء وراء الهويات الدينية والمذهبية تحت قناع العلمانية.

 

هكذا حاربوا العلمانية السورية

بمجرد البحث عن العلمانيين في سوريا في الوقت الراهن، تأخذك الاحداث وارتباطها إلى أيام تأسيس الدولة السورية وما بعدها في الحرب الباردة وصولا إلى ما سمي "الربيع العربي".

ويصف الدكتور اليان مسعد الامين العام "للمؤتمر الوطني من اجل سوريا علمانية" تلك المرحلة بقوله "مرت سوريا والعالم العربي بعد الاستقلال بتجارب في العلمانية، منها العسكرية والايديولوجيا والطائفية والاجتماعية، وكانت العلمانية حينها ممارسة من قبل الشعب والذي عارضها هي القوى الاسلامية وجعلت منها قضية محورية منذ الخمسينات حتى التسعينات، ووضعوها في صراع مع الاسلام كدين وقاموا بشيطنة العلمانيين، وقد تمت محاربتها من قبل الدول ورعتها مؤسسات ثقافية بدعم من المملكة العربية السعودية علنا وسرا ومشاركة الاردن، وهو ما صنع حاليا حساسية اتجاه مصطلح العلمانية".

 

الخبث الفكري والسياسي

ويذهب العديد من النخب حالياً إلى استخدام مصطلح المدنية بدل العلمانية. في هذا الإطار يشير الدكتور مسعد إلى استخدامها من قبل هذه الشخصيات كتخلٍ عنها، قائلاً إن برهان غليون في مقابلته مع المؤسسة الوطنية للإرسال مع الاعلامي مرسال غانم، يؤكد أنه على اتفاق مع الاسلاميين وهو ليس علمانياً، وحسن عبد العظيم المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية يعلن أنه مع الدولة المدنية بوصفها دولة المدينة وصحيفة المدينة، وهي التي أنشأها النبي العربي منذ 14 قرناً، ويبرر استخدامه لمصطلح المدنية كون العلمانية لها حساسية في القواعد الشعبية".

ويرى مسعد أنَّ هذا التراجع هدفه تسويق مفهوم الدولة المدنية تمهيداً للحكم الاسلامي على النموذج التركي: "من بين المتراجعين المعارض حازم النهار الذي كان يقول إن سر نجاح أي ثورة هو منطقها العلماني، لكنه حالياً يسوق للدولة المدنية اقتراباً في قطر من الاخوان المسلمين وله حزب سياسي يعمل في هذا الاتجاه، والحجة لديه ان الشارع يملك حساسية اتجاه كلمة العلمانية، ورئيس تيار بناء الدولة السورية لؤي حسين الذي يعتبر الاستبدال هو في المصطلح فقط وليس المضمون".

 

أزمة التيارات الدينية والحياة الحزبية

إن لعبة السياسة في سورية تؤسس في المدن الكبرى التي بنيت على تحالف المعبد والتاجر، وبشكل اساسي دمشق وحلب التي. وهذا التحالف كائن منذ ايام العبادات الوثنية حتى التوحيد، ومنذ طريق الحرير حتى الاستقلال، هذه والذي أحسن وصفه الكاتب صقر ابو فخر في كتابه "أعيان الشام وإعاقة العلمانية في سورية  بمصطلح استعصاء العلمانية بسببها.

وقد عمل الاخوان المسلمين بعد أحداث الثمانينات إلى الدخول ضمن قلب المؤسسات في الدولة، ومحاولة السيطرة عليها من الداخل بهدف فرض رأيهم بعيدا عن الطريقة التقليدية بالظهور العلني للتيار الاخواني، وهو ما استكمله الاخوان المسلمين في قيادتهم للمعارضة السورية حيث عملوا على أن يكونوا في الخلف وأن يضعوا في الواجهة شخصيات متنوعة ثقافياً ودينياً كانت بمثابة واجهة تنفذ تحت شعار "الثورة والمعارضة" لتحقيق أهداف الحركة الإسلامية.

 

وفي ملف الأحزاب، أصدرت الحكومة السورية قانوناً ينظم عمل الاحزاب السياسية سنة 2011، ولم يأت القانون في مواده على ذكر " العلمانية " وإنما أشار في المادة الخامسة منه إلى شروط التأسيس في الفقرة الرابعة " عدم قيام الحزب على أساس ديني أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو على أساس التمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون ". فأسست الاحزاب بالإضافة إلى أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يشير بعضها في أدبياته او عقائده إلى توجهه العلماني، مثل الاحزاب التاريخية الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي.

وتعتبِر الأحزاب الكردية نفسها من الاحزاب العلمانية كونها لا تنادي بقيام الدولة الدينية ولا هي مؤسسة في عقيدتها على الفكر الديني. لكن هذه "العلمانية" المزعومة تتعرض للإنتقاد نظراً لما يعتبر ممارسات ذات طابع عنصري في المناطق التي تسيطر عليها هذه الأحزاب الكردية.

 

المجتمع السوري بين التيارات الدينية ونوافذ العلمنة

لا ترخص الدولة السورية لأحزاب دينية سياسي، ولكن في المقابل هناك تملك تيارات دينية شعبية تؤطر نفسها ضمن العائلات والمؤسسات والمجتمعات الريفي.  ولكسب هذه الفئات ابتعدت الاحزاب في سورية عن استخدام مصطلح العلمانية في هدنة مع هذه التيارات، وازداد هذا التيار مع ارتفاع وتيرة الحالة الدينية في كامل المنطقة.

ولا يمكن وصف المجتمع السوري بانه علماني، فالمساجد والكنائس ما تزال لها كلمتها العليا، وقانون الاحوال الشخصية مازال ضمن محور الشريعة الدينية، وفي المدارس لم تستطع المؤسسات التربوية أن تأخذ الخطوة الاقوى نحو إلغاء التربية الدينية واستبدالها بمواد عن المواطنة، كما ازدادت معاهد تحفيظ القرآن والجماعات الاسلامية مثل "القبيسيات" وهن عبارة عن تجمع إسلامي من النساء فقط استطعن التواجد داخل الدولة وفي العائلات ضمن المدن الاساسية.

وفي حال الحديث من إحدى الجهات الدينية عن العلمانية يعد ذلك فرصة يجب التمسك بها. ولعل من أبرز المواقف في هذا الإطار، موقف صادر من مفتي الجمهورية الشيخ بدر الدين حسون الذي يؤكد دائما على علمانية سورية ودعي في إحدى كلماته الاخيرة إلى بناء المدارس والجامعات قبل المساجد، والموقف الثاني من أسماء كفتارو حفيدة مفتي الجمهورية السابق أحمد كفتارو التي دعت إلى فصل الدين عن السياسة وإلغاء وزارة الاوقاف، هذه المواقف وغيرها تنتظر الترجمة الفعلية ضمن مؤسسات الدولة وليس فقط الحديث عنها في الاعلام.

 

هكذا تسللت الوهابية

الأحزاب اللادينية في سورية كانت انحصرت ضمن الجبهة الوطنية التقدمية التي ركزت على شعارات الاشتراكية والتقدمية والقضية الفلسطينية، وغيرها ولكنها لم تدخل كثيراً في مجال العلمانية بشكل فعلي على الارض. وعدم وجود العلمانية بشكل مؤسساتي في المجتمع لا يعني ان المجتمع كان ذو توجه تصادمي، فهو ظل محافظاً في معظم المناطق على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في حالة التآخي ولكن ما كان ينقصه هو تأطيره في النظام التعليمي والتربوي والسماح بتأسيس الاحزاب السياسية. وقد أدرك الطرف المعادي لسورية جيدا أهمية الدخول ضمن المؤسسات الدينية والتربوية بهدف نشر الافكار الدينية وخاصة الوهابية من خلال بعض رجال الدين ممن تعلموا الشريعة الاسلامية في السعودية وعادوا بها إلى بيئتهم وعملوا على نشرها. وهنا يتحدث الكثير من المختصين على ضرورة تعديل المناهج في كلية الشريعة الاسلامية في سورية كون الكثير من مصادرها تعتمد على آراء رجال دين متطرفين فكرياً.

 

في الحديث عن العلمانية تأخذنا الأوضاع إلى ضرورة الاصلاح الديني من الداخل، ليطرح السؤال الدائم أي الخيارين يجب أن يبدأ بعد أن ضجت الارض بالدماء باسم "الله"، هل البدء بالتوجه نحو العلمانية التي تنطلق من المجتمع السوري وتدخل في مؤسساته الرسمية أو العمل على اصلاح الخطاب الديني عن طريق اصلاح آلية التفكير للمسؤولين عن تصديره؟

  • صحافي وكاتب سوري