يعاني أقباط مصر تهميشًا في الحياة العامة لا تخطئه عين محايدة، ورغم أن هذا التهميش ليس وليد النظام الحاكم الآن فهو نتيجة عقود طويلة من الممارسات التمييزية، إلا أنه قد زادت وتيرته منذ بداية الربيع المصري في 25 كانون الثاني/يناير 2011 ومستمر حتى الآن.

 

ثروة قومية غير مستغلة

وفي هذا الصدد يقول الكاتب الصحفي والباحث سليمان شفيق إنَّ الأقباط يشكلون 31% من الثروة القومية المصرية، وحوالي 30% من المهنيين والحرفيين ولا تزيد الأمية عند الأقباط عن 4%، ولكن تواجدهم في السلطة السياسية بعد 1952 أقل من 1%. ووفق نظرية الحرمان النسبي (المكانة والثروة والسلطة) فإن مكانة الأقباط لايقلون عن 15% من السكان ثروتهم 31% من الثروة القومية ولكن الخلل ان تواجدهم في الوظائف العليا والسلطة السياسية أقل من 1%، وتلك هي بداية الأزمة.

 

الأقباط والهوية القبطية (المصرية)

وترى الدكتورة عايدة نصيف، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة والكلية الإكليريكية، أن الدولة منشغلة بما تسميه الحرب على الإرهاب، وهذا جيد ومُقدَّر إلا أن هذا لا يبرر القصور الواضح في تفكيك المنظومة الفكرية للإرهاب، والتي يتمترس خلفها الإرهابيون في بث أفكارهم التكفيرية العنصرية والتي تُلقي بظلالها التمييزية المقيتة علي المجتمع.

وتشدد نصيف على أهمية وجود استراتيجية فكرية للأقباط لإيجاد حلول لمعاناتهم في وطنهم، وأن لا مناص من انفتاح الأقباط على شركائهم في الوطن وإبراز هويتهم القبطية كمكون أصيل للتاريخ المصري، والعمل على إدخال التاريخ القبطي بكل تفاصيله في المناهج التاريخية التي تدرَّس في المدارس مع الحقب التاريخية الآخرى كالحقبة الفرعونية والإسلامية.

وشددت على أعمية أن يكون للنخب القبطية دور فاعل ومؤثر فى الثقافة المصرية لأن الثقافة هي التي تحمي الهوية المصرية، والكنيسة لها دورها الروحي القيمي المهم. وأشارت إلى أن التاريخ مليء بالنماذج لنخبٍ قبطيةٍ وطنية شاركت فى صنع القرار وكان لها تأثير سياسي إيجابي بصورة كبيرة مثل مكرم عبيد، ومثل هذه النماذج أدركت أبعاد السياسة بصورة صحيحة وأزالت الحرج عن الكنيسة من شبهة التدخل فى الأمور السياسية.

 

والكنيسة لها دور وطني وليس دور سياسي وهذا الدور الوطني، ساند مصر على مر العصور من أول البابا اثناسيوس إلى قداسة البابا تواضروس الثاني وهي لا تساند أحزاب أو شخصيات معينة على حساب غيرها.

 

خلفية تاريخية مشرفة للأقباط

ويركز "شفيق" في حديثه على أن السلطة السياسية تاريخيًا في أغلب الأحيان كانت تختصر الأقباط في الكنيسة والكنيسة في البطريرك، منذ الولاة المتعاقبين وحتى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا يستثني من ذلك سوى المرحلة من 1920 وحتى 1952. تضاف إلى ذلك محاولات إخراج الأقباط من حلف 30 يونيو المناهض للدولة الدينية، وعدم إدراك مكانة الأقباط فى تأسيس الدولة المصرية الحديثة دولة محمد علي.

 وقال شفيق إن محمد علي باشا عيّن فى عهده ثمانية محافظين «مديرى مديريات» ورئيس ديوان من الأقباط، ومنذ 1952 وحتى الآن لم يعين سوى محافظين أحدهما اللواء فؤاد عزيز غالي 1980 محافظة جنوب سيناء التى قاد تحريرها في حرب أكتوبر 1973م.

 

وعلى غير المتوقع بعد رياح التغيير التي خلّفها الربيع المصري، وبعد مشاركة المواطنين المصريين المسيحيين فى 25 يناير، كُوفئ الأقباط بمظاهرات حاشدة وقطع لخطوط السكك الحديدية من مصريين مسلمين في محافظة قنا لمجرد علمهم بتعيين محافظ قبطي لمحافظتهم! فما كان من رئيس الوزراء آنذاك عصام شرف إلا أن استجاب للمتطرفين وألغى قرار التعيين هكذا بكل سهولة وأريحية مهدراً حقوق المواطنة ومبدأ سيادة القانون.

وفي عهد أسرة محمد علي «1805/1952» تم تعيين 22 محافظاً قبطياً، وفى ذلك العصر أيضاً تبوّأ الأقباط سائر الوزارات، فمثلاً «صليب باشا سامى» الذى لم يأخذ حقه من الباحثين، لأنه جسد وبحق السماحة الليبرالية والمواطنة ومعيار الكفاءة، هذا الرجل تبوأ، من وزارة حسين سري باشا 1940، وحتى وزارة علي ماهر باشا «24 يوليو 1952» خمس وزارات هي الحربية، التجارة، الصناعة، الخارجية، الزراعة، المالية، وأكثر من ذلك كان تبوء الأقباط ثلاث مرات رئاسة الوزراء «نوبار باشا، بطرس غالى باشا، ويوسف فهمى باشا»، وكأننا نتقدم للخلف لأنه من المؤسف بحق أن مصر منذ 1952 لم تشهد ولا مرة تعيين قبطي فى وزارة سيادية سوى «تعيين يوسف بطرس غالى وزيراً للمالية 1997»، ومرتين فقط جرى تعيين محافظ قبطي: اللواء فؤاد عزيز غالى لجنوب سيناء 1980، واللواء مجدى أيوب لقنا 2006.

 

حاكم‏ ‏مسلم ‏يمنح‏ ‏الأقباط‏ ‏رتبة‏ ‏البكوية

كان ‏محمد‏ ‏علي‏ ‏أول‏ «‏حاكم‏ ‏مسلم» ‏يمنح‏ ‏الأقباط‏ ‏رتبة‏ «‏البكوية»، ‏ويعينهم‏ ‏كحكام‏ ‏أقاليم‏ «رتبة‏ ‏المحافظ‏ ‏ورئيس‏ ‏المدينة‏ ‏حاليا»، ‏فقام‏ ‏بتعيين كل من: بطرس‏ ‏أغا‏ ‏أرمانيوس‏ ‏حاكما‏ ‏على‏ ‏برديس، ‏فرج‏ ‏أغا‏ ‏ميخائيل‏ ‏حاكما‏ ‏على ‏دير‏ ‏مواس‏، وميخائيل‏ ‏أغا‏ ‏عبده‏ ‏حاكما‏ ‏على‏ ‏الفشن، ورزق‏ ‏أغا‏ ‏حاكما‏ ‏على الشرقية‏، باسليوس‏ ‏ابن‏ ‏المعلم‏ ‏غالي ‏مديرا‏ ‏لحسابات‏ ‏الحكومة‏، وحنا‏ ‏المنقبادى ‏سكرتيراً ‏لمديرية‏ ‏عموم‏ ‏قبلى، والمعلمين‏ ‏جرجس‏ ‏ويعقوب‏ ‏وبشارة‏ ‏وجرجس‏ ‏الطويل‏ ‏وأخيه‏ ‏حنا‏ ‏الطويل‏ ‏ومنقريوس‏ ‏البتانونى وإبراهيم‏ ‏نخلة‏ ‏كتبة‏ ‏فى ‏ديوان‏ ‏محمد‏ ‏علي، وكان‏ ‏كبير‏ ‏كتبة «‏منصب‏ ‏رئيس‏ ‏ديوان‏ ‏رئيس‏ ‏الجمهورية‏ ‏حالياً»، ‏محمد‏ ‏علي ‏قبطياً‏ ‏وهو المعلم‏ ‏وهبة‏ ‏إبراهيم‏ ‏ومن‏ ‏بعده‏ ‏المعلم‏ ‏نخلة. وعلى هذا المنوال عين أبناء محمد «ثمانية ملوك» 22 مدير مديرية.

 

جبهة وطنية قبطية

ويُبدي "شفيق" دهشته من تشرذم الأقباط وعدم تجمعهم في جبهة وطنية مدنية لتمثيل الأقباط. ولفت إلى أن الدولة تاريخياً تستسهل وترتاح لأن ينوب الأب البطريرك عن الأقباط، وسط انتهازية معظم العلمانيين الأقباط وتبعيتهم للدولة على حساب حقوق المواطنين الأقباط، ويُستثنَى من ذلك الشباب القبطي الذي خرج بالكنيسة إلى رحابة الوطن بوعيهه ومشاركته الفعالة من 25 يناير حتى الآن.

  • ناشط حقوقي مصري