ماذا يريد المسيحيون اليوم في سورية؟! أو ماذا يريد السوريون؟

مما لا شك فيه أنَّ الهوية السورية إبان الحرب أصبحت طائفية أو إثنية أو تابعة لدول إقليمية، ويمكن اعتبار كل رفضٍ للهوية الوطنية يندرج ضمن هذا الإطار. والفكرة ليست متعلقة بالهويات الدينية والقومية ذاتها، بل هي متعلقة بفشل بعض فئات الشعب السوري في تحديد خياراتهم، وفي السير نحو الدولة الوطنية الجامعة التي نطمح اليها، وهذا بالتحديد مطلب أساسي للفرد السوري الذي دفع أيضاً ضريبة باهظة في هذه الحرب الشعواء، أي تمثيل الكل المجتمعي وفقًا لمبادئ المواطنة والفرد، وفصل السلطات، والدستور الوضعي، ومساواة المرأة بالرجل في كافة مؤسسات الدولة، وبالطبع تحييد الدولة عن الأديان أو القوميات وهذا ما يكفله المجتمع المدني العلماني.

 

الهويات الفرعية السورية والعقد الجديد

أيضًا ما نراه من بروز للهويات الدينية اليوم لا نجد سببه في الهويات ذاتها، ولو كان كذلك لما توقفت عن البروز والاشتداد، إذًا القضية في مكانٍ آخر.

هناك انبعاث للهويات الدينيّة والمذهبيّة والإثنيّة كبير للغاية؛ وهذا يعني أن جانبًا كبيراً من الصراع يُخاض لهذه الاعتبارات، والمشكلة أنّ هناك من يذهب بالوهم فلا يرى ان الصراع في سورية أخذ ابعاداً طائفية بامتياز ومنذ بداية الحرب. ولنفترض أنّ الإرهابيين الجهاديين انتهوا اليوم وهو ما سيكون عاجلاً ام أجلاً،، فهل سيتراجع الإنبعاث الهوياتي؟ وما هو دور هذه المنصات التي تضخ لتأجيج المذهبية والطائفية؟!

 

راهنتُ طويلًا ومنذ سنوات، على ألا مكان للارهابيين ولهذا الفكر الظلامي التكفيري في سورية، وعلى أنّ السوريين بغالبيتهم تحكمهم روح المواطنة ولا يمكن فرض ثقافة الطائفية والتكفير في المجتمع السوري. الآن هناك خيارات جديدة، وتنبثق بالتحديد في المناطق التي ستتوقف فيها الحرب، وهو ما أشرت إليه في مقالي السابق العقد الاجتماعي الجديد وهو الحل الوحيد والرد الفعلي على ما خلفته الحرب وبرأب الصدع بين أبناء البلد الواحد ويعيد التوازن للوجود المسيحي في الشارع السوري.

 

ولادة الدولة السورية بعد الحرب العالمية

لقد كانت الحرب العالمية الأولى محرّكاً أساسياً للتغيير في ديمغرافيات المنطقة، والتي دفعت كل المكونات ثمناً باهظاً لها وخصوصاً المكون المسيحي، ولم تستقر الحركات التوطينية في المنطقة أقله إلى النصف الثاني من القرن العشرين. وإذا صرنا نعتبر هذا الأمر هجيناً اليوم فيجب أن نتذكر أن المنطقة، بل والعالم أجمع، كانا دائماً يشهدان تحركات للجماعات كيفما ارتأى المنتصرون في الحروب أو أصحاب النفوذ الأقوى. وبالأخص في سورية فإن ربط الأرض بجماعة محددة هو أمر شبه مستحيل تأريخياً وإن تنطح له الإيديولوجيون من كل حدب وصوب، ولهذا أكدت أن خيار المسيحيون اليوم هو الدولة الوحيدة الجامعة البعيدة عن التقسيم.

 

 يحلو للسوريين دائماً أن يعلّقوا كلّ مشاكلهم على شماعة سايكس بيكو. ولا جدل فإن الدور الذي لعبته بريطانيا وفرنسا في تقسيم المنطقة هو أحد أسباب البلاء الأساسي الذي نعيشه اليوم، ولكننا بحاجة إلى تتبع أدق لما جرى في سياقه التاريخي وليس في سياق أدلجة القومية اليوم. فالاتفاقية الشهيرة التي رسمها البريطاني سايكس والفرنسي بيكو عام 1916 لم تكن إلا محطة من محطات عديدة تفاوضت فيها الدولتان منذ بداية الحرب العالمية الأولى مع بعضهما البعض ومع تركيا وإيطاليا إلى أن تم تثبيت الحدود في المنطقة عام 1923. في هذا السياق فإن ما تم تطبيقه على الأرض أخيراً لا يمت بأي شبه لأي من مبادئ الإتفاقية الشهيرة والتي بقيت راسخة في عقول أهل المنطقة أساساً ودفعت مكونات الشعب السوري باكمله ثمنها.

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو هي الناظم الأساس للمشهد الذي تمخضت عليه الأمور بعد سقوط الهيمنة العثمانية. فالاتفاقية كانت تفترض منطقتين استعماريتين مباشرتين للبريطانيين في البصرة وللفرنسيين في الساحل السوري، وما بينهما مجموعة دول مبنية على ركائز محلية عشائرية أو طائفية أو عرقية ضمن منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية. ولم يكن لدى سايكس وبيكو مشكلة في أن تكون هذه الدويلات تحت السيادة الدينية للخلافة العثمانية أو أن تكون مستقلة طالما أنها تبيع نفطها لهم وتشتري منهم منتجاتهم الصناعية وتستقدم من لديهم الخبراء بالتساوي بحيث لا تمنح المنطقة امتيازاً للفرنسيين على البريطانيين أو بالعكس.

 

في هذه العجالة تشكّلت الدول الوطنية الحديثة بدون أي روابط حقيقية لا عربية ولا قومية ولا غير ذلك. وبدأ البحث السريع عن بدائل ما تستطيع أن تقوم بالدور الأساسي الذي يضمن ولاء هذه الدول الناشئة إلى فرنسا وبريطانيا بدون أن تضطر هاتين الأخيرتين لتحمل أعباء الاستعمار المباشر، وهذا هو في الأخير المعنى الدقيق لمفهوم الإنتداب. وكان من الطبيعي البحث عن هذه البدائل في الأشكال التقليدية للتجمع المذهبي والطائفي والعرقي بعد إضفاء مشروعية جديدة عليها. ولكن وللعدل يجب أن ندرس كيف تلقفت العوامل التقليدية لهذا المشروع.

العوامل الإقتصادية السورية في وضع الدستور

فمشروع الدستور الفيدرالي لدولة سورية لم يضعه الفرنسييون، بل وضعه المندوبون القادمون من كل المناطق السورية قبل دخول الفرنسيين إلى دمشق بأشهر. بالطبع فإن فرنسا كانت تضغط بشدة مطالبة بمثل هكذا دستور لتضمن بقاء الشريط الساحلي الشامي ضمن سيطرتها المباشرة ولتحفظ وضعاً أفضلياً خاصاً للبنان. ولكن قرار تقسيم الدولة السورية إلى أقاليم ذات حكم شبه ذاتي جاء متوافقاً مع مصالح أغلب القيادات المجتمعية القائمة وقتذاك، والتي رأت فيه فرصة لتقوية مصالحها بينما رفضته فئات أخرى لأنها وجدت فيه انتقاصاً من خصوصيتها التقليدية. فبرجوازية حلب مثلاً لم يعجبها التقسيم الجديد الذي أبعدها عن الموصل والتي تشكل العمق الاستراتيجي لتجارتها. أما برجوازية دمشق فكانت تطمح إلى توحيد ما أتيح لها من الشام من دون أن تهتم كثيراً للأبعاد التي اقتطعت من الحيز الحيوي السوري، طالما أنها ستكرس مصالحها من خلال ربط جميع الأقاليم السورية بالعاصمة. ولم يتم حسم الأمر بتوحيد نظام الإدارة في سورية ضمن إدارة مركزية وإلغاء الحكومات الإقليمية إلا بعد 1930، بعد أن استطاعت البرجوازية الدمشقية أن تفرض مصالحها تاركة للبرجوازية الحلبية اليد العليا في احتكار خيرات ما بات يعرف اليوم بالجزيرة السورية، على رغم أن هذه الأخيرة بقيت حتى الخمسنيات تسعى لإعادة الروابط مع العراق (من خلال توجهها للإنخراط في حلف بغداد).

 

ورغم انتشار المفاهيم التي رفعت الدولة الوطنية الحديثة، بقيت الإيديولوجيات الكبرى العروبية والإسلاموية وغيرها تتنافس على الساحة السورية. ورغم كل الصراعات على الأساطير المؤسسة للدولة السورية فإن آليات السلطة الحقيقية بقيت خارج الإيديولوجيا: تركيبة مصالح برجوازيات المدن الكبرى وبالأخص دمشق وحلب.

 

لحوار وطني وآلية جامعة

يتذكر العديد من السوريين اليوم دستور عام 1950 على أنه دستور البلاد الذي أنتجته عملية ديمقراطية ويفترضون فيه حلاً نوستالجياً لماضٍ قريب. المشكلة في دستور 1950 أنه كتب أيضاً بحالة مثالية فلم يكن له عوامل تحميه من التقلبات السياسية لأحزاب لا جذور حقيقية لها على الأرض. فالدساتير البرلمانية لا يمكن أن تعيش من دون تقاليد سياسية وأعراف مدنية لم تكن موجودة في عام 1950، بدلالة فشل العمل به بعد أشهر من إصداره وبدء الإنقلابات العسكرية تباعاً. ولكن وبكل حال فإن لا هذا الدستور ولا ذاك سيكون صالحاً اليوم. فالحل لن يأتي إلا من خلال حوار واقعي وشفاف لبناء منظومة تسمح بإيقاف الحرب والتوجه التدريجي لبناء اساسات وطنية مشتركة جديدة.

وهذا يتطلب تعامل الجميع من موقع المسؤولية ذاته ومن منطلق المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات ليساهموا في بناء الوطن وهذا هو نبض الشارع المسيحي اليوم الذي يتوافق على منظومة وطنية جامعة.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة