"وضع استراتيجية شاملة لمواجهة التطرف"، هكذا كان المانشيت الرئيسي لجريدة "الأهرام" المصرية القومية واسعة الانتشار يوم الجمعة 25 آب 2017.

فهل حقًا يُريدون اجتثاث التطرف المؤدي للإرهاب من جذوره؟ أم هي عبارة تعودناها كثيرًا للاستهلاك المحلي؟ وإذا افترضنا جدلاً أنّ النية صادقة في "وضع خطط لحماية الشباب من التطرف"، فكيف يستقيم هذا الأمر في ظل نظام ومناهج تعليمية أقل ما تُوصَف به أنها مفرخة للتطرف؟

المناهج التعليمية التي من المفترض أنْ تغرس في نفوس أبنائنا قيم التسامح وقبول الآخر والعيش المشترك، نجد أنَّه توجد فيها نصوص تمييزية صريحة ضد الآخر المختلف دينياً.

 

الرئيس وتجديد الخطاب الديني المزعوم

لا يمكن أن يكون هناك تجديد للخطاب الديني بمعزل عن الدوائر التنويرية وفي القلب منها التعليم، وذلك ليس فقط لأن الطالب يقضي سنوات طويلة تتشكل فيها أفكاره وشخصيته، بل أيضا للتشابك غير الصحي بين المناهج التعليمية ونصوص دينية لها تأويلات متطرفة تتخلل موضوعات مواد دراسية آخرى بخلاف مادة "التربية الدينية".

فالإسلام يُدَرس بالفعل في كثير من جوانب التعليم العام في مصر، من مقرّرات مادة اللغة العربية إلى الدراسات الاجتماعية. والتعليم الديني الإسلامي حاضر في نظام المدارس الحكومية بوصفه مقرّرًا دراسيًا مستقلاً.

ويبدو أن الرئاسة فطنت لهذا الأمر وظهر في دعوة الرئيس السيسي لعلماء الأزهر فى كلمته بمناسبة ذكري المولد النبوي في كانون الثانى 2014 بضرورة تجديد الخطاب الديني، كانت تلك الدعوة منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم تتبلور تلك الدعوة لواقعٍ عمليٍ ملموسٍ.

 

الكتاب المدرسي.. قنبلة موقوتة

الكاتبة الصحفية "إيمان رسلان" عضو لجنة "مصريون ضد التمييز الديني" لمراجعة المناهج التعليمية تقول: في أعقاب مطالبة الرئيس السيسي بضرورة تجديد الخطاب الديني سارعت وزارة التعليم بالإعلان عن خطة لتطوير مناهج التربية الدينية فى كل المراحل التعليمية، بل زيادة في التأكيد على جديتها تكونت لجنة لإعادة النظر في المناهج ضمت في عضويتها عدداً من رجال الأزهر ووزارة الأوقاف طبقاً للبيان الرسمي لوزارة التعليم.

 

وتشير "رسلان" إلى بعض النصوص التي رصدتها وتحتاج للتعديل، هو أن الكتاب المقرر على الصف الثالث الثانوي، في أحد دروسه موضوع عنوانه "التطرف والإرهاب" يقول الكاتب في فقرة منه إنهما -أي التطرف والإرهاب- من" الظواهر البشرية"!! وأننا "نقصد من دراسة هذا الموضوع أن يعلم الطالب التوازن والاتزان حتى لا ينجذب إلى الإرهاب وحتى لا يخشى الإرهابيين!!" وفي فقرة أخرى يقول الدرس "إننا فى هذا العصر قد نجد صوراً للتطرف وعلينا ألا نضطرب من هذا ولا نفهم خطأ أن بعض المسلمين إرهابيين لأن التطرف -كما أوضحنا سابقا- ظاهرة بشرية".

 

إذن هو يساوي هنا بين الإرهاب والتطرف، ونفهم من الكلمات أن ذلك أمرٌ عاديٌ و"من طبائع البشر"! أي بعبارة أكثر وضوحاً لا يجب علينا وصف بعض المتطرفين الإسلاميين بالإرهابيين، وأن نتعامل معهم كأنه أمرٌ عاديٌ على غرار القول الشهير المأثور للرئيس المعزول محمد مرسي "الحفاظ على حياة الخاطفين والمخطفوين"!

خطورة الأمر -والكلام على لسان رسلان- أن الطلاب من خلال هذه المناهج والدروس -وهي أصلاً تتناقض مع الواقع- تضع الطالب (الشاب) أمام تحدٍ صارخٍ فهو إما سيصطدم بالمجتمع ويتجه إلى العنف، أو سيتجه للانعزال والسلبية وبالتالي سيفقد المجتمع طاقات كبيرة كان يمكن استغلالها للبناء والارتقاء.

وتتساءل: هل هذا هو التطوير المنشود لتحقيق نقلة نوعية لنهضة المجتمع بتجويد العملية التعليمية؟

 

بيت العائلة واقتراحات بتعديل وتنقية المناهج التعليمية

في العام 2011 أصدر رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف قراراً بإنشاء "بيت العائلة المصرية" بهدف تعميق الشراكة الوطنية والمجتمعية بين مسلمي ومسيحيي مصر، وضم بين تشكيلاته 9 لجان، من بينهم "لجنة التعليم والبحث العلمي" وتمثّل مبادرة مراجعة مناهج التعليم فى مصر التي اقترحها "بيت العائلة المصرية" خطوة في الاتجاه الصحيح.

يقول الدكتور "رسمي عبد الملك" رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي ببيت العائلة المصرية لـ "اليوم الثالث" إن اللجنة قامت بحصر الأجزاء من المناهج التعليمية التي تحتاج للتعديل بنسبة تقترب من 85 بالمائة، في جميع المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.

وذلك إلى جانب أنَّ اللجنة تقدمت باقتراحات بإضافة بعض الرموز والشخصيات المصرية المسيحية، التى كان لها دور تاريخي أو اسهامات حضارية فى عصور تاريخية مختلفة من عمر الوطن جنبًا إلى جنب مع شركاء الوطن المسلمين، من بينهم المناضل الوطني والسياسي الكبيير "مكرم عبيد" وجراح القلب العالمي "مجدي يعقوب".

وبخصوص تلك اللجنة يقول إن عدد أعضاءها ٢٦ عضوًا، تم توزيعهم على مجموعات عمل متخصصة، مثل تعديل المناهج، الأنشطة المدرسية، جماعات أصدقاء بيت العائلة بالمدارس، جماعة الندوات والمحاضرات، جماعة تدريب المشرفين على أنشطة بيت العائلة بالتعاون مع أكاديمية المعلمين، وكل مجموعة لها رئيسها.

وعن حدود دور اللجنة في تعديل المناهج يقول إن التعديل ليس بالمعنى المتعارف عليه، وإنما الأمر يُقصد به حذف بعض العبارات أو التفسيرات التى بها أي نوع من التمييز ضد الآخر، وفى المقابل يتم إضافة بعض الموضوعات الدراسية التى تقوي من اللُّحمة الوطنية وتحافظ على النسيج المجتمعي.

  • ناشط حقوقي مصري