على الرغم من أنَّ الانتخابات الرئاسية المصرية لم يبقَ لحصولها إلا شهور عدة ، فإن المتابع للشأن العام المصري لا يجد أيّ مؤشرات تدل على ذلك، أو كما يُقال بالعامية المصرية "لا حِسّ ولا خبر".. فلم يُعلن أحد ترشّحه أو حتى نيّته الترشح بما في ذلك الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، فضلاً عن أن اللجنة الوطنية للإنتخابات الرئاسية التى نصَّ الدستور الحالي على تشكيلها لم تمارِس مهامها حتى الآن.

 

الصوت القبطي: هواجس وتغيّرات

في هذه الإنتخابات، تُطرح مسألة "الصوت القبطي" في الإنتخابات الرئاسية، سواء في الداخل أو الخارج (أقباط المهجر).. هذا الصوت القبطي الذي كان يُنظَر إليه أيُ مرشحٍ للرئاسة منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك باعتباره هدفًا ومطمعًا ك "كتلة انتخابية مُوَحَّدَة مُرجِّحة".

هذه المعادلة القديمة لم تعد كما كانت وتتغير أرقامها الآن. فأغلبية الأقباط الذين أعطَوْا صوتهم للرئيس السيسي في انتخابات 2014 كتفويض لتأسيس دولة مدنية حديثة تحل محل دولة الإخوان الفاشية من جهة، ولمحاربة الإرهاب المحتمل من جهةٍ آخرى، فوجئوا بالمؤسسات الدينية الإسلامية تخرج من مجالها الديني وتتغلغل في المجال العام للدولة، بل وفي المؤسسات المُفترَض بها أن تكون مدنيةً ومحايدة (أكشاك للفتوى في محطات المترو!) كذلك لاحظت هذه الأغلبية أن العمليات الإرهابية التي تستهدف الأقباط تضاعفت معدلاتها في ولاية السيسي، والأرقام لا تكذب!

الصوتُ القبطي يرى الآنْ أنَّ المؤسسة الأمنية تنصّلت من مسؤولياتها وقامت بتحذير الكنائس من تجمعات المسيحيين في مؤتمرات أو رحلات للأديرة القبطية، فحرمتْ عشرات الفتيات والفتيان الأقباط من ممارسة نشاطاتهم الصيفية.

ولاستبيان الصوت الانتخابي القبطي وتأثيره في الانتخابات القادمة سألنا بعض المثقفين الأقباط عن اتجاهات الناخب القبطي.

 

اتجاهات قبطية لمعركة الرئاسة؟

يقول الكاتب والمفكر "كمال زاخر" لـ "اليوم الثالث" إنَّ مجرد طرح هذا السؤال يُعد تدخلاً في خيارات المواطن القبطي، خاصةً أقباط المهجر الذين يعيشون فى مناخٍ حضاريٍّ، حدودُ الحرية والتعبير عن الرأي فيها أكثر رحابةً، فلا معنىً إذاً من التأثير على حقًّ أصيلٍ لهم، سواءَ اتفقنا أو اختلفنا مع مواقفهم.

ومن جانبنا يُعد تقييمنا لهم افتئاتاً على هذا الحق، فلا ينبغي أن نُنصِّبَ أنفسنا قضاةً لهم، أو نكون ممثلين حصريين لهم، وفي هذا تحويل لموضوع اختيار الرئيس لشأنٍ طائفيٍّ أيضًا.

 

وفي رأيٍ مُغايرٍ يقول الصحفي في جريدة "المصري اليوم" عماد خليل إن من حق الأقباط التعبير عن رأيهم في تجديد الثقة فى الرئيس السيسي واختياره لولايةٍ ثانيةٍ خاصةً فى ظل عدم ظهور منافسين له، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل. مع الأخذ في الاعتبار أن بعض الأحزاب كحزب "الوفد" الليبرالي العريق وحزب "حماة الوطن" الوليد رأت أن الرئيس السيسي هو "المرشح الضرورة" للمرحلة القادمة والبعض الآخر تيقن من صعوبة منافسة الرئيس، فأخذ هذا الموقف البراغماتي أو الميكيافيللي، سمِّهِ كما شئتَ.

وعن إعلان بعض أقباط المهجر تأييدهم لانتخاب السيسي لفترة ثانية ودوافعهم لذلك وإن كانوا قد تسرعوا في الاختيار.. وهل هو تأييد مطلق أو مشروط قال خليل: لا أظن أنهم تسرَّعوا في الاختيار بالنظر إلى أن كتلة أقباط المهجر غالبا ما تكون معارضة للنظام، لكن الفترة الماضية حدث تحول لذلك التوجه، وعدد كبير منهمً أصبح من مؤيدي ترشيح الرئيس لولايةٍ ثانيةٍ، بصرف النظر عن وجود "برنامج انتخابي" واضح فهذا قرارهم اتخذوه منذ فترة. فالدمار والفواجع التي تحدث فى بعض دول المنطقة مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا دعمت بكل تأكيد هذا التوجه.

 

قرارات الأقباط في اختيار المرشح

ومن جانبه يلخص الحقوقي "كمال سدرة" المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية رؤيته في النقاط التالية:

  • أولاً: الأقباط سواء في الداخل أو الخارج لهم كامل الحق في المفاضلة بين المرشحين، واختيار مرشح أو تيار دون الآخر لا يقلل أو يزيد من وطنية أحد، فوطنية الأقباط خارج الحسابات أو هكذا ينبغي أن تكون.
  • ثانيًا: إلى الآن رغم اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لا نعلم من هم المرشحون، على الرغم من اعتقادي الشخصي بأنه ستسير الأمور كما أُعد لها سلفًا، بمعنى أنه لن تكون هناك منافسة حقيقية وإن وجدت فستكون بين مرشحين لهم خلفية عسكرية وسيفوز المرشح المدعوم من جهات سيادية تدير ليس فقط العملية الانتخابية بل وتدير البلد برمتها.

 

ثالثًا: إن أردنا تحليل المؤثرات التي تؤثر بشكل كبير علي قرارات الأقباط في اختيار المرشح، يمكننا سردها في ظل التحليل الاجتماعي للأقباط المقيمين خارج مصر كالتالي:

  • أقباط المهجر مثلهم مثل باقي المصريين المقيمين في الخارج تجد الجيل الأول، وهم الغالبية العظمى من المشاركين والمتابعين للانتخابات ولا يختلفون عن مصرييّ الداخل، لجهة أنهم يشاهدون الإعلام المصري الداخلي وهو مصدر المعلومات والمُوَجِّه الأساسي لاختيارتهم، وقد ساهم في تأييدهم للسيسي في الانتخابات الرئاسية الماضية.
  • الدور السياسي الذي يقوم به بعض رجال الكنيسة لتوجيه الرأي العام المسيحي، وإن كان ذلك لا يمنع رفض بعض الأساقفة والكهنة أن تقوم الكنيسة بهذا الدور، وإعلانهم موقفهم الرافض لهذا التوجيه صراحةً داخل إطار الكنيسة.
  • النشطاء الأقباط في الخارج الذين لهم شعبية مؤثرة على توجيه أقباط المهجر، سواء من مؤيدي النظام الحاكم حالياً أو من المعارضين، وهؤلاء يُعَدّون على أصابع اليد الواحدة.
  • الحوادث الإرهابية والاعتداءات التي يتعرض لها أقباط الداخل تؤثر سلبًا بالقطع على اختياراتهم، ولكن الاستغلال والتوجيه الإعلامي يساعدان إلى حدٍّ كبيرٍ في امتصاص غضبهم ضد السلطة، ولكن هذا غير مضمون نتيجةً لتكرار الاعتداءات في مدى زمني قصير.

 

أما عن الأجيال الجديدة من المصريين فنادرًا ما تجد منهم اهتمامًا بالخريطة السياسية في مصر، فهم أصلاً لا يشغلهم الشأن السياسي في بلادهم الجديدة بقدر اهتمامهم بارتقائهم المهني والمادي، فما بالك بعملية انتخابية يُتوقَّع لها ألا تأتي بجديدٍ في مصر!

  • ناشط حقوقي مصري