كعهدهم قبيل أى انتخابات رئاسية، ونظرًا لعدم وجود نية حقيقية أو إرادة سياسية لإصلاحاتٍ جذريةٍ كانت مُتوقَّعةً بعدَ حركتين ثوريتين، في بنيتيّ النظام السياسي/التشريعي المُشوَّه والمجتمعي/الثقافي المتطرف، وإنما اعتماد مجرد مسكنات مرحلية للتشوهات الهيكلية، لا يجد الرئيس حلاً أو حرجًا في استمالة الرأي العام القبطي لصفِّه بطريقة نفعية/وقتية، وليست وطنية مستدامة، من أجل كسب أصواتهم الانتخابية وذلك باستخدام ثلاثة أساليب، دَأَبَ كلُّ الرؤوساء السابقين على استخدامها بلا استثناءٍ أو تجنٍّ:

 

أدوات التلاعب بالأقباط

أولهما اللعب على "العاطفة" بدغدغة مشاعر تلك الكتلة الانتخابية لنيل رضاهم وكسب أصواتهم المحتملة، بوعود كلامية بحل قضاياهم العالقة بطريقة مفضوحة ومكشوفة ومكررة ومملة.

وثانيهما اللعب على "وطنية الأقباط" بتصدير فكرة أن الدولة في حالة حرب مع الإرهاب، ومن ثَمَّ يجب توحيد الصفوف خلف القيادة السياسية الحالية، فالبديل أسوأ، وهو طبعا تيارات الإسلام السياسي التي يمكن أن تملأ الفراغ في حالة إزاحة النظام السياسي الحاكم الحالي.

أما ثالث تلك الأساليب هو افتعال أزمة آنية من العدم -كما سنرى لاحقًا- ثم تدخل الرئيس شخصياً وحل الأزمة ليظهر بمظهر المنقذ الذي لا غنى عنه، في معادلة صفرية لقضايا الأقباط العالقة.

 

المنيا.. جُرْحٌ طائفيٌ لم يلتئم

في المنيا لا يمر بضعة شهور إلا وتتجدد فيها حوادث طائفية بغيضة، وبالطبع يلجأ النظام للمسكنات لإبقاء الوضع على ما هو عليه كما أسلفنا. ويُقدَّر عدد الكنائس المغلقة لدواعٍ أمنيةٍ في المحافظة ب 50 كنيسة، موزعةً كالآتي:

  • إيبارشية مغاغة والعدوة لديها 16 كنيسة مغلقة.
  • إيبارشية المنيا وأبو قرقاص لديها 15 كنيسة مغلقة.
  • أما إيبارشيتا مطاي وسمالوط يقدر عدد الكنائس المغلقة بها حوالي 20 كنيسة.

 

ولم يقم النظام بأي خطوة لفتحها، لأنه لا يملك الإرادة السياسية كما ذكرنا، وذلك يرجع لسببين: الأول هو خوف النظام من رد فعل السلفيين المتوقع الرافض لفتح تلك الكنائس المغلقة وغيرها من الكنائس، فهو في تحالفٍ معهم منذ إعلان 3 يوليو 2013.

والاحتمال الثاني هو "تسلف النظام" أو إن شئنا الدقة وعدم التعميم الكثير من كوادره في "الدولة العميقة"، وهذا الطرح تؤيده شواهد معينة منها تكرار تلك الحوادث الطائفية عشرات المرات التي تظل فيها ردود الأفعال مجرد كلمات معسولة لتهدئة النفوس وتطييب الخواطر، دون اتخاذ أي إجراء قانوني من شأنه الحيلولة دون تكرار تلك الحوادث، لنظل ندور في دائرة مغلقة ويظل الوضع كما هو.

 

الأمن يفتعل أزمة إيذانًا بتدخل الرئاسة

كما أسلفنا لعدم رغبة/قدرة النظام على التغيير الجوهري، قامت أجهزته الأمنية مؤخرًا بافتعال أزمة طائفية في محافظة المنيا، حيث فوجئ المصلون المسيحيون وهم ذاهبون لحضور القداس صبيحة ذات يوم بكنيسة الأنبا بولا بقرية كدوان بالدفع بتعزيزات أمنية حول الكنيسة، وعندما استفسر كاهن الكنيسة عن السبب، رد رجال الأمن بوجود تعليمات بمنع الصلاة في الكنيسة من دون إبداء أسباب!

ولم يستسلم أهالي القرية المسيحيون لهدر حقٍ أصيلٍ لهم بحرية العقيدة وحرية ممارسة شعائرهم الدينية، وما كان منهم إلا بإقامة القداس والاجتماعات العامة وحتى مدارس الأحد للفتيات والفتيان بالشارع! وكان من الطبيعي أن يُثير هذا الأمر موجةَ غضبٍ عارمة بين المسيحيين، وحالة غليان أدى إلى حالة غليان على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد نشر صور الصلاة بالشارع.

 

الرئيس المنقذ!

عطفًا على ما سبق، وجدت مؤسسة الرئاسة ضالتها ليظهر الرئيس بصور البطل المنقذ في نظر قطاع كبير من عامة الأقباط غير المسيسين أو النشطاء بطبيعة الحال، فأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بإعادة افتتاح كنيستين، نعم كنيستين من أصل 50 كنيسة مغلقة في محافظة المنيا وحدها، وهما كنيستا الأنبا بولا بقرية كدوان (التي كانت عليها المشكلة) وكنيسة السيدة العذراء بقرية الفرن مركز أبو قرقاص بالمنيا.

 

نداء إلى السيسي

سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لقد تحملنا كأقباط فوق الطاقة، وانتظرنا كثيرا لقيام دولة المواطنة وسيادة القانون، ودفعنا فواتيرَ كثيرةً وصلت لفاتورة الدم بدوافعَ وطنيةٍ خالصةٍ ليس إلا. فهل هكذا تُدار الأمور بقرارات رئاسية منفردة؟ أم أن الموضوع يتطلب تدخلا ناجزًا، وحلولا دستوريةً جذريةً، وإصلاحًا شاملاً للبنية السياسية والتشريعية والثقافية في مصر؟

إذا كانت تلك هي رؤيتك للتغيير في مصر، فاسمح لي أن أقول لك أولا إنها رؤية قاصرة، طائفية، فاشلة، أو لا رؤية من الأساس. وثانياً إن الأقباط الذين شاركوا في حركتين ثوريتين من أجل التغيير الشامل لن يقبلوا بتلك المسكنات بعد كل التضحيات التي قدموها، وينتظرون رؤية شاملة لتصحيح أوضاعهم، وحقوقهم المُنتهكَة.

 ولا أُخفيكَ قولاً إننا مررنا بخبراتٍ واختباراتٍ كثيرةٍ منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن، وإن استمر إلقاء الفُتات للأقباط ومعاملتنا كمواطنين ذميين من الدرجة الثانية، سيكون لكل مقامٍ مقالٌ.

  • ناشط حقوقي مصري