استكمالاً لسلسلة مقالاتنا عن كيفية المواجهة الشاملة للتطرف والإرهاب، والهيئات والأدوات والأساليب التي تُمكِّن الدولة من الانتصار عليه، وقد بدأناها بمقالين عن دور المؤسسات التعليمية وماهجها وتطرق التدريس في بناء الإنسان السوي المتوازن، نخصص هذا المقال عن الدور المُتوقَّع والمُنتظَر الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الثقافية، فلا يمكن إغفال دور الثقافة في محاربة الفكر التكفيري جنباً إلى جنب المواجهة الأمنية بطبيعة الحال.

 

الثقافة الجماهيرية.. استلهام تجربة التاريخ

رغم إيماننا بصحة الفكرة التي تقول إن "التاريخ لا يُكرر نفسه"، ولكننا يمكننا استلهام تجاربه، وتجربة الدكتور "ثروت عكاشة" وزير الثقافة المصري (1958-1962م) و(1966-1970م) يمكن إعادة قراءتها برؤية معاصرة والاستفادة منها.

لقد كان هذا الرجل خريج المؤسسة العسكرية المصرية مثقفاً واعياً مستنيراً، وله رؤية مستقبلية لكيفية توصيل الثقافة لكل المصريين فلا تقتصر على النخبة فقط، وقد استطاع من الوصول بالثقافة إلى كل محافظات مصر، بدلًا من اقتصارها على الطبقة الأرستوقراطية المثقفة في العاصمة، وذلك من خلال إنشاء ما أسماهُ هيئة الثقافة الجماهيرية، كجهة منبثقة عن وزارة الثقافة، لها فروع في كل المحافظات، من خلال تقسيم القطر المصري إلى مجموعة من الأقاليم وهي القاهرة الكبرى، الوجه البحري، محافظات القنال، إقليم شمال الصعيد، إقليم جنوب الصعيد.

 

وما أشبه الليلة بالبارحة

إن الاحتياج الجوهري والمُلِحّ الآن هو كيفية استفادة عموم المصريين من المنتوج الحضاري بروافده الثقافية المتعددة، فحال الثقافة المصرية الآن يُرثى لها إذ تقتصر فاعلياتها ومن ثَمَّ تأثيرها على عدد محدود جداً من النخبة ومن المهتمين بالشأن الثقافي. أضف إلى ذلك أن اهتمامها بقضايا أكاديمية غارقة في التخصص، لا يهم قضايانا المعاصرة، ولا تساهم مع الدولة في غرس القيم التنويرية والحداثية والحضارية لتصل لعمق الحواري والأزقة المصرية، فما أشد حاجة عموم المصريين الآن إلى تكريس قيم التسامح وقبول الآخر والتعايش والمواطنة، تلك القيم التي إذا ما تأصلت في النفوس تستطيع أن تستنهض الهمم لبناء الدولة الوطنية الحديثة، ويمكنها أيضا أن تستبدل قيمًا بقيمٍ، التنوير مقابل التكفير، فتكون تلك القيم متأصلةً في جذور تكوين الشخصية المصرية، وتقف سداً منيعاً أمام الأفكار الظلامية المتطرفة التي تصنع الإرهاب والإرهابيين.

 

الثقافة.. حجر الزاوية لمحاربة الإرهاب

تخوض الدولة المصرية حربا ضَروسًا ضد الإرهاب، ولا يجب أن يكون الحل الأمني هو الحل الوحيد لمحاربة الإرهاب والتطرف.

ومما لا شك فيه أن الهُوية المصرية وجذور تركيبة الشخصية المصرية قد تغيرت سلبيا وهذا الراجع والرجعية في منظومة القيم السائدة في المجتمع المصري لم يكن بارزاً في بدايات القرن العشرين، حيث كان الاحتكاك المباشر للمصريين بالثقافات الأوروبية الوافدة من دول حوض البحر المتوسط، الإيطالية واليونانية خصوصا أدى إلى تلاقح الثقافات، فضلاً عن البعثات العلمية التي كانت تُوفد إلى دول مثل فرنسا ويعود أصحابها بالقيم الحداثية، فينشرون أدباً وفناً وكانت الحركة الثقافية في أوجها في النصف الأول من القرن الماضي.

 

كيف تغيرت الُهويّة المصرية؟

هناك عاملان كان لهما الدور الأكبر في التأثير السلبي للشخصية المصرية. الحدث الأول هو هزيمة يونيو 1967 م وهو ما أُطلق عليه فيما بعد "النكسة" وهي بالفعل كانت "نكسة" على الأصعدة كافة الاقتصادية والسياسية وفي القلب منها الثقافية، وليس فقط مجرد هزيمة عسكرية. ومن التداعي الاقتصادية انهيار الاقتصاد، حيث كانت أغلب موارد وإيرادات الدولة توجه للمجهود الحربي، وانتشرت "ظاهرة الطوابير" للحصول على السلع التموينية الأساسية.

وهذا ما ترتب عليه نزوح عشرات الآلاف من المصريين إلى دول الخليج وعلى رأسها السعودية، ما أدّى إلى العامل الثاني لتغيير تركيبة الشخصية المصرية، وهو "ظاهرة البترودولار" حيث كان من جرّاء احتكاك المصريين العاملين لسنوات طوال بالمجتمع السعودي البدوي المنغلق والمتزمت نتيجةً لمذهب "الوهابية" الذي يمثل تحالفه غير المعلن مع "جماعة الإخوان" في مصر جناحا التطرف الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين.

فعلى سبيل المثال لم يكن يعرف المجتمع المصري مشكلةً في الاختلاط بين الرجل والمرأة في الحياة العامة وفي الجامعات والمدارس. ومَن عادوا كونوا "جماعات جهادية" مثل جماعة "التكفير والهجرة" لمحاولة تغيير المجتمع المصري بالعنف، فحدثت صدامات مع الدولة استمرت لعقود تحت شعار "العودة إلى الدين" فقد اعتبروا المجتمع المصري "جاهليا" في مقاربة مع جاهلية القرون الأولى للإسلام.

ومن هنا تغيرت الهوية المصرية، ومن هنا يبدأ دور المؤوسسات الثقافية من أجل عودة الهوية المصرية الأصيلة بلا رتوش.

  • ناشط حقوقي مصري