يوم أن قتلوا الغناء، اسمُ عرضٍ مسرحيٍّ أقامه "البيت الفني للمسرح" التابع لوزارة الثقافة المصرية على "مسرح الطليعة" وحقق نجاحا جماهيريا جعله يُرّض لموسمٍ جديدٍ.

وقد وصفها مخرجها الشاب "تامركرم" بأنها  تناقش دور الفن والثقافة في مقاومة العنف والتطرف والصراع الدائر بين روح التسامح والحب من ناحية، والتعصب والكراهية من ناحية أخرى.

يقول المؤلف على لسان بطل العمل مستشرفاً المستقبل: "قريباً سوف تكتمل السفينة.. ونصعد فوقها جميعا في سلام.. ثم ننزل على الأرض الجديدة.. نزرع في قلوب الناس السكينة والحب.. ونبنى بيوتا لحمائم السلام على أغصان الزيتون".

ومن جانبنا لم نجد أنسب من تلك الكلمات، فعنوان المسرحية يعبر بوضوح عن عنوان المرحلة التي نعيشها، وإن يكنْ، سوف نجاهد لإحياء الغناء في كل مناحي الحياة، من بعد مَماتٍ.

فهل يليق بمصر الحضارة ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن تشغل قضايا "إرضاع الكبير" و"طول اللحية" و"الشفاء ببول البعير" و"ولاية المرأة" حيزاً من الفضاء الفكري والسياسي؟! وإذا كانت الدولة جادةً فعلاً في محارية الإرهاب، لماذا تترك بعض المنابر الدينية وبعض رجال الأزهر على وجه الخصوص، يبثون سمومهم الفكرية/التراثية في عقول ووجدان الشباب فيتجه للتخريب لا للبناء؟!

 

محمود قابيل: مخاطر الثقافة النفطية

الفنان "محمود قابيل" سفير النوايا الحسنة الإقليمي لليونيسف اختصر في حديثه مع "اليوم الثالث" من الولايات المتحدة الأمريكية الوجع في الجسد الثقافي المصري في عاملين:

"الأول هو اختراق بيئتنا الثقافية/الاجتماعية المصرية بما أسماه "ثقافات وافدة" من دول بدوية لم يكن لها يومٌ تأصيلٌ حضاريّ، وإنما هي بلدان لم تشيدها الحضارة ولكن شيدها النفط، والذي أفرز ما يمكن تسميته اصطلاحاً وواقعاً "الثقافة النفطية" وهي ثقافة مزيفة قوامها الحجر لا البشر، وجوائز أدبية وثقافية من أجل استقطاب "تابعين" لها من مثقفي السلطة.

العامل الثاني: هو المزيج السيء بين "الوهابية" كحركة دينية وافدة قوامها "الإقصاء والتكفير" من جهة، وحالة "الفقر" التي يعيشها نسبة مهولة من المصريين، حتى أن الرئيس المصري الحالي قال في إحدى خطاباته جملةً صادمةً للمصريين وموحيةً: "إحنا فُقرا أوي". وقد خلّف هذا المزيج انهيارًا لا تُخطئه عين ل "الهُويّة المصرية".

 

نصيف: مزايدة السلطة على "المتسلّفين"

الفنان التشكيلي "عادل نصيف" سفير الفن القبطي حول العالمي يرى أن الثقافة المصرية في أسوأ حالاتها، لا تقوم مؤسساتها الحكومية بالدور المطلوب منها، بل بالعكس هي تزايد على الفكر المتسلف ولا تدافع عن مثقفيها الذين يتعرضون لبطش الأمن والإعلام والشارع معا، وتتركهم يصارعون وحدهم في هذا الاتجاه، وليس الروائي أحمد ناجي أو الباحث الإسلامي إسلام البحيري بآخر الأمثلة.

ويتعجب "نصيف" من توجيه أغلب ميزانية الوزارة للمرتبات، من دون الاهتمام بالفعاليات والأنشطة الثقافية، وبالتالي لا يوجد "مُنتج ثقافي مؤوسسي" يمكنه التأثير في المنظومة القيمية للجماهير، التي تتعرض لهجوم شرس وممنهج من رجال دين بتواطؤ أو بغض الطرف من السلطة الحاكمة من أجل إلهاء الناس عن حقوقهم السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية من جهة، ومن أجل "تسطيح" الفكر بإغراقه في قضايا وهمية تخطاها التراكم الحضاري الإنساني من عقود.

وأضاف نصيف: كفنان تشكيلي أقول إن الذوق الفني لفناني الوزارة انحط، وللتدليل على كلامي انظر هذا العدد من التماثيل الجديدة التي وُضعت في الميادين العامة، ياله من تشويه متعمد للذوق العام وللفن المصري. وكذلك لا تقوم وزارة الثقافة بالوصول إلى تجمعات الناس بفعاليات أدبية وفنية وسنيمائية تستطيع أن تجذبهم وتتلامس مع قضاياهم.

وقد أعجبني تعبيره الرائع: "الوزارة شاخت بموظفيها" الذي فصّله قائلاً: "لا يوجد تجديد أو رؤية ابداعية من أجل اختراق الحواجز النفسية التي أقامها المثقفون عبر السنون، بتبنيهم لقضايا نخبوية لا تهم رجل الشارع العادي".

 

اسحق ابراهيم: مواجهة الفكر الإقصائي

أما الباحث المسؤول عن ملف الحريات ب"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" "اسحق إبراهيم" يقول إن هناك دورًا مهمًا على عاتق تلك المؤسسات الثقافية في مواجهة الفكر الإقصائي من جذوره، خصوصا مع تعدد الروافد الثقافية من كتب وسينما ومسرح وغيرها وانتشارها جغرافيا مثل المراكز والبيوت الثقافية (مثل البيت الفني للمسرح) وأيضًا (قصور الثقافة) المنتشرة في جميع المحافظات.

ويطرح ابراهيم رؤيته الخاصة ب "كيفية مساهمة المؤوسسات الثقافية في مواجهة الأفكار المتطرفة"، فيقول: حتى هذه اللحظة لايزال هناك تقصير وتراخٍ وزارة الثقافة في استخدام أدواتها الناعمة جلياً في مواجهة التطرف، سواء كان ذلك بعجزها عن الوصول إلى الشباب خصوصاً في الأقاليم المصرية غير العاصمة، وعجزها عن الوصول لعقله ووجدانه الذي استلبته تيارات رجعية متطرفة، ولم تقم بدورها في هذا الصدد عن طرق دعم مشاريع ثقافية مستقلة بالتوازي مع الدور الحكومي.

وقبل هذا وذاك، تراجع المؤسسات الثقافية عن حماية حرية الفكر والإبداع وبدلا من محاربة الفكر المتطرف وجدنا قضايا لمحاكمة الإبداع تارة تحت عباءة ازدراء الأديان وتارة أخرى تحت عباءة مخالفة القيم والتقاليد والنظام العام.

ويؤكد ابراهيم أن "على الدولة أن تدرك أن دعم حرية المنظمات والمؤسسات الثقافية ودورها في حماية ونشر الإبداع والفكر هو الكفيل بتصويب الأفكار المغلوطة أما احتكار مؤسسات الدولة للعمل الثقافي وتقريب أهل الثقة فلن يجدي نفعًا.وفدور الدولة الثقافي يجب أن يكون أكثر اتساعا من وزارة الثقافة، بأن تدعم المشاريع المستقلة وأن تدعم حرية الإبداع وترعى المواهب في القرى والنجوع وتساعدها على إفصاح عن كينونتها".

  • ناشط حقوقي مصري