في محاولة من جانب عدد من المتطوعين وخبراء التعليم تبنت "مصريون ضد التمييز الديني" لجنة لمراجعة المناهج التعليمية. و"مصريون ضد التمييز الديني" هو كيان يجمع تحت لواءه، مجموعة من المصريين من خلفيات دينية وسياسية وعرقية وإجتماعية متباينة، ولكنها تتفق على خطورة التمييز الديني على كينونة المجتمع المصري أكثر من أي نوعٍ آخرَ من التمييز.

ومنذ نشأتها في العام 2006، اهتمت مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني" بقضيتي التعليم والمواطنة، وعقدت في 24 و25 نيسان/2009 مؤتمرها الوطني الثاني لمناهضة التمييز الديني وخصصته لموضوع "التعليم والمواطنة"، وصدرت أوراق المؤتمر وتوصياته في كتاب يحمل نفس الاسم. ونظراً للقيمة البحثية لتلك التوصيات، سنقوم بعرضها بشيءٍ من التفصيل..

 

توصيات عن المواطنة ورافضة للتمييز

اتفق المشاركون في هذا بدايةً أن المدرسة الوطنية التي ظهرت مع تبلور الدولة القومية المصرية بدايةً من عصر محمد علي تتعرض حاليا للتآكل لصالح العصبية الدينية والفرز الطائفي.

وأن أهم ما ساعد على انتشار ثقافة وممارسات التمييز الديني في مجتمعنا ارتباطها بالمشروع السياسي لجماعات "الإسلام السياسي"، حيث تعتمد هذه الجماعات على عدد من الآليات لمحاصرة واختراق المؤسسة التعليمية، منها السعي لإعداد معلمين ينتمون لتيارات وتوجهات الإسلام السياسي بتوجيه عناصرهم الطلابية للالتحاق بكليات التربية ومعاهد المعلمين، واختراق التنظيم النقابي لحماية عناصرهم من أي ملاحقة إدارية، واختراق المؤسسات التي تقوم على وضع السياسات التعليمية أو مراقبتها لمواجهة أي توجه جاد لإحداث تطوير حقيقي في المؤسسة التعليمية.

وقد أكدت الدراسات المقدمة لهذا المؤتمر اتساع ظاهرة تحول مقررات اللغة العربية في كل مراحل التعليم إلى دروس إجبارية في الدين الإسلامي يدرسها المسلم وغير المسلم، وتعمد اختيار نصوص تخالف عقائد غير المسلمين بدلاً من تلك التي تؤكد على القيم الإنسانية المشتركة التي تتفق عليها جميع الأديان فكانت النتيجة أن الأجيال الجديدة من المصريين قد أصبحت أكثر تعصباً وتطرفاً من الأجيال السابقة.

 

لكل ذلك تبنت مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني" مشروعاً يهدف إلى مراجعة جميع المناهج الدراسية (ابتدائي – إعدادي – ثانوي) لتحديد وحصر المحتوى الديني المتسرب للمقررات الدراسية (بخلاف مادة التربية الدينية الإسلامية)، والتوصية بحذفه واقتراح محتوى بديل إن لزم الأمر.

 

إلغاء المقررات الدراسية التمييزية ضد الآخر

وفي حديث لـ "اليوم الثالث" مع عضو اللجنة المحامية "سوما منصور" أشارت إلى أن قبل تقديم أي حلول لا بد من الاعتراف أولاً بوجود مشكلة، وإلا فلنْ تفيد أي توصيات طالما كان "الانكار" هو أسلوب بعض مسؤولي التعليم.

وتستطرد، يؤسفني أن أقول إنني رصدت مواضيع شتى تحض على التمييز وعدم قبول الآخر، فمثلاً تجد آيات قرآنية وأحاديث نبوية يُلزَم المسيحي على حفظها والامتحان فيها، وفي المقابل لا توجد نصوص مماثلة من الإنجيل أو التوراة -وهي ديانات يعترف بها الدستور بالمناسبة في مادته الرابعة- تدعو للتسامح والانفتاح على الآخر وعلى المجتمع، ويمكن في حال الاستشهاد بها أن تغرس في نفوس الطلاب قيم المحبة والمواطنة والعيش المشترك.

وأضافت منصور: ما لم تتوافر إرادة سياسية ورؤية واضحة تستند على أرضية المواطنة والمساواة، وتتكامل معها أجهزة الدولة، لن يُفيد الكتاب بتوصياته شيئاً، وسيكون مجرد مجموعة أوراق في درج أحد المكاتب الحكومية البيروقراطية في أحسن الأحوال.

وعن سؤالها عن رأيها في تصريح لنيافة الأنبا إرميا الأسقف العام ورئيس المركز الثقافي القبطي، ينفي فيه تدخل "بيت العائلة" لمراجعة المناهج الأزهرية، واعتراض البعض على ذلك وسؤالهم هل تقبل الكنيسة المعاملة بالمثل وأن يُراجع الأزهر مناهجها التعليمية؟ فردت باندهاشٍ: وهل للكنيسة مناهج تعليمية غير الموضوعات الدينية حتى يتم مراجعتها من قبل الأزهر؟!

ورأت أن التعليم الديني المسيحي يُدرِّس موضوعات دينية بحتة، بعكس الأزهر الذي يطلقون عليه لقب "جامع وجامعة" حيث يدرسون العلوم غير الدينية كافة في كليات للطب والهندسة وغيرهما، ورغم ذلك يحرمون الطلاب المسيحيون من الدراسة في تلك الكليات، ويقصرونها على الأزهريين فقط، في مخالفة دستورية صارخة.

وشددت المحامية منصور على أنه حان الوقت لإلغاء التعليم غير الديني الأزهري، وتحويل جامعته وكلياته المدنية لتكون تابعةً لوزارة التعليم العالي، واقتصار الدراسة في الأزهر على العلوم الفقهية، كما هو الحال في الكليات اللاهوتية المسيحية مثل الكلية الإكليريكية ومدارس الأحد.

ويتفق "حسام أبو شوشة" عضو اللجنة مع المحامية "سوما منصور" في ضرورة حذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من المقررات الدراسية وإضافتها لمادة "التربية الدينية الإسلامية" فقط.

 

التربية على التكفير!

ويؤكد "منير يعقوب" عضو اللجنة على وجود بعض النصوص التي تكفر الآخر وتميز ضده بالفعل، وذلك من واقع مراجعته للمناهج من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الثانوية. ويشير إلى أن المؤسسة التعليمية من المفترض أن يكون لها دور رئيسي فى محاربة التطرف مع أجهزة الإعلام لكن الواقع غير ذلك.

وأضاف شوشة: من واقع تجربتي العملية كعضو هيئة تدريس في وزارة التعليم المصرية منذ 37 عامًا- كثير من المدرسين في كل مراحل التعليم، أدمغتهم محشوة بأفكار تكفيرية يبثونها في عقول ووجدان طلابهم، وذلك تحت سمع وبصر رؤوسائهم، من دون إجراءٍ قانوني أو حتى تربوي، فكأنهم يعطونهم الإشارة الخضراء بقبول ما يعتنقونه من أفكار ظلامية ضمنًا.

وهذا يؤكد -والكلام لازال على لسان "يعقوب"- أنه لا توجد إرادة سياسية لمعالجة هذا الأمر، فالأوْلَى بالاهتمام من واقع خبرتي هو عضو هيئة التدريس الذي ينبغي صقله وتدريبه وتطويره قبل تنقية وتطوير المناهج التعليمية نفسها.

 

للتطبيق العملي

وفي ختام بحثنا هذا، ونحن على أعتاب عام دراسي جديد، لنا أن نتساءل هل تشق تلك الرؤى والمساعي البحثية طريقها عمليا إلى صالات الدرس في المدارس والجامعات؟ إن أُخذت تلك التوصيات على محمل الجد فسنلمس تغييرًا حقيقيًا في المنتوج القِيَمي التعليمي، وسينعكس ذلك بالضرورة إيجابياً وتدريجياً على الثقافة المجتمعية السائدة، وسيكون اللبنة الأولى لبناء مصر الحديثة التي نحلم بها.

  • ناشط حقوقي مصري