انقلب المشهد السياسي في مصر رأسًا على عقب، بعد إعلان الفريق "أحمد شفيق" رئيس الوزراء والمرشح الرئاسي الأسبق في الانتخابات التي أجريت في العام 2012 نيّته الترشح في الانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها في شهر أيار 2018. وكان شفيق منافسًا شرسًا في انتخابات 2012 حين احتل المركز الثاني بفارقٍ ضئيلٍ في الأصوات أمام "محمد مُرسي" مرشح "الإخوان المسلمون".

وكان يتمتع في ذلك الوقت بدعمٍ قويٍ من مؤسسات عدة بالدولة وتأييد قطاع الناخبين المحسوب على "التيار المدني" الرافض لحكم جماعة دينية راديكالية، سواء من أنصار "حسني مبارك" أو حتى من بعض الشباب الذين نزلوا في انتفاضة كانون الثاني 2011، الذين صوتوا لصالحه في الجولة الثانية/الإعادة ولم "يعصروا على نفسهم لمونة" بحسب التعبير الذي أُطلق على مَن انتخبوا "مُرسي" آنذاك!

 

إعلان شفيق شجع مرشحين مُحتمَلين آخرين

لم تكد تمر أيام قليلة على إعلان "شفيق" عزمه الترشح، حتى أعلن عقيد بالجيش المصري رغبته في الترشح للرئاسة. وأعلن "أحمد قُنصوه"، الذي يعرّف نفسه بأنه عقيد دكتور مهندس في القوات المسلحة، عبر فيديو تم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي، وبعد الإعلان صدر قرار بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، لمخالفته القانون العسكري الذي يمنع ترشح أي عسكري للترشح طالما كان لا يزال يخدم في "القوات المسلحة".

وكان المحامي والحقوقي "خالد علي" المرشح الرئاسي الأسبق في انتخابات 2012، قد سبق وأعلن ترشحه بالفعل في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربع الأول من عام 2018، ليُصبح المرشح الأول الذي يعلن ترشحه في السباق الرئاسي.

وكان ل"علي" دورٌ بارزٌ في انتفاضة 25 كانون الثاني 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك"، وترشح في انتخابات الرئاسة عام 2012، وجاء ترتيبه المركز السابع بعد حصوله على 143 ألف صوت. وفي انتخابات الرئاسة عام 2014، التي فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعلن أنه لن يخوض الانتخابات ووصفها بأنها "مسرحية".

 

خلفية تاريخية لانتخابات 2012 وموقف الأقباط

في انتخابات الرئاسية 2012 كان القطاع الأكبر من الأقباط يميل لاختيار "أحمد شفيق" في موجهة مرشح الإخوان المسلمين "محمد مرسي"، وهو شيء طبيعي بالنظر لإيديولوجية وتوجهات التيار الإسلامي تجاه الأقباط ومدنية الدولة. وفي الحقيقة لم يكن مرسي مرشحاً لحزبٍ سياسيٍ "الحرية والعدالة"، ولكنه كان مرشح "مكتب الإرشاد" وهو بمثابة السلطة العليا للجماعة، وهو بذلك كان "مرشح الجماعة" وليس "مرشح الحزب" كما أطلق عليه العديد من السياسيين المصريين البازين في تلك الفترة.

وقد أثبتت سنة حكمه وأحداثها صحة هذا الكلام. إذ كان "قصر الاتحادية" الرئاسي يُديره "خيرت الشاطر" نائب المرشد آنذاك. وقد فطن المصريون لهذا الأمر، حتى أن المظاهرات التي كانت تخرج ضده لم تكن تطالب ب "إسقاط النظام" مثلما كانت ضد الرئيس السابق له "مبارك"، بل كانت الهتافات "يسقط يسقط حكم المرشد"!

 

دور وطني لا سياسي للكنيسة في انتخابات 2012

لم توجه الكنيسة الناخبين الأقباط حينذاك، بل كانت تحثهم على النزول والإدلاء بأصواتهم والقيام بواجبهم الوطني. ويرجع ذلك لأن في تلك الانتخابات كانت هناك دعوات لقوى سياسية وشخصيات وطنية ب "مقاطعة الانتخابات" نظرًا لأن كلي المرشحين لا يلبيان طموحات المصريين بعد "انتفاضة يناير" وإسقاط نظام حكم مبارك. بل أن العديد من النشطاء الشباب دَعَوْا المصريين إلى أن "يعصروا على نفسهم لمونة" وينتخبوا "مرسي" نكايةً في "شفيق" الذين اعتبروه من "الفلول" أي الذين ينتمون للنظام السابق الذي أُسقِطَ.

 

المركز الثقافي القبطي ومتابعة انتخابات 2012

أيضًا ما قام به "المركز الثقافي القبطي" آنذاك كان عملاً وطنيًا بامتياز، حين فتح أبوابه لـ "لجان المواطنة" بالكنائس المصرية الثلاث لتقوم بتشجيع المواطنين الأقباط للنزول. كما أنشأ "غرفة عمليات" لمتابعة سير الانتخابات، وقد كنت أنا شخصيًا عضوًا فيها، وقد لاحظنا عزوف الفئة العمرية بين 20 و 40 سنة عن القيام بالواجب الوطني، مما دعا أسقف عام الشباب "الأنبا موسى" لإلقاء كلمة متلفزة على شاشة قناة "مي سات" التابعة للمركز ودعوته وحثه للشباب على القيام بواجبهم بالمشاركة فى الانتخابات دون توجيه لهم.

وقد استقبلت غرفة العمليات عددًا كبيرًا من شكاوَى الأقباط -ولازلتُ أحتفظ بها لمن يريد الإطلاع عليها- بمنعهم من التصويت بجانب حدوث بعض المناوشات فى محافظات عديدة وتوجيه الناخبين أمام مقار الانتخابات، من قبل جماعة الإخوان والتيار الإسلامي عمومًا و"السلفيين، والجماعة الإسلامية، والجهاد" لانتخاب مرسي "نُصرةً للإسلام".

 

آراء قبطية في انتخابات 2018

"مريم صابر" مدرسة لغة عربية 40 عامًا مقيمة بالقاهرة تقول لـ"اليوم الثالث": أنا انتخبت شفيق فى عام 2012 وذلك كان بسبب خوفي من جماعة الإخوان المسلمين وليس اقتناعاً بشفيق أو برنامجه".

وبسؤالها عن انتخابات 2018 قالت: سأنتخب السيسي برغم غلاء الأسعار وانهيار الاقتصاد وحوادث الإرهاب المستمرة خصوصًا تجاه الأقباط وكنائسهم، لكن لو ظهر مرشح قوي مدني له برنامج واضح للنهوض بالبلد أكيد سأنتخبه. والحقيقة ما يشغل بالي هو "الأمان والاستقرار"، أنا فى فترات كثيرة كنت "بخاف على ولادي يروحوا الكنيسة".

 

الدكتور مينا مجدي المنسق العام لاتحاد شباب ماسبيرو في حديث لـ"اليوم الثالث" قال: "بالنسبة لترشح شفيق في ٢٠١٢، دعم الأقباط له كان دعمًا للمرشح المدني المؤمن بالمواطنة والمساواة، فى مقابل مرشح الإخوان الذي يتبنى فكرة تديين الدولة ومشروع دولة الخلافة، ولذلك يمكن أن نعتبر دعم الأقباط له دعمًا مشروطًا وضروريًا للحفاظ على مدنية الدولة.

ولفت مجدي إلى أن بالنسبة لانتخابات ٢٠١٨ فلم يتحدد بعد لمن ستتوجه الكتلة التصويتية القبطية، مشيراً إلى أنه يرى أنها لن تكون كتلة شبه موحدة مثل انتخابات ٢٠١٢ ولكنها ستكون مقسمة بين مختلف المرشحين. وأكد أن من الصعب التكهن الآن باتجاهات التصويت خاصةً أن إنشاء المفوضية العليا للانتخابات التي نصَّ عليها الدستور لم يحدث بعد، وهي الجهة المنوط بها فتح باب الترشح رسميًا وتلقي وفحص استمارات المرشيح، كما أن استمرار المرشحين المحتملين أو انسحابهم من السباق الرئاسي مازال ضبابيًا.

 

الأقباط كتلة هائلة

الأقباط الذين لا يقل عددهم عن 18 مليونًا في أقل التقديرات، يُمثِّلون كتلةً تصويتيةً هائلة، ومن الواجب بحث كيفية توظيف هذه الكتلة من قِبَل النُخَب القبطية والمهتمين بالشأن المصري عامةً، بما يحافظ على مدنية الدولة وعلى حقوقهم المُهدرَة المشروعة في آنٍ، بدلاً من الصراخ والمناشدات في كل مشكلة آنية يتعرض لها الأقباط.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث"