"يعز علينا انتقاله المفاجئ بعد أن خدم الكنيسة ٤٥ سنة مطرانًا جليلًا، وشغل منصب السكرتير العام الأسبق للمجمع المقدس، وكان عالمًا لاهوتيًّا مدققًا، شارك بعلمه فى صياغة الكثير من البيانات الكنسية واللاهوتية، كما كان أستاذًا فى الكليات الإكليريكية بمصر وبالخارج.." بهذه الكلمات ودع البابا تواضروس الثاني الأنبا بيشوي مطران كفر الشيخ ودمياط ورئيس دير القديسة دميانة، بعد أزمة قلبية مفاجئة أثناء تواجده بالقاهرة مساء الثلاثاء الماضي عن عمر 76 عاماً.

للموت جلاله واحترامه.. لكن تظل الأفكار الهجومية والتمييزية أحياناً حقاً للجميع للتعبير عنها بقبولها أو رفضها وتفنيدها، فقد رحل قبله الكثير من القامات الكنسية الهامة قديماً وحديثاً، لكن يبقى الأنبا بيشوي واحداً من الأسماء التي يتوقف عندها الكثير ما بين مؤيد لشخصه ومعارض لتصريحاته التي كانت في كثير من الأحيان مثيرة للجدل داخل الأوساط المسيحية، كما مثل بعضها عثرة لرجل الكنيسة في أوقاتاً آخرى. وقد وصفه أبناؤه وعددٌ من الأساقفة بـ"المدافع عن العقيدة"..

 

الرجل الحديدي المثير للجدل

الرجل القوي، أو المتشدد، أو الرجل الحديدي أو صاحب "العثرات" في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كلها ألقاب لرجل واحد. مع كل أزمة خرج لقب لعدة أزمات آثارت الجدل. ففي 18 آيار/مايو 2012، تظاهر العشرات من النساء القبطيات أمام المقر البابوي بالكاتدرائية تنديداً بتصريحات الأنبا بيشوي، بالاحتشام والاقتداء بملابس المسلمات وهو ما اعتبره البعض تعدياً صارخاً على حرية المرأة، واتهاماً للمسيحيات بتهم غير لائقة. فيما اعتبر البعض الآخر تصريح الأنبا بيشوي، بأنه محاولة كسب ود الإسلاميين آنذاك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2014 أصدر "بيشوي" تعليماته للكنائس التابعة لإيبراشيته بمنع السيدات والفتيات فوق 11 عاماً المسيحيات من "التناول" إن وضعن مكياجًا أو ارتدين بنطلونًا وبلوزة.

وفي منتصف أيلول/سبتمبر عام 2010 تسببت تصريحات الأنبا بيشوي في إحراج الكنيسة المصرية، مما دفع الراحل البابا شنودة، لتقديم اعتذار رسمي للمسلمين بعد أن طالب "بيشوي" بمراجعة القرآن الكريم لبيان ما إذا كانت أضيفت إليه آيات في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان أم لا!

 

ما زاد الأمر سوءًا وأدخل البلاد في فتنة كبرى، كان طرفها الثاني الدكتور سليم العوا المفكر الإسلامي، عندما صرح الأنبا بيشوي أن المسلمين المصريين ضيوف في مصر، وأن المسيحيين هم أصحاب البلد! هنا خرج "العوا" وقال تصريحاته الشهيرة إن الكنائس المصرية مدججة بالأسلحة، وأن الكنيسة تحولت إلى دولة داخل الدولة، ولا يستطيع أحد التدخل فيما تفعله، مستدِلًا بتصريحات الأنبا بيشوي التي قال فيها إن ما يحدث داخل الكنيسة لا يحق لأحد التدخل فيه. وبعد تصاعد التنديدات بتصريحاته، ومطالبة بعض الهيئات الإسلامية بمحاكمته واتهامه بإثارة الفتنة الطائفية، تراجع الأنبا بيشوي، وأصدر بيانًا أكد فيه حرصه على سلامة الوطن بمسلميه ومسيحييه، وحماية الوحدة الوطنية.

 

معركة "عزازيل"

وفي عام 2008 وقعت أزمة كبرى بين الأنبا بيشوي والكاتب يوسف زيدان بسبب رواية "عزازيل"، وعليها أصدر الأنبا بيشوي كتاب "الرد على البهتان فى رواية يوسف زيدان، بحث وثائقي وتاريخي وعقائدى لمواجهة عزازيل". ووصف "بيشوي" بأن "زيدان" يحاول تدمير العقيدة المسيحية الأصيلة،وقال: "ونتعجب من تدخله السافر بهذه الصورة فى أمور داخلية تخص هذه العقيدة المسيحية، خاصةً أنه فى موقع وظيفي له ثقله التاريخي والدولي، يقتضى عليه أن يكون محايداً".

 

السبب الذي أطاح بترشيحه للبابوية

برحيل البابا شنودة الثالث في آذار/مارس 2012، تنبأ عدد كبير من الأقباط بأن "بيشوي" أحد أبرز الأساقفة الأقرب لرئاسة الكنيسة، ولكن بسبب الطعون التي تقدمت ضده تم استبعاده من الانتخابات البابوية في الربع الأخير من 2012 عندما تقدمت "حركة الكرسي المرقسي" بطعن على ترشحه للمنصب البابوي، وأوضح الطعن الذي تم إرسال نسخة منه للجنة الطعون "بضرورة البحث حول ما أثير عن زواج "شقيقة" "بيشوي" من شخص مسلم بالإضافة إلى تصريحاته المثيرة للجدل، والتي تعبر عن عدم قبول الآخر". وتساءلت الحركة "هل معنى أن الأنبا بيشوي يشرف أو يرأس دير دميانة كحالة فريدة بتاريخ الكنيسة القبطية المعاصرة، أن يرأس رجل دير للراهبات يعطيه الحق بأن يعتبر الدير ملكيته الخاصة فيدفن فيه والدته، بل ويجعل مقبرها محل زيارة من قبل البابا مارأغتلطيوس زكا الأول بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس، بل ويصدر عن مطرانية دمياط والدير كتاب عن حياة السيدة والدته بعنوان "لمسة وفاء" لإضفاء صفه القداسة عليها!

 

 هجوم صريح ضد المرأة

وبصفته رئيس قسم علم اللاهوت بمعهد الدراسات القبطية بالكنيسة، أصدر الأنبا بيشوي كتيبات عديدة للرد على ما أسماه بالمخالفات الإيمانية والهرطقات، وعلى الرغم من أن "بيشوي" هو الأسقف الوحيد فى تاريخ الكنيسة الذى ترأس ديراً للسيدات هو "دير القديسة دميانة"، إلا أننا نجد كثيراً من كتاباته التي هاجمت المرأة وحرمها من حقوقها. فمع صدور الأنبا بيفنوتيوس، مطران سمالوط كتاب "المرأة فى المسيحية" الذى أباح "سر التناول" للمرأة الحائض والنافث وعليه أصدر الأنبا بيشوي كتيب بعنوان "طقس معمودية الأطفال"، وقال الأنبا بيشوي فى مقدمته: "..وجدنا من واجبنا أن نشرح السبب فى طقس معمودية الأطفال الذكور بعد ٤٠ يومًا من ولادتهم، والأطفال الإناث بعد ٨٠ يومًا من ولادتهم، وارتباط هذا النظام الكنسي بعقيدة وراثة الخطية الأصلية.. وأن الشريعة فى العهد القديم تنص على تطهير المرأة بعد ٤٠ يومًا فى حالة المولود الذكر و٨٠ يومًا فى حالة المولود الأنثى، وإلى أن الفرق في عدد الأيام بين الذكر والأنثى يعود لأن "حواء" حملت ذنبها وذنب زوجها آدم الذى أغرته بالعصيان، أي ذنب مضاعف. الأمر نفسه تكرر مع كتاب "المرأة والتناول" للأب يوئيل المقاري، وهو واحداً من الكتب التى أثارت أزمة حيث تناول موضوع "معوقات التناول" من جهة الإحتلام أو الدورة الشهرية للمرأة ودخولها الهيكل أو منع دخولها الكنيسة لفترة معينة، فى ظل مؤيد ومعارض للرأي. رداً على الكتاب أعد الأنبا بيشوي دراسة بحثية مستشهداً بقرار المجمع المقدس بجلسة ٢٧ آيار/مايو ٢٠٠٧ بتوصية لجنة الإيمان والتعليم والتشريع بمنع توزيع الكتاب، ووجه بيشوي نصيحة للراهب يوئيل المقاري بمراجعة نفسه فى كل ما ينشره فى ضوء قرار المجمع المقدس بشأن كتابه.

 

مؤلفات وأساقفة تحت الحصار

وصف الأنبا بيشوي بالأسقف ذي النفوذ والسلطة داخل الكنيسة وخارجها. فخلال ترأسه للجنة المحاكمات الكنسية فقد وقع تحت قبضته العديد من الضحايا سواء إكليروس أو علمانيين، فقد حاكم وأوقف أساقفة عن عملهم ومنع من ظهور كتب ومؤلفات كنسية للنور، كما نالت هذه المحاكمات من الأنبا متياس أسقف المحلة وتم إيقافه، أما الأنبا أمونيوس أسقف الأقصر والأنبا تكلا أسقف دشنا فقد تم حبسهم بأديرتهم. وعقب تولي البابا تواضروس، بحث أزمة الأساقفة المستبعدين، فى جلسة المجمع المقدس في حزيران/يونيو ٢٠١٣، وفي النهاية، قرر المجمع المقدس عودة الأنبا تكلا، فيما قام الأنبا بيشوي، مطران دمياط، بعرض الأخطاء اللاهوتية والعقائدية والطقسية للأنبا متياس أسقف المحلة، ليؤكد ضرورة التصويت لاستمرار استبعاده، وشهدت جلسة المجمع مشادة عقب بحث عودة الأنبا أمونيوس أسقف الأقصر المستبعد، ليقرر المجمع تفويض البابا لاختيار راهب أو أسقف لرعاية الإيبارشية.

وتحت عنوان: "الرد على الخطيئة الجدية" حذر "بيشوي" من كتابات هاني مينا ميخائيل باحث اللاهوت، ونشر بيشوي قرار المجمع المقدس فى جلسة ٢٩/٥/١٩٩٩، حيث وافق المجمع على التحذير من مؤلفات وكتابات الكاتب المذكور. وتحت عنوان: "هل كانت كنيسة الآباء الرسل الأولى فى القرن الأول الميلادي تعمد باسم الآب والإبن والروح القدس أم باسم المسيح أى الإبن فقط؟"، وجاء رد "بيشوي" على كتاب الراهب أثناسيوس المقارى بعنوان "طقوس وأسرار وصلوات الكنيسة معمودية الماء والروح"، الذى طالب خلاله بيشوي باحترام الإيمان المسلم وعدم اختراع كنيسة حسب تصور الكاتب.

 

وأصدر "بيشوي" كتيبات للرد على الراهب متى المسكين إبن دير أبو مقار بوادي النطرون، وحذر خلالها من ٤٨ كتابًا للمسكين وأصدر كتاب "بيان بالكتب وفهرس الأخطاء الواردة فيها ومعها ردود مختصرة خاصة في كتب مؤلف مشهور منسوب لكنيستنا، وجرى حصر أخطاء عقائدية شديدة فيها حتى الآن.  وجاء الكتاب فى ١٢٠ صفحة وكتب فيه: "إنه من الأمور المذهلة أن يوجد هذا الكم الهائل من الأخطاء العقائدية فى كتب مؤلف واحد مشهور منسوب إلى الكنيسة، ووصل عدد ما حصرناه منها حتى الآن ٤٨ كتابًا، ونظرًا إلى سعة انتشار هذه الكتب وخطورة ما فيها من أفكار بين خدام وشعب الكنيسة، وجدنا أنه من الواجب علينا أن نحذّر مما فيها، ونرد على هذه المغالطات التى تصل أحيانًا إلى مهاجمة الله، أو الطعن فى الوحي الإلهي فى الكتب المقدسة، وأن فى كتبه خروجًا على المفاهيم الأرثوذكسية".

وحذر "بيشوي" من مؤلفات الدكتور جورج حبيب بباوي الأستاذ السابق بالكلية الإكليريكية. بالإضافة لتحذيره من المواقع الإلكترونية والتى تنشر مقالات "بباوي"، واصفًا إياها بأنها معادية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كما أنهم معادون للبابا الراحل، ولآباء الكنيسة.

 

 بريق ينطفئ

على الرغم من اعتباره لفترة كبيرة "الرجل الحديدي" للكنيسة القبطية خلال عهد البابا الراحل، إلا أن الأمور تغيرت وبدأ "بيشوي" يفقد بريقه، خاصة مع الأيام الأخيرة للبابا شنودة الذي أصدر أوامره لـ"بيشوي" بعدم الحديث لوسائل الإعلام. ومع تجليس البابا تواضروس على كرسي مار مرقس استمر في تقليص سلطات "الرجل الحديدي" وصلاحياته، وبدأها بالإطاحة به من الإشراف على مطرانية المحلة التي أشرف عليه 8 سنوات كما أزيح من منصب سكرتير المجمع المقدس، وقام تواضروس بتعيين عميد جديد لمعهد الدراسات القبطية بدلاً من أن يكون تحت إدارة "بيشوي" وتقليص دوره إلى رئيس لقسم اللاهوت بالمعهد فقط.

 

ممثل الكنيسة المصرية في المحافل الدولية

وكان الأنبا بيشوي ممثلًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في كثيرٍ من المحافل، وعضوًا في مجلس الكنائس العالمي وعضوًا في مجلس كنائس الشرق الأوسط. وعضوًا في مجلس كنائس مصر، كما أنه رئيس اللجنة المشتركة بين الكنائس الشرقية القديمة وبين الأرثوذكسية البيزنطية في الحوارات اللاهوتية عبر عشرات السنين. وكان الذراع الأيمن للبابا شنودة الثالث في مثل هذه الحوارات الكثيرة بدءًا من التسعينيات فيما بعد، في سنوات كثيرة وفي اجتماعات كثيرة. كما أنه عمل سكرتيرًا للمجمع المقدس على مدار ٢٧ سنة، وكانت له علاقة قوية جدًا بالكنيستين الإثيوبية والإريترية.

 

انتقاد غياب البابا عن الجنازة

وبسبب زيارته خارج مصر في رحلة رعوية للولايات المتحدة الأمريكية بدأها منذ منتصف أيول/سبتمبر الماضي، غاب البابا تواضروس عن صلاة الجنازة للأنبا بيشوي وأناب عنه الأنبا باخوميوس والأنبا بنيامين والأنبا موسى والأنبا دانيال سكرتير المجمع المقدس لصلاة التجنيز، على الأسقف الراحل.. الأمر الذي انتقده وبشدة عدداً من أتباع وأبناء الأنبا بيشوي، معتبرين أن الأنبا بيشوي قامة كبيرة وكان على البابا أن يقطع زيارته بالخارج ويترأس صلاة توديعه.

 

 الأنبا بيشوي في سطور

  • ولد المطران الراحل فى مدينة المنصورة ١٩ تموز/يوليو ١٩٤٢ باسم مكرم إسكندر نقولا، وهو الإبن الوحيد لوالديه سليل أسرة نيقولا باشا.
  • حصل على درجة الماچستير فى الهندسة الميكانيكية جامعة الإسكندرية ١٩٦٨ والتحق بدير السريان فى العام نفسه.
  • تمت سيامته أسقفاً في 1972 على يد البابا شنودة، وسنه 30 عاماً، على الرغم من أن الحد الأدنى لرسامة القسيس وليس الأسقف 30 سنة، وتم اختياره سكرتيراً للمجمع المقدس في 1985.
  • عُين أسقفاً على دمياط وكفر الشيخ ورئيساً لدير دميانة، وعمل مدرساً بالكلية الإكليريكية، تم ترقيته إلى رتبة مطران في 1990.
  • توفي في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018.
  • صحفية مصرية تراسل "اليوم الثالث"