شكلت مفاهيم العلمانية والتطرف والوهابية وغيرها من المصطلحات، مادةً دسمة في الشارع السوري، كونها كانت جزءاً من الحرب في سوريا، إن كان على مستوى الأزمة الداخلية والحرب الخارجية. وكون وزارة الأوقاف هي المعنية في صلب عمل المؤسسات الدينية، كان لها النصيب من هذا الجدل، وخاصة مع اصدارها قوانين قسمت الشارع السوري بين مؤيد لها ومعارض.

 

المشروع الجديد والملاحظات

تقدمت وزارة الأوقاف السورية بالمرسوم التشريعي رقم 16 إلى مجلس الشعب السوري، للتصويت عليه وإقراره، وتقدم بعض نواب المجلس باعتراضهم على الكثير من المواد القانونية الواردة في المرسوم، والتي ذهب بعضهم إلى وصفها بأنها عملية استهداف لعلمنة الدولة السورية من الداخل من خلال تمرير مواد تعطي للمؤسسات الدينية سلطة أكبر على المجتمع.

فقد نشر النائب نبيل الصالح على صفحته الشخصية على "الفيسبوك" نقاط اعتراضه على بعض المواد. ويشير إلى أنَّ الفقرة (ط) من الفصل الاول التي توضح اعتماد الوزارة على الفريق الديني الشبابي التطوعي كأداة لتمكين وتأهيل النسق الشاب من الأئمة والخطباء ومعلمات القرآن الكريم، فيتساءل عن إمكانية أن تكون هذه التسمية للتعمية وشرعنة لعمل جماعة دينية تشبه جماعة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". كما يشير النائب السوري إلى أن المادة 51 من الباب الخامس في الفصل الاول، التي تشير إلى تشكيل مجلس الاوقاف الاعلى بحيث يكون الوزير وومعاونوه أعضاء، بهدف ضبط الفتاوى والاشراف على شؤون القائمين عليها، تشكل بحسب النائب، مخالفة لتاريخ المؤسسة الدينية الإسلامية السنية في سوريا منذ الاستقلال، وتعتبر ضربة قاضية للصراع بين الوزير ومفتي الجمهورية. أما من الناحية التعليمية، فتشكل المادتين 45 – 46 اختراقاً سلفيا للمؤسسات، كما يصفها الصالح، فهي تعد الشهادتين الاعدادية الشرعية والثانوية الشرعية معادلتين لشهادتي التعليم الاساسي والثانوية العامة في فرعها الادبي التي تمنحهما وزارة التربية. وضمن ذات السياق في "أسلمة المؤسسات"، يعتبر أن إحداث وحدات ادارية (شعب)، في المدن والبلدات والبلديات والمناطق، وتعين مفتي على كل شعبة، فهو يدخل ضمن الهيمنة على التنوع الديني والمذهبي في المجتمع السوري.

لم تكن المرة الأولى التي ينتشر فيها نقاش حول دور وزارة الأوقاف والمؤسسات الدينية، فطرحت تساؤلات عن دور الجماعات الدينية النسائية وأبرزها "القبيسيات، وعن سبب إنشاء فريق ديني شباب تابع لوزارة الأوقاف، إضافة إلى انتشار المعاهد والمؤسسات الدينية في المحافظات بشكل متزايد.

 

تاريخية الحالة الدينية في سوريا

تعد الحالة الدينية في المجتمع السوري متأصلة في حياته منذ لحظة إنشاء المدن الاولى، من المعبد وتعدد الالهة، فتشكلت باستمرار حالة طقسية - دينية – ثقافية، تختلف بحسب الزمن والحضارات والشعوب التي تمثلها، من أيام الوثنيين وصولا إلى المسيحيين حتى المسلمين. وكانت الصفة التي تعطى للحالة الدينية في سوريا بأنها متسامحة في الكثير من المراحلة التاريخية، ولأن ما وصل إلينا وما نعيشه الآن هو الثقافة العربية الاسلامية، تعتبر دمشق وبلاد الشام في "إسلامها الشامي"، نموذجاً للدعوة إلى التسامح، فهو الآتي من تفاعل وتراكم مختلف المشارب الدينية وتنوعها وبشكل خاص الصوفي منها، ومن ضمن هذا السياق يعتبر متابعون لعمل وزارة الاوفاق والمؤسسات الدينية بأنه لا يمكن أن يواجه الفكر الوهابي والسلفي، إلا فكر إسلامي منفتح ومتسامح، كون بيئة الصراع بينهما هو بيئة اسلامية. ولأن مفهوم العلمانية لم ينضج بعد، بحسب رأيهم، فيتم استغلاله لتشويهه ودعوة المسلمين إلى الوقوف ضده كونه صناعة "غربية صليبية"، مما يثير الغرائز والتعصب والعنف اتجاه الآخر، بينما مواجهة التيار الوهابي بفكر مؤسساتي يعمل على ترسيخ الاسلام المعتدل، ستكون لها الارضية والبيئة الصالحة للنمو والتجذر بشكل أكبر كون الاستجابة أوسع.

 

سقوط خيار المهادنة مع الإسلاميين

الرأي المعارض، يعتبر بأن الحل هو في التوجه نحو العلمانية، فالتجربة في مهادنة الفكر الاسلامي بمختلف وجوهه بحجة محاربة "الاخوان المسلمين" لم يأت ثماره، بل أن التيار الاسلامي دخل وتغلغل في مؤسسات الدولة وأصبح في مراكز قرار هامة. وأثبتت الحرب على سوريا، بحسب المعارضين، أن المؤسسات الدينية شكلت أرضية جاهزة للفكر الوهابي والسلفي للنضوج والتوسع وصولا إلى التجنيد في المجتمع وخاصة الشباب. فبعض دول الخليج العربي تحت حجة دعم المشاريع الخيرية كانت بوابتها نحو جذب الشباب نحوها وتسليحهم، إن كان مالاً قطرياً (المجموعات التابعة للاخوان المسلمين) أو سعوديا (الجماعات التابعة للوهابية). فالحل هو بالحد من عمل المؤسسات الدينية والعمل على ترسيخ العمل الحزبي والشبابي بعيدا عن الدين والمذاهب والطوائف، مسيحية كانت أم اسلامية.

 

المواجهة الفكرية المستقبلية

إن كانت الحرب في بعض جوانبها بدأ ينخفض فيها صوت الرصاص والمدفع، فمن ناحية أخرى بدأ يرتفع على هوامشها صوت النقاشات والجدل حول الكثير من المفاهيم والقيم. ذلك أن الهيارات والمشاريع المطروحة لم تعد ترفاً فكرياً لبعض المثقفين، إنما أصبحت جزءاً من حياة المواطن السوري، الذي يدخل في جولات حرب من نوع مختلف عن المواجهة العسكرية، وهي التي ستقرر مصير البلاد لعقود في أي وجه وتوجه سوف تكون.

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"