عندما نتحدث عن التعددية الثقافية في منطقتنا المشرقية والتي من المفترض انها تشكل طاقة وغنى نجد مع الاسف الشديد أنها مصدر أساسي من مصادر الصراعات التي تنتشر مع تراجع مفهوم المواطنَة، الذي يعني إدماج كل أفراد المجتمع في كيان واحد من دون أي إقصاء على أساس مذهبي أو ديني.

 

العولمة ضربت المواطنة

كان للعولمة مما لا شك فيه تأثير بالغ في إنتاج الاضطرابات الاجتماعية والمذهبية، مما سمح في ضعضعة المثالية الكامنة في نظام المواطنَة لمصلحة التلاعب بالهوية الأساسية، دينية كانت أم عرقية.

وفي هذا السياق أستعرض بعض الأسباب التي من وجهة نظري كان لها الاثر البالغ في ضرب مفهوم المواطنة وتعزيز المنطق الطائفي وأبرزها، الانهيار التدريجي للإيديولوجيات العلمانية في القرن العشرين وتجانس أنماط الحياة في أنحاء العالم تحت تأثير مجتمع الاستهلاك والعولمة الذي لم يخلُ من تأجيج مختلف أشكال الشحن المذهبي مما سمح بالتمادي الدولي في توظيف الدين، وما ترتب عليه من نتائج كارثية تهدد منظومة العلمانية التي قامت على اساس الفلسفة "الكانطية" الهادفة إلى إرساء السلام الدائم بين الأمم أو الدول.

 

العلمانية بين الشرق والغرب

مفهوم العلمانية كما يتمّ التداول به في المشرق والمنطقة العربية يجتاحه الكثير من اللغط. فعلى سبيل المثال العلمانية في الغرب وفي فرنسا بشكل خاص هي فصل الكنيسة عن الدولة، ومن غير الضروري هنا إستذكار دوافع ذلك الموقف الناتج عن صراعات دامية بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة، أما في الوطن العربي وفي المجتمعات الإسلامية فالأمر مختلف وإن كانت السلطنة العثمانية أوجدت مؤسسات لها طابع المرجعية الدينية وما زالت الامور على حالها في بعض الدول هذا بالعودة الى تاريخ منطقتنا.

اذن في المشرق والوطن العربي تمّ تعريب مفهوم "العلمَنَة" بفصل الدين عن الدولة ليس إلا وترجم على انه الكفر والإلحاد وهنا اختلاف كبير بين التعريف الغربي والتعريف العربي/ المشرقي. فحتّى الدول الغربية كالولايات المتحدة التي اسست في دستورها فصل سلطة الكنيسة عن الدولة فسلوكها السياسي والتشريعي لا يفصل الدين عنها فالدولار على سبيل المثال، وهو رمز الثقافة المادية الغربية، يتبنى شعار "نثق بالله "In God We Trust

كما ان التشريعات التي أرادوها ان تكون وَضعية، لا تخلو من المفاهيم الدينية. إذاً الدين موجود في الدولة ومؤسساتها في الغرب وهذا شيء لا تستطيع تجاهله وهناك نزعات متنامية لتقويتها في الولايات المتحدة. وأود الإشارة في هذا السياق إلى أن الإتحاد الأوروبي يرفض انضمام تركيا إليه بسبب الهوية الدينية لتركيا المختلفة عن الهوية الدينية في أوروبا، وهذا امر مفروغ منه ويعزز مفهوم ان العلمانية تقبل التأويل وليست قوالب جاهزة للإستخدام.

من جهة أخرى هناك إشكالية إضافية في مفهوم الدولة. فالدولة التي يتكلّم عنها بعض المثقفين والمنظرين العرب ويريدونها مشابهة لأوروبا بعد الثورة الفرنسية كانت دولة مختزلة في شخص الحاكم، بينما اليوم شبكة المؤسسات القائمة تصنع القرار بدلاً من الحاكم، وفي دولنا ما زال الحاكم يختزل بشخصه كل السلطات.

 

السلطة والدين في العالم العربي

وهنا اتطرق لثنائية الحاكم والدين في تراثنا العربي، فالمشكلة هي إخراج سلطة الحاكم عن السلطة الدينية، ومما لا شك فيه إن تسخير الدين لخدمة المآرب السياسية هي المعضلة الأساسية اليوم ويتم إستثمارها بحسب ما تقتضي الضرورة. وهناك مشكلة في طرح العلمانية كفصل الدين عن الدولة ليس الا، فتاريخ تكوين بعض الدول العربية التي لم تعرف قبل ظهور الإسلام أي مفهوم للدولة يوضح أن "الدولة" نشأت في كنف الدين فكيف يمكن إذاً فصل الدولة عن الدين؟

والسؤال هو كيف يمكننا أن نعالج معضلة المخاوف الناتجة عن أكثرية وأقلّية في ظل هذا التشتت الثقافي/ العقائدي. أودّ أن أذكّر بمقولة ارددها دوماً أنه لا يوجد أقلّيات في المنطقة او أكثريات بقدر ما يوجد اكثرية عربية وغير عربية، ومن هنا أعتقد أن مدخل الحلّ يكمن في ترسيخ مفهوم المواطنة على حساب العروبة على أساس أنها هوية وهي الكفيلة بتجاوز جميع التناقضات العصبية والمذهبية، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات وخاصة السياسية.

 

التلاعب الغربي بمجتمعات المنطقة

وهنا لا بدّ لي من إضافة نقطتين أساسيتين: النقطة الأولى هي أن العصبيات الدينية والقبلية يغذّيها إقتصاد وتدخّل أجنبي في شؤون المجتمع مما يزيد إنكشاف الأخير تجاه الخارج ويهدد أمنه ومستقبله. والنقطة الثانية هي أن الغرب يعمل بجهد كبير على نفي الهوية المشرقية والعربية واستبدالها بالهويات المناطقية. أذكّر هنا ما كان يقال عن سورية في مجلس الأمن باعتبار سورية مجموعة من طوائف ومذاهب وعرقيات، والكلام نفسه قيل عن العراق قبل الغزو والإحتلال ونفس الكلام يُروّج الان في بعض دول المنطقة. في المقابل فإن الهوية المشرقية/العربية تجمع بينما العصبيات الفرعية تفرّق وتمزّق، وعلى ما يبدو فإن تقسيمات سايكس بيكو لم تعد كافية لضمان أمن الغرب، فيعمل الغرب اليوم على تفتيت منطقتنا إلى كيانات طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية وعشائرية بادوات من الداخل وباستخدام شماعة الدين الكفيلة بذلك.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"