تبدلت أوضاع المنطقة الممتدة في شرقي العاصمة السورية دمشق، من ساحة العباسيين وصولاً إلى جرمانا، التي كانت تشكل في السنوات السابقة خطوط تماس مباشرة، نتيجة موقعها الجغرافي المتداخل مع ريف دمشق. ومع انتهاء المعارك حول المدينة وريفها، يكون سكان هذه المناطق، التي تشكل أكبر تجمع للكنائس في دمشق، على استعداد لاستقبال أعياد الميلاد ورأس السنة، بهدوء ما بعد الحرب، مع استمرار الضغوط المعيشية والاقتصادية على كافة السوريين.

 

احتفالات في زمنين

اعتاد أهالي هذه المنطقة قبل الحرب، أن تزين خارج بيوتهم على الشرفات والنوافذ، وقيام مجموعة من الشباب في كل حيّ بتزيّن الاشجار المزروعة على امتداد الارصفة، وتنشغل الفرق الكشفية بتحضير الاحتفالات الميلادية والاعمال الخيرية للعائلات المحتاجة. مع دخول البلاد في حربها القاسية، اقتصرت الزينة على داخل البيوت وليس خارجها، مع كثرت العائلات التي لم تحتفل نتيجة ظروف الموت التي كانت تعصف بالجميع، أما الكنائس والمنظمات الكشفية فقد حصرت احتفالاتها ضمن كنائسها، إلا في السنتين الاخيرتين حيث بدأت الامور تتجه نحو الهدوء في بعض الاوقات ليتسنى لهم إمكانية الاحتفال في خارج حدود كنائسهم، أما في الاعمال الخيرية فقد زادت المسؤوليات نتيجة الظروف المعيشية الصعبة وخاصة للعائلات النازحة من مناطق مختلفة في سوريا، مما تتطلب جهدا أكبر يمكن توصيفها بأنه أعمال إغاثية أكثر منها خيرية فقط.

حوالي تسعة أشهر على نهاية المعارك، ومع بداية الشهر الاخير من السنة، بدأت الاستعدادات والتحضيرات للأعياد، فعادت الزينة تملئ الشوارع والاحياء، واستعادت الكنائس حلتها من خلال فرقها الكشفية، وبدى واضحا حرص الحكومة السورية من خلال محافظة دمشق أن يتم تزيين الشوارع، حيث قامت ورشات بإضاءة الكثير من الطرقات الرئيسية. ما يحدث في دمشق، يشبهه كثيرا ما يحدث في مختلف المحافظات، وإن بنسب متفاوتة في طرق التعبير والاحتفال.

 

أوضاع معيشية وهجرة

على الرغم من انتهاء الحرب حول دمشق، إلا أن البلاد ما تزال تمر بمخاض الخروج من أزمتها العسكرية والاقتصادية. فعودة الدورة الانتاجية للمناطق التي تعود إليها مؤسسات الدولة تشكل خطوة لاستعادة الاقتصاد عافيته، ليبقى الضغط على الحكومة لإيجاد توازن بين اسعار المواد المرتفعة نسبة إلى الرواتب واجور الموظفين، هذه الاشكالية في الحياة اليومية المعيشية، تشمل معظم المواطنين في كافة المحافظات السورية، التي يحملونها معهم إلى السنة المقبلة، ولكن المسيحيون يحملون هم مشكلة إضافية وهي أزمة الهجرة.

إن حالة النزوح والهجرة التي شملت كل فئات المجتمع السوري، شكلت أزمة على الصعيد الانساني والاجتماعي في سوريا وخارجها، وخاصة من فئة الشباب التي دفعت الثمن الاكبر نتيجة ظروف الحرب، لتشكل فجوة عمرية بين العشرين والاربعين عاماً. تعتبر هذه الأزمة لدى المسيحين مشكلة محورية كونها ساهمت في انخفاض الاعداد بنسبة كبيرة في مختلف المحافظات. وتشير مصادر كنسية لموقع "اليوم الثالث" إلى أن أرقام الهجرة مرعبة، وعودة من هاجر البلاد، وخاصة المسيحيين، تبقى لها ظروفها وابعادها، مع الحديث عن استمرار الهجرة وإن بأعداد أقل من السابق ولكنها لم تتوقف. ويعلقالمصدر الكنسي إمكانية عودة من هاجر البلاد، بالقول إن "الكنيسة هي إحدى المؤسسات الموجودة ولكن ما حدث في سوريا هو موضوع كبير وهو بحاجة لمختلف دول العالم أن تتحمل المسؤولية وليس فقط الدولة السورية، لان الموضوع ليس إعادة إعمار فقط، لدينا مشكلة على مستوى الانسان، فنحن أمام تحدي إعادة بناء الانسان السوري بعد الحرب، على المستوى النفسي والاقتصادي، وحتى علاقته مع الله والانسان". ويعتبر المصدر الكنسي أن الحل هو بتلاقي الارادات الطيبة كافة، وأنَّ الكنيسة جزء من هذه المؤسسات الموجودة في هذه الدولة والعالم. وقال: "عسى إن استطعنا أن نخلق بيئة صالحة، ليس على المستوى الاقتصادي فقط، وإنما ثقافية واجتماعية، حينها يمكن أن يكون لدى الناس رغبة في العودة، أما أن يبقى الحال على ما هو عليه فمهما قمنا بإنشاء أبنية سكنية فهي ستبقى خالية من الناس".

 

تحديات بناء الغد

مسيرة تحديات عدة تنتظر المسيحيين في سوريا عن دورهم ومشاركتهم في الحياة السياسية كمواطنين فاعلين، وعن إمكانية العمل على تهيئة الظروف لعودة من هاجر البلاد، ومواجهة الفكر التطرف. ومع التحديات الداخلية، يبقى للوضع في المنطقة أثره ودوره، في ظل تبدل التوازنات الاقليمية والدولية وما سيكون لها من انعكاس على بلدان المشرق كافة.   

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"