كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى في العالم، واللغة التي يتحدثها ويجيدها الملايين، وفي القلب منهم ملايين من الشبان المصريين العاشقين للساحرة المستديرة.

انظر إلى حالة البهجة التي تملكتهم وخروجهم إلى الشوارع للتعبير عن فرحتهم بصعود المنتخب المصري لنهائيات كأس العالم 2018 في روسيا. أما عن فريقي الأهلي والزمالك فحدث ولا حرج، يكفي أن تعرف أن كثير من الأندية في الدوريات الخليجية تسمت بالأهلي تيمنا بالأهلي المصري. والآن عزيزي القاريء دعني أصدمك بالحقيقة المرة، وسط ثماني عشر فريق في الدوري المصري الممتاز لا يوجد إلا لاعب فقط مسيحي من بين 540 لاعباً!

 

الشباب القبطي عديم الموهبة الكروية!

هذا هو الاستنتاج المنطقي الذي يمكننا استنباطه من تلك المعلومة، "لاعب قبطي وحيد وسط 540 محترفا"... ولكن مهلا، ليس هذا هو كل ما في الأمر، فخلال الثلاثين عامًا الماضية، كان عدد اللاعبين المسيحيين قليلا جدا لدرجة أنه يمكننا عدهم على أصابع اليد الواحدة.

نبدأ ب"هاني رمزي" وهو أشهرهم كذلك، حيث لعب مع نادي "الأهلي" وعمره 18 عاما وانضم للمنتخب الوطني، ثم خاض تجربة احترافية ناجحة في الدوريات الأوروبية. إلى جانب "محسن عبدالمسيح" لاعب "الإسماعيلي"، و"أشرف يوسف" لاعب "الزمالك".. "ناصر بولس" في "غزل المحلة" و"ناصر فاروق" في "بترول أسيوط".

فهل عَدِمَ الأقباط المواهب الكروية، أم أن الأمر برمته لا علاقة له بكرة القدم؟ أو بعبارة آخرى: هل جرى استبعاد الشباب القبطي طبقا لمعايير فنية، أم لأسباب تتعلق بالديانة؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عليه في هذا المقال.

 

منتخب الساجدين.. ودلالات التمييز

يُطلق على الفريق المصري لقب "منتخب الساجدين" نظرا لسجود اللاعبين على أرضية الملعب عند تسجيل أي هدف، وأول من انتهج هذا الأمر هو اللاعب "محمد أبو تريكة" الذي تتهمه السلطات المصرية بدعمه لجماعة إرهابية محظورة بحكم قضائي، وقامت بالتحفظ على أمواله.

ثم صارت عادةً لكل اللاعبين في كل الملاعب المصرية بلا أي مبالغة، وهي رمزية واضحة، إن أضفنا لها المقولة الشهيرة لمدرب المنتخب المصري الأسبق "حسن شحاته"، إن معايير اختياره للاعبي الفريق المصري هي "الأخلاق والتدين" تزداد الرمزية وضوحا.

ولكي تكتمل أبعاد الصورة، ولكي لا يكون كلامنا نظريا، نسوق إليك قارءنا العزيز أمثلةً حيةً معاصرةً تناولتها وسائل الإعلام المصرية.

 

الحالة الأولى للطفل "مينا عصام"

 "مينا"، طفل موهوب، "أهلاوي" صميم ويشجع فريقه بجنون، وكان يحلم أن يكون لاعبا به مثل نجوم الفريق الذين يعلق صورهم في حجرته.

أربعة اختبارات للناشئين في نادي "الأهلي" اجتازها بنجاح، واستعد لدخول الاختبار النهائي لمركز "حراسة المرمى" مع 15 طفل آخرين بعد تصفيتهم من بين 250 طفلاً، وتم استبعاده دون أن يُجري الاختبار. ويقول "عصام لطفي" والد "مينا" إن "كابتن إكرامي" مدير الناشئين في النادي، هو المسؤول عن استبعاد نجله من الكشوف النهائية ورفض أن يشارك في الاختبار النهائي، وأشار بيده قائلا: مينا لا.

واستطرد والد مينا: "أنا ما يهمنيش أنه نجح في الاختبارات ولا ما نجحش، المهم الرفض ييجى بعد ما ينزل الملعب، لكن مينا منزلش الملعب أصلًا".

 

الحالة الثانية للطفل "بيير زهير"

واقعة التمييز الديني الثانية حدثت أيضا في "الأهلي"! يبدو أن الأمر ليس مصادفة، حيث عبر كثير من الخبراء والصحفيين المهتمين بالشأن الكروي، أن "نادي القرن" هو أكثر الأندية المصرية تعصبا.  يكفي أن تعرف عزيزي القاريء أن محترفا إفريقيا يلعب في الفريق الأول للنادي اسمه "سليمان كوليبالي" كان قد هرب من الفريق، نعم "هرب" في شهر أيار2017 وقدم شكوى رسمية لـ FIFA (الإتحاد الدولي لكرة القدم) فحواها أن سبب هروبه تعرضه للتمييز والمضايقات داخل النادي بسبب ديانته!

الطفل "بيير زهير " استبعد هو الأخر من اختبارات الناشئين في نادى الأهلي بواسطة "الكابتن علي خليل" مدرب حراس المرمى في فرع النادي بمدينة نصر، وكابتن "أحمد إكرامي" المشرف الفني على مدربي حراس المرمى بقطاع الناشئين بالفرع.

حيث يقول "بيير" إنهما عاملاه بشكل سيء واستبعداه من الاختبار النهائي، عندما علما اسمه "بيير" هو وطفل آخر اسمه "مينا" كان يختبر معه.

 

سموحة يزاحم الأهلي!

الواقعة الثالثة حدثت هذه المرة داخل نادي "سموحة" بمحافظة الإسكندرية فى شهر تمّوز من العام 2016. يقول "أيمن ناجي" والد الطفل "ناجى" 15 عامًا إن نادى سموحة لكرة القدم للناشئين بالإسكندرية رفض نجله "ناجي" رغم موهبته واستكمل: "ناجى" مواليد 2001 ، وهو موهوب منذ صغره، وقد فاز بلقب أحسن لاعب فى مهرجان الكرارزة عام 2015، والتحق بفريق نادى "قنا" للناشئين، وهو هداف الفريق، كما أنه مقيد باتحاد كرة القدم المصرى وشهد له العديد من المدربين، وذهب إلى نادى سموحة لكرة القدم للناشين واجتاز جميع الاختبارات بامتياز، وبدأ يتدرب مع الفريق منذ أوائل العام الحالي، وعلى مدار 4 مرات يتم اختياره للقيد بالفريق ولكن فى كل مرة يتم استبعاده دون إبداء أي أسباب، وكان يشكو ابنه من معاملة مدرب الفريق (حسين. ع) من أنه بدأ يعامله بأسلوب خشن عندما علم أنه مسيحي، وقد رفض ناجى أن يذهب إلى النادى بعد كل ذلك.

وأضاف والد الطفل "ناجى" أنه قام بعمل مداخلة مع إحدى القنوات الفضائية وتكلم عن الظلم الذى تعرض له طفله فى نادى سموحة، وأضاف: أعتقد أن عدم قبول المسيحيين هو سياسة موجود فى كل الأندية أو معظمها وخصوصًا فى الفريق الأول لأى نادى، والحديث عن عدم التمييز والمساواة شئ والواقع شئ، ولن أقبل دخول طفلى فريق سموحة مرة ثانية حتى لو كان سيلعب فى الفريق الأول".

 

كتاب يرصد حالات التمييز في الملاعب المصرية

حالة التمييز في الملاعب المصرية ليست وليدة اليوم، حيث أصدرت جريدة "وطني" المصرية في العام 2010 كتابًا مهما يتناول هذه "الظاهرة" بعنوان "الأقباط والرياضة.. جون في ملعب التعصب" من اعداد الكاتب الصحفى ورئيس قسم الرياضة بالجريدة "نور قلدس". ويوضح هذا الكتاب المتفرد ظاهرة التمييز ضد الأقباط فى الألعاب الرياضية المختلفة، ويذكر بعض الحالات المثبتة، ويحلل أسباب الظاهرة بربطها بالتحولات في الواقع المصري.

قام بتقديم الكتاب الدكتور محمد منير مجاهد مؤسس "مصريون ضد التمييز الديني" الذي ذكر في مقدمته أننا ومنذ عقد السبعينيات تم تديين كل شئ، حتى امتد الأمر إلى الرياضة، فأصبح كل لاعب يتباهى بتدينه بل ويلتحى ويستعيذ بالله فى كل هجمة مضادة، وهو ما يترتب عليه مستقبلا أن يتحول التديين إلى منظومة فى الفريق بأكمله -وهو ما قد حدث بالفعل- ومن ثم يتم استبعاد تلقائى لغير المسلمين.

وأشار "منير" إلى تصريحات حسن شحاتة المدير الفنى لمصر بأن من معايير اختياره لأى لاعب هو "الأخلاق والتدين"، وهو أيضا بدوره يؤدى إلى استبعاد غير المسلمين، والدليل على ذلك أنه من بين 400 لاعبا مقيدين فى سجلات الدورى الممتاز لموسم 2009-2010 لا يوجد إلا لاعبين اثنين من الأقباط، وهو ما يؤكد الوضع التمييزى فى كرة القدم، والألعاب الأخرى، خاصة الفردية مثل رفع الأثقال والجودو وألعاب القوى.

ويسرد مؤلف الكتاب بعض المشاركات التاريخية للرياضيين الأقباط، مثل مشاركة الملاكم "ميشيل جورجى" فى أوليمبياد باريس 1924، و"فلييب نصيف" فى رفع الأثقال، و"جاك فهيم " فى السباحة بأوليمبياد لندن 1948، و"جرجس بخيت" فى دفع الجُلة لمنافسات ألعاب القوى فى "برلين" 1936.

وفيما يخص كرة القدم، فقد أوضح الكاتب أن الأقباط يخيب أملهم دائمًا فى وجود لاعب قبطى، مشيرًا إلى تصريحات "حسن شحاتة" المدرب الأسبق للمنتخب المصري بشأن معايير اختياره للاعبيبن لضمهم للمنتخب.

وأوضح الكاتب أن من مظاهر "تديين" كرة القدم فى المنتخب، اصطحاب "حسن شحاتة" لـ "رجل دين" في بعثات المنتخب الخارجية!، وتعليماته بالمواظبة على قراءة القرآن، ومتابعته لتأدية اللاعبين للصلوات.

 

منظمة قبطية تقدم شكوى للفيفا واللجنة الأولمبية

ونظرا للتمييز الذي يتعرض له اللاعبين الأقباط، فقد قدمت منظمة التضامن القبطي(كوبتك سوليدرتى) بشكوى رسمية للفيفا وللجنة الأولمبية الدولية بشأن التمييز الرياضى الواسع ضد الأقباط فى مصر. فضمن ١٢٢ لاعب يشاركون فى الألعاب الأولمبية لعام ٢٠١٦ فى ريو دى جنيرو لا يوجد قبطى واحد، وضمن ١٨ فريق لكرة القدم فى الدورى الممتاز يضمون ٥٤٠ لاعب حاليًا لا يوجد إلأ قبطى واحد، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود لم يشترك فى لعبة كرة القدم سوى ٦ أقباط فقط، وتعرض بعضهم لضغوط ومضايقات كثيرة.

وقالت المنظمة إن العنصرية الرياضية متغلغلة فى الثقافة الرياضية فى مصر، وحيث أن قانون الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية يمنعان التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، فقد طالبت منظمة التضامن القبطي بإرسال لجان تحقيق للوقوف على مدى تغلغل التمييز الرياضى ضد الأقباط فى مصر.

 

دوري الكنائس المصرية

بدورها حاولت الكنيسة ممثلةً في أسقفية الشباب أن تملأ الفراغ وأن تجد حلا -وإن كان دورُها غيرَ كافٍ ومؤقتًا.. حيث يجد الشبان المسيحيون الموهوبون، الذين لا يريدون التوقف عن ممارسة كرة القدم، ضالتهم في الكنيسة حيث تقوم "اللجان الرياضية" بـ "مهرجان الكرازة" ومهرجان "الأسرات الجامعية" بتنظيم مسابقات وأنشطة لهم، لكي تعوض هذا الدور من جهة، وتكتشف المواهب الكروية بينهم.  يضاف إلى ذلك دورات رياضية يتم تنظيمها فى بعض الأبروشيات، وخلال السنوات القليلة الماضية قامت أغلب الكنائس بإنشاء ملاعبَ ونوادٍ، أشهرهم ملعب الأنبا رويس والذي يقع داخل نطاق الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

ورغم أن هذه الملاعب أصبحت قِبلةً للشباب ومُتَنَفَّسًا لهم بكافة مراحلهم العمرية، إلا أن الحل الدائم والأمثل لمثل هذه المُعضلة وغيرها من الإشكاليات، يتمثل في تفعيل المادة (53) من الدستور المصري التي تنص على"تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض"

وإلى الآن لم يتم تشريع قانون لإنشاء هذه المفوضية التي يُلزم بهذا الدستور الدولة! وهي كفيلة بإنهاء مظاهر التمييز الديني ضد الأقباط إذا ما صدر بها قانون، يُغلِّظُ العقوبات على كل مَن تثبُتْ إدانتهم في كل المجالات بما فيها المجال الرياضي والكروي، بهذا فقط يمكن استئصال التمييز الديني من جذوره.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل موقع "اليوم الثالث"