أتت زيارة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" إلى مصر في الفترة من 4 إلى 6 آذار كأول زيارة خارجية له كوليٍّ للعهد لتحمل الكثير من الرسائل والدلائل، ومنها رسائل للوهابيين المتشددين في مصر والسعودية. إذ لا يُخفى على أحد تأثر المذهب السني في مصر بالمذهب الوهابي، ما يطرح أسئلة حول جذرية التوجهات الإصلاحية في جُعبة "بن سلمان".

من هنا أهمية فهم حركة محمد بن سلمان ومراقبة مسار الآليات الإصلاحية التي ينتهجها، وما إذى كانت ستصل إلى الخواتيم المنشودة. ومما يعزز رؤيتنا أن ولي العهد السعودي اهتم بزيارة بعض الأماكن التي تحمل إشارات ومضامين خاصة مثل زيارته "دار الأوبرا المصرية"، وكذلك زيارته "كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس" ولقاؤه بالبابا تواضروس الثاني.

 

فتحي: تغير متدرج لتفادي إثارة التشدد الوهابي

القس رفعت فتحي أمين سنودس النيل الإنجيلي وأمين مجلس كنائس مصر يرى في حديثه ل"اليوم الثالث" أن زيارة ولي العهد التاريخية للكنيسة لها معانٍ كثيرةٌ باعتباره أول حاكم سعودي بهذا المستوى منذ تأسيس الدولة السعودية في العام 1932 م يزور المقر البابوي، وأن استقبال البابا له وترحيبه به يؤكدان أن الكنيسة المصرية مستعدة للحوار مع أي جهة أو طرف إقليمي من أجل إرساء قيم السلام والتعايش المشترك، وإيجاد حلول جذرية وكاملة للمشاكل التي تُعاني منها منطقتنا العربية، وعلى رأسها مشكلة الإرهاب والأفكار المتطرفة.

وحول إمكانية إنشاء كنيسة مصرية في السعودية للعاملين المصريين المسيحيين بالمملكة، أشار فتحي إلى أنه يتمنى حدوث ذلك بالطبع، ولكنه استدرك قائلاً إنها خطوة "متقدمة" وقد تكون سابقة لأوانها. وأضاف أنَّ هذا الموضوع ليس بيد القيادات وحدها فلا يمكن تجاوز الشارع السعودي المشبع بالأفكار المتطرفة، ولذلك ليس سهلاً عليه تقبّل هذا الأمر هكذا ببساطة. ويُشير القس رفعت إلى أن "التغيير المتدرج" قد يكون مناسبًا لبيئة المجتمع السعودي الحاضنة للتزمت، وفي بعض الأحيان يكون من الحكمة أن يكون الإصلاح بأسلوبٍ هاديءٍ حتى لا تأتي بتأثيرات عكسية فيستغلها المتربصون من أصحاب العقول المنغلقة في تهييج الشارع المُثار أصلاً.

 

شفيق: مصر تنقذ السعودية ثقافياً؟

ومن جانبه يرى الباحث والصحفي سليمان شفيق في حديثه لـ "اليوم الثالث" أن "المتغير الرئيسي" لزيارة ولي العهد التي تختلف عن سابقاتها من الزيارات، ليس ذا طابعٍ سياسيٍّ، فكثيرًا ما تكررت هذه الزيارات التقليدية وفي ظل أجواء سياسية أكثر سخونة، ولكن "البُعد الثقافي/الديني" الذي كان حاضرًا بقوة في الزيارة هو الأهم.

ويظهر هذا البُعد أولاً في زيارته لكاتدرائية الأقباط ولقاءه بابا أكبر كنيسة في الشرق الأوسط من حيث عدد أعضائها، ويعتبر أنها ستشكل "حجر الزاوية" لنقلة حضارية/فكرية جديدة للمنطقة سيمتد تأثيرها لآجيالٍ، وستؤثر تأثيرًا بالغًا على أصحاب الفكر الوهابي في مصر والسعودية على السواء، إذ يعتبر "شفيق" أنها ستحد من سطوة التيار الوهابي في مصر، قائلاً: "هذا الرسالة بالنسبة لنا كمصريين وكأقباط على وجه الخصوص تمثل لنا نقلة نوعية فكرية نحب أن نهديها إلى قادة الفكر الوهابي في مصر الذين أفتوا بعدم جواز تهنئة الأقباط بأعيادهم"!

ويختلف "شفيق" مع طرح القس رفعت فكري بشأن الإصلاح المتدرج واعتبار أن إنشاء كنيسة قبطية في السعودية هو خطوة "تقدمية" لم يأتِ أوانها بعد، حيث يرى "شفيق" أن الأمر برمته "بيد الأمير" -حسبما قال- خاصةً أنه كان قد اتخذ عدة قرارات شجاعة في فترة زمنية قصيرة، ولم يأبه لردود أفعال المتشددين دينيًا داخل المملكة.

أما الخطوة الثانية بحسب شفيق فتمثلت في زيارة سلمان لدار الأوبرا المصرية في إشارة إلى أهمية الموروث الثقافي المصري، وتطلع السعودية إلى استلهام تجربة مثل هذه على الأراضي السعودية -وهو ما كان قد أثاره " أحمد الخطيب " رئيس هيئة الترفيه السعودية- وكأن السعودية تبحث عن "حليف ثقافي" تستند عليه في تغيير الداخل السعودي أولاً ومن ثَمَّ تغيير المنطقة بالكامل.

وفي هذا السياق يدعو "شفيق" المؤسسات الثقافية المصرية وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية أن تُفعّل "بروتوكولات تعاون" مع بعض الجهات السعودية المَعنية مثل "هيئة الترفيه"، من أجل تقديم عروض فنية وموسيقية في السعودية، خاصةً أن وزيرة الثقافة الحالية د. إيناس عبد الدايم" كانت ترأس دار الأوبرا قبل توليها حقيبة الثقافة.

 

حليم: الزيارة تضرب التطرف

ومن جانبه وصف القس بولس حليم، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الزيارة بأنها "تهز أساسات التطرف" في المنطقة، وقال إنها لها تأثيرٌ كبيرٌ بالشارع المصري والعربي، لأنها تدعم الجانب المعتدل في مقابل التطرف وتحمل رسالة تعاون وتعزيز شراكة ومحبة.

وقال إن "الانفتاح الذي تقوده السعودية سيؤثر في الشارع المصري"، وأشار إلى أن كلمة ولي العهد عن الأقباط والكنيسة المصرية هي "رسالة قوية جدا في نشر الخطاب التنويري والوسطي". وأشار "حليم" إلى ترحيب سلمان بزيارة القادة الدينيين للسعودية، مستطردًا أن "الأنبا مرقس" أسقف شبرا الخيمة كان قد زار السعودية في وقتٍ سابقٍ. 

إذا كان "بن سلمان" قد قال في حديثٍ له مع بعض الإعلاميين والكتاب المصريين على هامش زيارته للقاهرة، إن الجناح الذي ينتهج التطرف في السعودية قد انخفضت نسبته إلى أقل من 10 بالمائة بعد أن كانت نسبته أكثر من 60 بالمائة، فإننا من جانبنا نأمل في ضوء قراءة لوقائع ومتغيرات جيوسياسية أن تكون هذه الزيارة وما تلاها من زيارات وبيانات وردود أفعال ستكون منطلقاً لتغيير في خريطة المنطقة ثقافيًا وجيواستراتيجيا في اتجاه السلام والبناء والتسامح.

  • ناشط حقوقي مصر يراسل "اليوم الثالث"