من تدمير البشر الى تدمير الحجر تغير الزمن ولكن بقيت الثقافة والوجه، التاريخ يكرر نفسه ولا فرق كبيراً بين السلاجقة وبين العثمانيين، فما يجمعهم هو ذلك الكره المتأصل للعرب عموماً وللمسيحيين خصوصا ولجميع الشعوب التي كان لها بصمات حضارية عبر التاريخ، اياديهم ملوثة بدماء الأبرياء من مذابح سيفو اي السيف باللغة السريانية، مرورا بسفربرلك ومذابح الأرمن والاشوريين والسريان وصولا الى عفرين اليوم. في الظاهر تبدو هجماتهم وكأنها معارك للقضاء على الإرهابيين، وفي العمق هي معارك تطهير عرقي اعتاد العثمانيون عليها منذ ازمان غابرة ضد الاقليات العرقية في المنطقة.

والآن تطل ثقافة العثمانيون الإجرامية علينا من جديد بتدمير اكبر كنيسه اثرية مسجلة في اليونيسكو عندما قامت قوات الاحتلال التركي الغازية في سورية بقصف جويّ استهدف موقع براد الأثري شمالي غربي حلب جنوبي عفرين، وهذا الموقع مسجل على لائحة موقع التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو). وأدى القصف الذي تعرض له موقع براد أدى إلى تضرر الكثير من المباني الأثرية المهمة في المنطقة ومن ضمنها ضريح القديس مار مارون ابو الموارنة وكنيسة جوليانوس التي تضم ضريح القديس مارون، والتي تعدّ من أقدم الكنائس المسيحية في العالم.

 

الإستهداف الممنهج

لم يكن القصف عن طريق الخطأ كما يدّعون ولكنه كان تدميراً ممنهجاً عن سابق إصرار، وهي عملية تهدف القضاء على التراث والتاريخ السوري عامة وتدمير الآثار المسيحية بشكل خاص كما كانوا يفعلون في السابق. وحتى المغول عبر تاريخهم الدموي لم يرتكبوا الفظائع التي ارتكبها العثمانيون ولا يزالون حتى اليوم يمارسون ذلك ويدعمون الحركات المتطرفة. لكن المثير للدهشة حقيقة هو هذا الصمت الدولي على مجازره، فليس هناك حتى مجرد إستنكار لتلك الفظائع بل صمت القبور من جهات رسمية ودينية!

إن هذا الصمت على الهجمات البربرية ضد الكنائس الاثرية في عفرين هو عار كبير على المجتمع الدولي، فالقوى الدولية التي صمتت عن هذه الهجمات هي المسؤولة وبالتالي يتم إعتبارها وكأنها شاركت في وضع الأساس للمذابح التي حصلت وتحصل على ما يبدو بمباركة إقليمية دولية الهدف منها تدمير ما تبقى من إرث وحضارة مسيحيين في بلاد الشام.

 

خطط تركيا للمسيحيين

أود أن أذكر أن المسيحيين انفسهم في تركيا يعانون من التهمش الديني والعرقي على الرغم من إدعاء حكومة انقرة بأنها علمانية. ولكن التحول إلى مذهب آخر يعتبر خيانةً للتراث والوطن كما ان الاضطهاد الناشئ عن هذا المنظور أعاق نمو الكنيسة وشل المجتمع المسيحي. وبالإضافة الى ذلك تم في الفترة السابقه نقل ملكية العشرات من الكنائس والأديرة والمقابر التابعة للكنيسة الأرثوذكسية منذ اكثر من 1500 عام إلى مديرية الشؤون الدينية التركية، ومن ثم تم تحويلها إلى منشآت عامة أو مساجد أو مراكز إسلامية. كما تم ضم العقارات السريانية المسيحية التي تبلغ مساحتها مئات الآلاف من الأمتار المربعة الى المديرية نفسها.

 

إن الهجوم الإجرامي على كنائس المسيحيين في عفرين ليس امراً جديداً. فالمشاحنات الإقليمية بين تركيا وجيرانها من الدول المسيحية هي امور طبيعية في النهج العثماني، لأن لديهم قدر كبير من الكراهية تجاه المسيحيين منذ أطاحوا بالإمبراطورية البيزنطية وبنوا دولتهم على أطلالها، بعدما ساعدهم سرعتهم في القتال والنهب والإجرام بالإضافة الى مهارتهم في تجارة الرقيق وتهجير الشعوب، كما دفعت عقيدة الجهاد بهؤلاء الأتراك للذهاب في حملات عسكرية ضد المسيحيين وإخضاعهم في كافة مناطق الشرق الأوسط وأوروبا. كما استفاد الأتراك العثمانيون من قادة غير عاديين وعسكريين عديمي الرحمة، واستغلوا نقاط ضعف المسيحيين لإخضاع كل آسيا الصغرى بما في ذلك الإبادة الجماعية للأرمن الذين حاولوا الصمود أمام الهجوم العثماني الشرس، على الرغم من أنهم كانوا في تلك الفترة جزء من الإمبراطورية العثمانية ولكنهم حافظوا على ثقافتهم ولغتهم ودينهم المسيحي إلى أن تآمر عليهم الأتراك وقرروا القضاء عليهم نهائياً.

 

وتستمر المجازر الى يومنا هذا بمباركة دولية وصمت رهيب تجاه هذا التدمير الممنهج لهذا التراث المشرقي المسيحي العظيم، حضارة عمرها آلاف السنين دمرت بدم بارد امام أنظار وعدسات الاعلام في تحدٍ صارخ وسافل لهذا المجتمع الدولي ضاربة بعرض الحائط جميع المواثيق الانسانية والدولية. وطبعا الهدف لا يخفى على احد وهو محو اثار الهوية السورية (المسيحية) لان هذا الصرح الديني هو الأقدم في المنطقة والعالم ويعتبر المحج الاول لابناء الطائفة المارونية.

  • أستاذ جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة