مما لا شك فيه أنَّ منطقة الشرق الأوسط سوف تبقى مسرحاً للنزاعات الكبرى وذلك لعقودٍ طويلة وقد تداخلت عوامل كثيرة لتأجيج هذا الصراع وخاصة في الساحة السورية.

 

الحروب الدولية والإقليمية على سوريا

البعض يحاول عن قصد ان يتغاضى عن العامل المذهبي، لكنه برأيي عامل اساسي حاولت جهات عديدة استغلاله للوصول الى غايات قد يبدو اهمها سيناريو التقسيم. فعندما يكون النزاع في ظاهره محصورا بين محورين اقليميين (شيعي، سني سلفي) وفي باطنه يحمل الكثير من العناصر التي دخلت على هذا الخط والتي لا يمكن إغفالها لأنها اججت ساحة الحرب في المنطقة، تكون المعضلة أكبر بكثير مما نتصور. وهناك ايضا العامل الكردي الذي حاول البعض تسخيره وتوظيفه لخدمة تجاذبات اقليمية اهمها تقسيم الأوطان تحت مسميات اقليات عرقية مذهبية واثنية... أضِف الى ذلك دخول قوى عظمى في الصراع وفي طليعتهما الولايات المتحدة وروسيا فأصبحت الحرب بالوكالة مما أدى الى زيادة تأجيجها في هذه المنطقة.

إنَّها منظومه مترابطة لنزاعات وحروب اقليمية ودولية، في ظاهرها عنوان مشترك هو الطائفية والمذهبية وفي باطنها نفوذ وهيمنة تتعديان الساحة السورية إلى العديد من الدول العربية الأخرى، وهذا هو العنوان الكبير للفوضى المدمِّرة وليست الخلاقة.

 

سوريا كقوة تقع في الوسط أو في قلب المشرق وهي نقطة التوازن وهنا اقتبس قولاً لديغول :"ان جغرافية اي دولة تحدد سياستها"، اذاً العامل الجيوسياسي للحرب السورية هو اولوية. فمن جهة هناك تركيا (العثمانيون الجدد) ومن جهة اخرى هناك اسرائيل، فالحرب اليوم في سوريا لا تنحصر بالحرب ضد داعش او الحرب على الإرهاب نظراً لسياسات المحاور المفتوحة والمعارك المفتوح. وطبعا تلاعبت تركيا بالملف التكفيري لخدمة اهدافها وزيادة نفوذها في المنطقة، وكذلك فعلت إسرائيل وبعض الدول العربية التي حذت حذوها فتداعى الجهاديون من بقاع الأرض للقتال في سوريا وتحريرها من "الكفار" واقامة الخلافة الإسلامية، وهذا بالتالي ما دفع روسيا للدخول في هذا الصراع لان واجهة الخطر الأصولية تبدا من شرق البحر الأبيض المتوسط.

 

الإستغلال الخارجي للصراع المذهبي

فاقمت الحرب الشرخ المذهبي الطائفي فاصبح العداء هو القاسم المشترك بين ابناء البلد الواحد، ولعل السوريون يحتاجون الى سنوات وسنوات للعودة الى مظلة التعايش المشترك بعد ان تضع الحرب اوزارها. لم يكن الصراع منذ البداية مجرد صراع عادي على السلطة او ضد المنظومة الحاكمة، فحتى لو تغيرت صيغة الحكم سوف تستمر النزاعات بل سوف تتفاقم، كما حدث في بقية الدول التي إجتاحتها رياح الفوضى والخراب والدمار، واليوم في ظل غياب حوارٍ وطنيٍ جامع وتحديد لسقف مواطنة صحيحة، لا نستطيع تجاوز خطر الصراع المذهبي الطائفي لانه سيبقى ورقة ضغط بيد العديد من الجهات العربية والإقليمية وهذه هي تركيبة الإعجاز والتعجيز في الحرب السورية كما أسميها. ففي وجود ملفات جيوستراتيجية واطماع لا حدود لها فإنَّ آخر ما يمكن التعويل عليه هو صفة الوعي الجمعي الذي اصبح المفقود الوحيد في هذه الحرب العبثية.

 

هواجس المستقبل

إن الشحن الطائفي الذي مارسته جهات عدة فرض نفسه على منظومة التعايش في مناطق عديدة داخل سورية وذلك لان اي خلل يصيب الفسيسفاء السورية سوف تكون له تداعيات خطيرة حتى في طبيعة التوازن الديموغرافي وتماسك النسيج الإجتماعي.

وأخلص الى سؤال مهم يطرح نفسه بقوة على الأرض: هل لا زال التعايش ممكناً بين ابناء البلد الواحد؟ وفي حال إستمرت الحرب في ظل صراع طائفي/مذهبي اي مجتمع سوري سوف يكون عليه في السنوات القادمة/ وخصوصا في ظل غياب ثقافة التسامح وانعدام الثقة المتبادلة بين السوريين انفسهم؟!

في هكذا نوع من الحروب فإنَّ التقليص من حجم المأساة هو مأساة بعينها. اليوم يتواجه القطبان على الأرض السورية بما هو ابعد بكثير من الحرب الباردة ولا شك في أن الصندوق (باندورا) الأسود تجاوز الملاحم الإغريقية، واصبحنا بحاجة الى نمط من التفكير مختلف لم نعتده من قبل للخروج من هذا المأزق التاريخي.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة