جاءت الضربات العسكرية الغربية لمواقع في العمق السوري، بمزاعمَ استخدام النظام السوري لغاز الأعصاب المُجرّم دوليا، ليعكسَ حالة السيولة السياسية الدولية تجاه سوريا.

فبين من أيّد على طول الخط، ومن استنكر وشجَبَ، مساحاتٌ كبيرة من التخبط، ومن ضبابية المواقف، ومن المصالح الخاصة التي تتقاطع مع المصالح السورية الخالصة، والتي يدفع ثمنها المواطن السوري وحده. ونحاول في هذا المقال أن نرصدَ آراء الكنائس المصرية، وبعض النخب القبطية والمصرية إزاء المشهد السوري المتأزم.

 

الكنيسة القبطية تدين الضربات بشدة وتصلي من أجل سوريا

أدانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الهجمات الأمريكية والبريطانية والفرنسية على سوريا، صباح السبت 14نيسان 2018. وقالت الكنيسة في بيانٍ رسميٍ لها على لسان المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القس "بولس حليم": "تدين الكنيسة القبطية المصرية الأرثوذكسية كافة الأعمال التي تسهم في تمزيق النسيج الحياتي للشعب السوري الشقيق".

ودعت الكنيسة في بيانها "كافة الأطراف المتداخلة في المشهد السوري، إلى السعي الجاد نحو صياغة حل يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن سوريا، بحيث يحفظ كرامتها، ويحول دون تفكك مؤسسات دولتها الوطنية، ويحمي الشعب السوري الشقيق من كافة الضربات الصاروخية والتدميرية الشاملة التي تنتهك حياته اليومية وتحرمه من الحق الإنساني الأول وهو الحق في الحياة".

 

تدخل سافر ومتسرع

الأب "رفيق جريش"، المتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية فى مصر، بدأ حديثه لـ "اليوم الثالث" بالتأكيد أن "مجلس البطاركة" في سوريا قد أصدر بيانا يدين بوضوح وبشكلٍ قاطعٍ الضربات الغربية ضد سوريا، وذلك بإجماع بطاركة كنائس "السريان الأرثوذوكس"، و"الروم الأرثوذوكس"، و"السريان الكاثوليك". وأضاف أن رغم أن الموقف الرسمي للحكومة المصرية لم يكن حاسمًا أو منحازًا لتوجهٍ معيّنٍ، كما أنه لم يكن ثَمَّةُ إجماعٍ دوليٍّ، فإنه كمتحدثٍ رسميٍّ باسم الكنيسة الكاثوليكية في مصر يرفض هذا التدخل العسكري السافر، خاصةً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الوسائل السياسية والدبلوماسية السلمية لم تكن قد اُستنفذت بعد، فهناك إذًا تسرع في استخدام الحل العسكري.

وبسؤاله عن رأيه في دور "الجامعة العربية" في حل النزاع السوري، قال: إن جامعة الدول العربية "شبه مشلولة" كما أن هناك حالة من الإنقسام بين الدول الأعضاء، وبالتالي أرى أنه ينبغي أن لا نُعوِّلَ عليها كثيرًا.

 

هزيمة الإيديولوجية الإرهابية ستستغرق زمنًا طويلاً

فيما علَّقَ الدكتور "وليم ويصا"، الكاتب الصحفى المقيم فى باريس حول القصف الأخير في سوريا: لولا مساندة روسيا لنظام الأسد لكانت داعش تحكم دمشق. وإن كان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وبعض الدول الإسلامية قد استطاع هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكريا، إلا أن هزيمة الأيديولوجية الإرهابية ستستغرق زمنًا طويلاً.

وأضاف ويصا: إنْ صحّتْ التقارير الصحفية عن استخدام نظام الأسد غاز "السارين" المُحَرَّم دوليا باعتباره من الأسلحة الكيماوية، فهو أمر مرفوض حتى لو اُستخدِمَ ضد الإرهابيين الذين يأخذون المدنيين كدروعٍ بشريةٍ، لأنه يتسبب في وقوع عشرات الضحايا من المدنيين.

 

قمة الظهران.. قمة المتناقضات

الأستاذ "كمال زاخر"، المفكر القبطي، أثنى في حديثه لـ "اليوم الثالث" بالثناء على بيان المتحدث الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، لأن عبارات الإدانة فيه تُغَلِّب البُعد الإنساني على أي اعتبارات آخرى، وهو الدور المَنوط بها القيام به على أية حالٍ.

أما عن رؤيته للضربة العسكرية الثلاثية وللأزمة السورية عمومًا، فقال إن أكثر ما يؤلمه هو المواطن السوري" الذي لا ناقةَ له ولا جمل في الصراع المتأزم على الأرض السورية، حيث أن سوريا للأسف الشديد أصبحت مسرحًا لتوازنات القوى في المنطقة، التي تتدخل في الشأن السوري حمايةً لمصالحها الخاصة، فهي ترى أن وجودها في العمق السوري يعزز من نفوذها الإقليمي، كما ويحميها من توترات أقلياتها مثل قضية الأكراد على سبيل المثال التي تُمثلُّ صداعًا لتركيا وإيران.

ويرى "زاخر" أن "قمة الظهران" وهي القمة 29 لجامعة الدول العربية، لم تقدم أو تؤخر في حل الصراع السوري، مضيفاٌ: لنا في الخبرة التاريخية لآليات تنفيذ توصيات القمم العربية السابقة -التي تبقى دائما حبرًا على ورق- خيرُ مثالٍ، للتدليل على توقعنا السلبي لقرارات القمة. كما أنه -والكلام لازال على لسان "زاخر"- يمكننا تسمية تلك القمة بـ "قمة المتناقضات" حيث يوجد ثلاثة قطاعات للرأي للدول الأعضاء:

  • بعض الدول تؤيد دون تحفظ للضربات العسكرية، على رأسها السعودية، وهي بذلك تحاول أن تحجّم الدور الإيراني في سوريا، وتخفف من وطأة الصراع مع الحوثيين (المدعومين من إيران) في اليمن.
  • دول آخرى أعربت عن رفضها للتدخل مثل مصر. وهذا ظهر بوضوح في كلمة الرئيس السيسي في كلمته.
  • أما القطاع الأكبر فهو لدول مترددة، وهي في الأغلب (تابعة) ليس لها رؤية خاصة بها، ولكنها توجّه بوصلتها صوب مصالحها الخاصة.

 

الضربات الأمريكية لن تغير المعادلة السورية

ومن جانبه أشار الدكتور "عمرو الشوبكي"، نائب رئيس "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" إلى أن غارات التحالف الغربي على مواقع عسكرية سورية لم تُسفر عن أي تغيير فى المعادلة السياسية، فلم تُوقِف الحرب ولم تُسقِط بشار أو تَهزمه، إنما هى ضربات تحمل رسالة "نحن هنا"، فمازال المنتصر والمسيطر هو النظام وحلفاؤه من الروس والإيرانيين.

وأكمل: أستبعد قيام "بشار" باستخدام أي غازات كيميائية بعد أن حقق انتصارات مؤخرًا بمساعدة الروس والإيرانيين، على المجموعات المعارضة المسلحة والجماعات الإرهابية. كما أن اسقاط النظام السوري الحاكم بالقوة المسلحة ليس فى صالح الشعب السورى أساسا، لأن المنتصر وقتها سيكون الإرهاب والفوضى. لقد سقطت معظم قيادات المعارضة السورية فى فخ ما أسماه "عسكرة المعارضة" -بعضها بسوء نية وبعضها الآخر بانعدام وعي. وذكر أن الضربة الغربية على سوريا مرفوضة أخلاقيا وسياسيا ولن تغير فى الواقع السورى، وكل المدافعين عنها أو المبررين لها مشاركون فى نفس جريمة قتل الشعب السورى الصابر والعظيم.

وأكد أن هناك حرب عالمية بـ"الوكالة" تدور رُحاها على الأراضي السورية الحبيبة، فجيش سوريا الحالى ليس الجيش العربي السوري الذى خاض مع الجيش المصرى حرب أكتوبر/تشرين، كما تحولت المعارضة المسلحة إلى أدوات إقليمية فى يد تركيا ودول الخليج حتى غابت كل المعانى التى حركت جانبًا كبيرًا من الشارع السورى حين خرج فى انتفاضة مدنية تطالب بالحرية والكرامة فقُمعت فعُسكرت ثم اِنكسرتْ.

وفي تقديري -والكلام لايزال على لسان الشوبكي- فإن تصوير الواقع فى سوريا على أنه واقعُ نضالٍ ضد التدخلات الخارجية والاستعمار أمرٌ ليست له علاقة بالواقع الحالي، فمعادلة سوريا قائمةٌ بكل أسفٍ على خيار بين السيئ والأسوأ.

ولفت الشوبكي الى ان هذا وضع يجعل أى ترحيب بإسقاط بشار بالقوة المسلحة ليس فقط خيار مراهق منعدم الرؤية، إنما أيضا هو خيار تيار كارهي الشعوب الذين نجد كثيرا منهم فى الحكم وبعضهم أيضا فى المعارضة. وختم الشوبكي بأن الحل فى سوريا هو حلٌّ سياسيٌ، وسيبدأ حين تتوافق القوى الكبرى على الدخول فى "مسار سياسي" يؤدى بطريقٍ ناعمٍ إلى خروج بشار من السلطة وتحضير بديل من "داخل الدولة" السورية يُلملم الجراح التى خلفها نظام بشار والجماعات الإرهابية.

 

ندعو الله أن يُجنّب الشعب السوري ويلات الحروب -التي أغلبها بالوكالة- على أرضه، وأن يكون قد وعيَ الدرس بعد سنواتٍ عجافٍ من الدمار والخراب، ليخرج سريعا من بين مطرقة الاقتتال الطائفي والمذهبي، وسندان الصراع العدمي على السلطة.

ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث