ان اعجوبة فيض النور من القبر المقدس في كنيسة القيامة يوم السبت العظيم تتكرر سنوياً منذ القرن الأول للميلاد وذلك وفق التقويم الفصحي الأرثوذكسي، وسمّي بسبت النور لأن السيد المسيح انار على الشعوب الساكنة في ظلمة الموت والقبور (ان الشعب الجالس في الظلمة ابصر نوراً عظيماً). وبحسب المؤرخين فإن الكتابات الأولى التي تناولت هذه الأعجوبة تعود الى أوائل القرن الميلادي الأول، وقد وثّق القديس يوحنا الدمشقي وغريغوريوس النايصي ذلك. وقد رأى الرسول بطرس النور المقدس في كنيسة القيامة بعد قيامة السيد المسيح بسنة واحدة اي سنة 34 ميلادية، هو السبت العظيم الذي يسبق عيد القيامة.

وبحسب التقليد المتبع يدخل بطريرك الروم الأرثوذكس في موكب يضم الكهنة والشمامسة على قرع الأجراس ويحمل قندلفت كنيسة القيامة إناء الزيت الذي يبقى مشتعلاً كل ايام السنة ما عدا يوم سبت النور ليستضيء تلقائيا من النور المقدس المنبثق من القبر. ويجلس البطريرك على الكرسي البطريركي، ويتناوب ممثلو الكنائس الشرقية وسواهم على طلب البركة منه ومن ثم يبدأ التطواف على ثلاث مراحل حول القبر المقدّس ومن ثم يقف البطريرك امام القبر المقدس بحضور هيئات رسميّة وعند انتهاء مراسم الطواف تُنزع الأختام عن القبر المُقدّس ويقوم البطريرك بنزع ملابسه الأسقفية بإستثناء قميصه الأبيض الذي يُسمّى بقميص الاستخارة يتقدمه حاكم مدينة القدس ومدير الشرطة، ويفتشونه تفتيشاً دقيقاً قبل دخوله الى القبر المقدس للتأكّد من انه لا يحمل شيئاً ويتم كل ذلك تحت انظار الجماهير المحتشدة . يركع البطريرك داخل القبر ويصلي ويُسمع للحال ازيز بمرافقة شُهب زرقاء فتشتعل في الحال آنية الزيت المطفأة وتشتعل الشموع التي حملها البطريريك وعددها 33 شمعة، لأنها ترمز الى عدد سني السيّد المسيح الأرضيّة وهذا النور لا يكون مًحرقاً في الدقائق الثلاثة والثلاثين الأولى لإنبثاقه. وقد شهدت تاريحياً وعاينت هذه الأعجوبة الرحالة الإسبانية إيتيريا التي زارت الأراضي المُقدّسة سنة 335 ميلادي ونقلت ما جرى حرفيّاً ودونته وكذلك فعل رئيس احد الأديرة في روسيا الذي عاين هذه الأعجوبة بأم العين في القرن الثاني عشر ووصفها وصفاً دقيقاً .

 

تجدر الإشارة الى ان إضاءة السراج والقناديل هي عادة وتقليد موجود حتى يومنا هذا في جميع الأديرة الأرثوذكسية وكذلك الشموع التي تكون حاضرة في جميع الرتب والطقوس الكنسي. واما في يوم سبت النور العظيم فقد جعلنا الله ابناء النو، "انتم نور العالم لا يمكن ان تُخفى مدينة موضوعة على جبل ولا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت ، فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السماوات".

ويتم إرسال شعلة النور المقدس الى جميع الدول الأرثوذكسية عن طريق وفود وهيئات رسمية، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر روسيا وصربيا وقبرص وبلغاريا ورومانيا واوكرانيا وسوريا ولبنان والأردن وارمينيا, ومن الجدير بالذكر ان اعجوبة النور المقدس هي الأطول من حيث الإستمرارية في العالم المسيحي . وكما ذكرت سابقاً ومن خلال شهادات الحجاج فإن هذه النار المقدسة يمكن التبارك بها بتمريرها على الوجه والشعر في الدقائق الثلاثة والثلاثين لإنبثاقها .

 

خلال القرون السابقة حاول عدد كبير من الكهنة الذين لا يتبعون العقيدة الأرثوذكسية الحصول على هذا النور ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل . (كالبرق النازل من السماء تشتعل هذه الشموع تلقائياً وتنبعث شهب زرقاء وبيضاء في كل مكان لتُشعل آنية الزيت المُطفأة) . هذه هي شهادة كل من عاين ورأى وسمع المسيح قام حقاً قام ونحن شهود على ذلك.

  • أستاذة جامعية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"