وجه آخر من وجوه العلمانية يتم التداول به في سوريا، وهو إمكانية اصدار قانون الزواج المدني الاختياري، حيث يأخذ جدلا بين أحقيته أو عدمها، وفي صوابية توقيته. فهل يكون مساحة متجددة فكرية للنقاش والحوار في مفهوم الدولة والعلمانية أم يصبح مجرد حالة متداولة مؤقتة على مواقع العالم الافتراضي؟

 

من أين البداية؟

انقسمت الآراء حول الخطوات القانونية الأولى من أين تبدأ، وخاصة أن الدستور السوري ينص على أن الشريعة الاسلامية والفقه هما أحد المصادر الرئيسية في التشريع. وتوضح المحامية لمى قباني لموقع "اليوم الثالث"، وهي أحد المشاركين في وضع مسودة مشروع قانون الزواج المدني الاختياري، بأن البداية تكون من الدستور كونه هو الاساس. وتقول إن "الدستور يشير إلى أن الفقه الاسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع وهو ليس المصدر الرئيسي، أي انه لا يشكل المصدر الوحيد، والتشريع مرتبط بالسلطة التشريعية الممثلة بمجلس الشعب السوري، حيث يتم تقديم مشاريع القوانين واصدارها ومع موافقة رئيس الجمهورية، فالدين والشريعة الاسلامية ليسا المصدر الوحيد، فالقوانين تتغير وليست جامدة".

ضمن هذا السياق، تشير قباني إلى أن مراحل العمل على القانون تنقسم إلى جزئين: المرحلة الاولى، مستوى قانوني بدراسة دقيقة وشاملة حتى لا يتعارض مع القوانين السورية الأخرى، والاستفادة من تجارب الدول التي تطبق مثل هذا القانون. وتضيف "أن مسودة مشروع قانون الزواج المدني يتم طرحها مع عدد من اعضاء مجلس الشعب، لأن هذا المشروع هو مطلب جزء من الشعب والقناة الاساسية للتعبير عن هذا المطلب هي المجلس، حيث تقدم مسودة المشروع إلى اللجنة القانونية لتدرسه، وسوف يتم التعديل والنقاش حوله، وبعدما يتم الاطلاع عليه، إما يتم إقراره أو عدم الموافقة عليه ".

أما عن المرحلة الثانية، فهي من الناحية الاجتماعية. وتشدد قباني على ضرورة "تهيئة المجتمع لاستقبال القانون وخاصة أن هناك لغط وتفسيرات خاطئة عن مفهوم الزواج المدني"، ذلك أن "إحدى التفسيرات بحاجة إلى توضيح، وهي أنه قانون اختياري وليس اجبارياً أي أن الشخص يمكنه اختيار إما الزواج الديني أو المدني، فكل شخص حر في الطريق الذي يختاره ولا يجب أن نمنعه من اختيار طريق نحن لا نعتقد به".

 

اصلاح قانون الاحوال الشخصية

يحكم قانونياً العلاقات الاسرية قانون الاحوال الشخصية، والذي يشكل مادة دسمة لنشطاء وحقوقيين للدفع في تطويره واصلاحه. وفي لمحة عن مصادر قانون الاحوال الشخصية، لتعطي صورة واضحة عن سبب المطالبة بتعديله، تقول المحامية قباني "أخذ القانون من مجموعة من القوانين، منها قانون العائلة العثماني 1917 وقوانين مصرية والاحكام الشرعية لقوانين الاحوال الشخصية التي كتبها قدري باشا، ومشروع احوال شخصية للشيخ علي طنطاوي، وآخر تعديل على قانون الاحوال الشخصية كان سنة 1953، ما يعطي تفسيراً إلى جمود هذه القوانين وعدم تطويرها بشكل مستمر بما يتلائم مع الواقع، بسبب عدم تطوير مواده القانونية". ومن القوانين التي يجب إعادة النظر فيها بحسب المحامية قباني، أن "الزواج المدني لا يشترط موافقة ولي أمر الفتاة، بينما في القانون الحالي يشترط موافقة ولي أمر الفتاة ولا يشترط موافقة ولي أمر الشاب، وفي حالة الاغتصاب ينسب الولد إلى المرأة ويكون المعيار هو نسب الولد إلى الفراش اي إلى المرأة، والرجل بحالة الاغتصاب او الزنا ليس عليه اي مسؤولية، أي ان هناك عدم مساواة في الحقوق بين الجنسين". وتضيف أن "أهلية الزواج للشاب 18 سنة والفتاة 17 سنة، ولكن في المادة 18 من قانون الاحوال الشخصية، اذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله 15 سنة والفتاة بعد اكمالها 13 سنة، يمكن ان يأذن لهما القاضي إن تبين صدق دعواهما وأهلية جسميهما، فالمعيار هو معيار جنسي فقط، وقد سجل خلال الحرب حالات زواج مبكر بنسب عالية، فخلال العام الماضي 60 % من حالات الزواج كانت زواجاً مبكراً، وهو ما يعطي مؤشرات خطيرة حول بنية الاسرة والعائلة". كما تشير إلى مراعاة الاحاطة بكافة المواد، من زواج وطلاق وميراث وحضانة وغيرها، هو ما يسعى من يعمل على إعداد مشروع القانون الزواج المدني، على التأكد من تمكينه بشكل يضمن حقوق وواجبات الجميع.

 

القانون جزء من مشروع علماني أوسع

يعتبر الناشطون الداعين إلى العلمانية أن الزواج المدني هو جزء من فكرة الدولة المدنية، أي المساواة بين جميع فئات المجتمع، وهو ما يتم ترسيخه في القوانين والتشريعات لضمان استمرارية الاسرة التي منها يبدأ بناء الدولة والمجتمع العلماني.

يعتبر كابي طعمة، أحد منسقي حملة مشروع الزواج المدني الاختياري، أن نشر الوعي حول الزواج المدني يساهم في محاربة الطائفية والتقارب الاجتماعي والعائلي، وهذا الوعي يرتبط بضرورة توضيح مفاهيم هذا الزواج نتيجة الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي يتم تداولها عن طريق حملات تشويه منظمة. ويوضح أن "بعض المؤسسات الدينية لعبتْ دوراً في التطرف الذي ظهر خلال السنوات الماضية، ولكن بدأت تظهر حركات إصلاحية تدعو إلى الحوار والوسطية. كما تساهم المؤسسة التربوية في موضوع التطرف كونها تعمل على زرع فكرة الاختلاف في الطفل منذ عامه السادس، فتترسخ الانتماءات الدينية أولا قبل أي انتماء، كما أن الطفل يكون رهن الخطاب الذي يمثله مدرسو مادة التربية الدينية فبعض المتطرفين منهم، يمكنهم إنشاء الاف الاطفال على الفكر المتطرف". ويضيف طعمه: "هناك مؤسسات دينية تعارض الفكرة ونحن ندعوها الى الحوار كون المشروع لا يتعارض مع القيم الدينية والانسانية واهمها المحبة، وهو اختياري فالمحاكم الشرعية والروحية موجودة لمن اراد الزواج من خلالها ".

وعن مسألة مستقبل الطفل لمن أراد اختيار الزواج المدني، يشير طعمة إلى أن "في القانون المدني يتم حفظ حقوق الزوجين وأولادهم إذ لهم قيد ومسجلين بشكل رسمي، وخاصة أن هناك العديد من حالات الزواج المدني تتم خارج سوريا، ويصبح الطفل مكتوم القيد في السجلات الرسمية كون لا اعتراف بهذا الزواج في القانون السوري. ويؤكد أن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق كون الاسرة هي اهم مؤسسة اجتماعية تنطلق منها القيم والمفاهيم، ويساهم في الحد من حالات المساكنة والزواج خارج سوريا ويعطي الحق لكل شاب وفتاة في اختيار شريك حياته، وهناك الكثير يؤمنون بالزواج المدني ولكن يفضلون عدم الإفصاح به خوفاً من المحيط العائلي والاجتماعي". ويوضح أن التواصل يتم مع اعداد من أعضاء مجلس الشعب الداعمين للمشروع، ليتم عبرهم تقديمه إلى المجلس لدراسته وإقراره.

قد يُرفَض المشروع أو يتم قبوله، ولكنه يبقى كما يشير الداعمون له، بأنه البذرة الاولى نحو دولة ومجتمع علماني، فهل تكون هذه "البذور" هي بداية "لقمح" يمكن أن يحصده المجتمع في المستقبل، أم أن "الارض" ليست صالحة حتى الان لمثل هذا النوع من الزرع؟

  • صحافي سوري يراسل "اليوم الثالث"