يقدم أستاذ التأريخ الإقتصادي والإجتماعي في الجامعة اللبنانية الدكتور بطرس لبكي، قراءة معمَّقة في الدور الريادي الذي لعبه المسيحيون المشرقيون على المستويات الفكرية والسياسية والإقتصادية، ينشرها "اليوم الثالث" على حلقات، وهنا الحلقة الأولى.

ثمّة ملاحظتان أوليّتان ضروريتان، يُستَحسَنُ ذكرُهما بغية إنارة بحثنا هذا، وتتعلّقان بالتنظيم الإجتماعي من جهة، ووضع العرب المسيحيين ضمن مجتمعاتهم الشاملة من جهة أُخرى.

 

التنظيم الإجتماعي

فيما يتعلّق بالتنظيم الإجتماعي للعرب المسيحيين وكنائسهم: إنّ كنائس العرب المسيحيين في الشرق هي على شكل طوائف مذهبيّة وبالتالي هي جماعات مرتبطة أساساً بوحدة معتقدات وشعائر دينية. لهذه الطوائف التي تشكّلت عبر التاريخ أجهزتها الدينية الخاصة غير المتساوية البنية والمتنوعة بين طائفة وأخرى. بصرف النظر عن دورها الديني المحض، تلعب هذه الأجهزة أدواراً مختلفة، إذ أنها تتحكّم بالجهاز القضائي للطائفة والذي يُعنى بشؤون الأحوال الشخصية.

وغالباً ما تتحكّم هذه الأجهزة بالشبكات المدرسية والجامعية لهذه الطوائف. كما وتتحكّم أيضاً جزئياً بالعديد من الجمعيّات الإجتماعية والخيريّة، والشبكات الطبيّة، والجمعيات الثقافية، والنوادي، والحركات الشبابية، والجمعيات الدينية. كما أنّ لدى معظم الطوائف ممتلكات تشكّل مصادر دخل لأجهزتها ومؤسساتها. لهذه الطوائف هيئات تمثيلية، ألا وهي "المجالس الطائفية"، وتحظى أحياناً بتمثيلٍ في الهيئات المختلفة للسلطة السياسية والإدارة العامة. تتمتّع غالباً هذه الطوائف بعلاقات مميّزة مع المراكز العالمية أو الإقليمية للعائلات الروحية التي تنتمي إليها. كما وتقيم أحياناً علاقات سياسية عربية ودولية فريدة.

علاوةً على ذلك، يكون للطائفة غالباً مواقف موحّدة نسبيّاً ومحدّدة بشأن المشاكل الأساسية في البلاد. كما وأنها تتّصف أحياناً بخصائصٍ أيديولوجية مهيمنة يتمّ التعبير عنها بطرقٍ مختلفة، لا سيّما جزئيّاً من خلال وسائل إعلام مرتبطة بشكلٍ أو بآخر بتلك الطائفة (صحف، مجلاّت ومحطّات إذاعية).

على المستوى الإجتماعي – الديموغرافي، يتداخل التوزيع الجغرافي للمسكن لأفراد الطائفة الواحدة مع الطوائف الأُخرى، على الرغم من وجود ميل لدى كلّ طائفة الى التمركز الجغرافي للمسكن في المناطق الريفية وخصوصاً في المدن.

على صعيدٍ آخر وبالتوازي مع السمات الثقافية المشتركة بين جميع الطوائف تتميّز كلّ منها بسمات محدّدة. غالباً ما تأتي هذه السمات من الممارسات الدينية وتظهر أحياناً من خلال مجموعة من مظاهر العادات الغذائية، والملابس، واللهجة، وأيضاً من خلال وضع المرأة وبنية الأُسرة، والعادات الأُخرى (الطقوس الدينية، الأعياد الخاصة، إلخ). إنّ النسبة العالية لزواج الأقارب داخل الطائفة الواحدة، وعلى الرغم من تراجعه قليلاً في الآونة الأخيرة، يجعل منها شبكة قرابة.

أمّا فيما يتعلّق بوضعها في المجتمع العام، كانت الطوائف العربية المسيحية في الشرق تخضع، في علاقاتها مع الدول الإسلامية التي تنتمي إليها، لنظام "الذمة" الذي يمثّل عقد حماية وخضوع مكرِّساً عدم المساواة في الحقوق بين المسلمين "وأهل الكتاب" مع الحفاظ مبدئيّاً على معتقدات هؤلاء. كان هذا التفاوت في القوانين يمسّ مجالات مختلفة من الحياة:

  • دفع ضريبة من أجل الإعفاء العسكري
  • حظر حمل السلاح وركوب الخيل في المدن الإسلامية
  • الإلتزام بالسير جهة اليسار عند الإلتقاء بمسلم
  • الإلتزام بالسير في قنوات المياه في المدن عند الإلتقاء بمسلم
  • حظر على بعض الملابس
  • الحدّ من الحقّ في بناء الكنائس
  • عدم إمكانية إشغال بعض المناصب السياسية والإدارية (2)

إستمرّ هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر، مع تمايزٍ كبير وفقاً للفترات الزمنية والمناطق ومختلف الأوضاع السياسية، الديموغرافية، الإقتصادية والدولية.

بعد توضيح هذين الإعتبارين الأوليّين، ننتقل إلى الخلفية التاريخية للدور الإقتصادي والسياسي والإجتماعي للعرب المسيحيين.

 

 الخلفية التاريخية للدور السياسي والإجتماعي والإقتصادي للعرب المسيحيين: الإضطرابات في القرن التاسع عشر:

ثمّة هنا ثلاثة عناصر تبدو أساسية لتحديد الخلفية التاريخية.

 

الجوانب التفاضلية للوضع السياسي والإجتماعي للعرب المسيحيين

جاءت هذه الإختلافات من التنوّع الإجتماعي والبيئي للطوائف المسيحية، التي يمكن أن تظهر على النحو التالي:

  • مجتمعات المزارعين في السهول.
  • مجتمعات الرعاة المزارعين في الجبال.
  • المجتمعات الحَضَريّة التي كانت تتوزع وفقاً لمختلف مستويات الهرمية الإجتماعية والنشاط الإقتصادي: الحرفيّون، والتجار، والمموّلون، والكتبة، والعلماء، ورجال الدين، إلخ.

 

كانت أوضاع مزارعي السهول هي الأسوأ، بينما كانت أوضاع سكان المدن متوسطة ولكن أكثر استقلالية.

كما وكانت المناطق التي تضمّ تجمّعات كبيرة من السكان المسيحيين تنعم أيضاً بمزيدٍ من الإستقلالية.

 

العرب المسيحيون وأصداء الثورة الفرنسية، وصراعات تحرّر الشعوب المسيحية في البلقان، والتوسّع الأوروبي.

إبتداءً من النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، أصبح العرب المسيحيون على علمٍ بالمبادئ المُعلَنة للثورة الفرنسية: الحرية والمساواة والأُخوّة؛ وبنضالات التحرّر اليونانية والبلغارية والصربية والرومانية، إلخ. وكان لهذا تأثير تدريجيّ على مواقفهم وتوقّعاتهم. إنّ التوسع الإقتصادي، العسكري، الثقافي، والسياسي للقوى الأوروبية، وعمل البعثات الدينية قد عزّز هذه التوقّعات.

من جهة أُخرى، إتّجهت الإصلاحات العثمانية المُعلَنة سنة 1839 و 1859 (التنظيمات) نحو المساواة النظريّة لأوضاع الرعايا في الإمبراطوريّة، بغضّ النظر عن انتمائهم القومي والديني، كما أنها اتّجهت نحو ’أَورَبَة‘ المؤسسات الإدارية، والقضائية، والإقتصادية، ولاحقاً السياسية.

إتّجهت جميع هذه التغييرات نحو تحسين وضع المسيحيين في السلطنة العثمانية، بما في ذلك المسيحيين العرب. ولكن عَمَدَ هؤلك إلى اتّباع استراتجيات مختلفة بهدف التحرّر من وضع الذمّة.

 

2 – 3 - إستراتجيات التحرّر المختلفة للعرب المسيحيين من السلطنة العثمانية

إبتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يمكن تصنيف هذه الاستراتيجيات تحت عنوانين رئيسيّين.

 

2 – 3 – 1 - تعزيز الحركات الأيديولوجية وسياسات المساواة

القومية العثمانية، والعربية، والسورية، والليبرالية، ثم الإشتراكية. كانت هذه استراتيجية الكثير من النخب العربية المسيحية في سوريا، ولبنان، وفلسطين، ومصر.

 

 2 – 3 – 2 - التعايش التعددي ضمن المسواة في الحقوق وتوازن القوى

كان هذا إختيار أغلبيّة النخب من العرب المسحيين في لبنان ممّا ساهم بإنشاء الدولة اللبنانية الحالية.

 

بعد أن قدّمنا عناصر الخلفية التاريخية تلك، يمكننا أن نستعرض الآن وبلمحةٍ سريعة الملامح الرئيسية لالتزام العرب المسيحيين في المجالات السياسية، والإجتماعية، والإقتصادية في ظلّ السلطنة العثمانية قبل الحرب العالمية الأُولى، ثمّ في فترة الإنتداب ما بين الحربين العالميتين، وأخيراً في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 

3 - العرب المسيحيون وحركات التحرّر في السلطنة العثمانية.

في هذا الوضع المضطرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر، شارك العرب المسيحيون بطرق مختلفة في نضالات التحرّر التي جرت في السلطنة العثمانية.

 

3 – 1- حركات الفلّاحين.

منذ بداية القرن الثامن عشر ظهرت إنتفضات الفلاحين في جبل لبنان وخصوصاً في المناطق المسيحية ضدّ التعسّفات الضريبية وضدّ المزارعين الملتزمين. يكفي أن نذكر الإنتفاضة العامية في حمانا (1780)، ومن ثم في لحفد (1820)، مروراً بعامية أنطلياس في عام 1840، وأخيراً التمرّد في كسروان عام 1858. لعبت الكنيسة المارونية بشكل خاص، دوراً هامّاً في هذه الحركات، وخصوصاً في كسروان. وكان البطريرك الماروني "مسعد" العقل المدبر لهذا التمرّد الذي قاده طانيوس شاهين. وبالمثل، لعب العرب المسيحيون في جبل حوران دوراً مهما في النضال ضدّ أصحاب الأملاك الوجهاء في المنطقة.

 

 3 – 2- التنظيمات والحركات المدينية.

إن الإصلاحات المستوحاة من أوروبا وذات التوجّه نحو المساواة، والتي قامت بها السلطنة العثمانية في نهاية النصف الأوّل من القرن التاسع عشر تحت إسم "التنظيمات"، تلقّت ردّاً إيجابياً جدّاً في أوساط مسيحيي مدن السلطنة العثمانية، الذين رأووا فيها بداية لإمكانية تحقيق مبادىء الثورة الفرنسية التي كانت قد وصلت أصداؤها إليهم. ومن هنا بدأت معاناة المسيحيين في المدن نتيجة ردّات الفعل المعادية لهذه الإصلاحات من قبل المحافظين المسلمين ممّا أدّى إلى بعض أعمال الشغب والمذابح.

 

 3 – 3 - الحركات القوميّة.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت في بيروت، والقاهرة، والاسكندرية ودمشق على وجه الخصوص، نواة القومية العربية والسورية. نذكر أسماءً مثل يازجي، وبستاني، وأنطونيوس، وعازوري، وغيرهم من المفكّرين في تحرّك الإرسالية البروتستانتينية (المشيخيّة) في الكلية البروتستانتية السورية التي أصبحت لاحقاً الجامعة الأميركية في بيروت.

 

 3 – 4 الحركات الليبرالية والإشتراكية

نَمَت الحركات الليبرالية والإشتراكية خاصة بين المثقفين المسيحيين في المدن الكبرى في مصر، القاهرة والإسكندرية. ومّمن قاد هذه التحرّكات نخصّ بالذكر فرح أنطون، وشبلي شميل، ونيكولا حداد (الثلاثة من أصل لبناني). دعت الحركات الليبرالية لحياة سياسية مستوحاة من الديمقراطيات الليبرالية في الغرب. في حين أنّ الحركات الإشتراكية كانت مستوحاة من الديمقراطية الإشتراكية الأوروبية في تلك الفترة.

 

 3 – 5 - الحركة القومية اللبنانية

في مطلع القرن العشرين، ظهر تيّار فكري يدعو إلى قيام الدولة القومية اللبنانية وفقاً لحدود لبنان الحالية، وإنطلاقاً من هذه المرحلة بدأ المثقفون والصحفيون والكتاب والمسؤولون الحكوميون والسياسيون أمثال "بول نجيم"، و"أنطون جميل" و"يوسف السودة" يذكرون لبنان باسمه.

 

العرب المسيحيون وحركات التحرّر السياسية والإجتماعية خلال فترة الوصاية بين الحربين العالميتين 1918-1945

فترة جديدة في تاريخ الشرق العربي تبدأ كامتدادٍ جزئيٍّ للفترة العثمانية، وتفتح الطريق أمام التطورات السياسية، والإجتماعية والإقتصادية المعاصرة.

 

 الحركة القومية العربية بقيادة الأمير فيصل

 ولدت هذه الحركة في أوائل القرن العشرين، وقد التحق بها الهاشميون وقادوها خلال الحرب العالمية الاولى في الحجاز، وقد قاموا بانتفاضة في وجه العثمانيين وحظوا بدعم من الإنجليز خلال النصف الثاني من الحرب. بعد فشلهم لأكثر من سنتين (1918-1820) في إقامة المملكة العربية السورية، حكم الهاشميون وأنصارهم بقيادة الملك فيصل الدولتين الجديدتين في شرق الأردن والعراق في ظلّ الإنتداب البريطاني الجديد. وكان العديد من المفكرين العرب المسيحيين من بين قادة هذه الحركة في سوريا ولبنان، ونخصّ بالذكر "عمون" و"بركات".

 

 الحركات الشيوعية

تغلغلت الماركسية في المشرق العربي بداية من مصر بين الأوساط العُماليّة، وخاصة بين عمّال صناعة التبغ. إنتمى العمال الشيوعيون الملتزمون الأوائل إلى الأقليات الأرمنيّة والمارونية. نخصّ بالذكر المحامي الماروني الشيوعي أنطون مارون إبن مدينة زحلة من لبنان الذي اعتبره رفاقه كأوّل شهيد للحركة الشيوعية العربية. كما ونذكر في لبنان ومن نفس تلك الأوساط أسماء بضع مؤسّسي الحركة الشيوعية اللبنانية في العشرينيات ألا وهم: "يوسف ابراهيم يزبك"، و"اسكندر رياشي"، و"فؤاد الشمالي"، علماً بأنّ أغلب قياديي الحركة كانوا من مسيحيي قرية بكفيا. وكان الوضع سيّان في سوريا، والعراق وفلسطين.

 

 الحركة القومية "سوريا الكبرى"

تأسست الحركة القومية "سوريا الكبرى" سنة 1933 في كنف الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي أسّسه وقاده أنطون سعادة ومجموعة من المفكّرين اللبنانيين، والسوريين، والفلسطينيين، أغلبيتهم من المسيحيين.

ناضلت هذه الحركة في وجه الإنتداب ومن أجل وحدة سوريا الكبرى و"الهلال الخصيب" الذي ضمّ فلسطين، وشرق الأردن، ولبنان، والعراق وسوريا.

 

 الحركة القومية اللبنانية

تنظّمت هذه الحركة خلال الفترة ذاتها. كان جهازها الاكثر تنظيما حزب الكتائب الذي تأسس سنة 1936من قبل مجموعة من المفكّرين والإداريين المسيحيين وأبرزهم بيار الجميل، وشارل الحلو، وجورج نقاش، وإميل يارد، وشفيق ناصيف. ودعت هذه الحركة إلى تعزيز الدولة اللبنانية المتعددة الطوائف والمستقلة، والدفاع عنها.

 

 4 – 5 - التحالفات البرلمانية من أجل استقلال لبنان، وسوريا ومصر

ظهرت خلال هذه الفترة أوّلى التحالفات البرلمانية بين الوجهاء المسيحيين والمسلمين، التي ركّزت على النضال من أجل الإستقلال، ومن بين هذه التحالفات الحزب الدستوري في لبنان، والكتلة الوطنية في سوريا، وحزب الوفد في مصر.

ومن بين الزعماء المسيحيين لهذه التحالفات نذكر أسماء "بشارة الخوري" و"هنري فرعون" في لبنان، و"فارس الخوري" في سوريا، و"مكرم عبيد" في مصر.

 

 ولادة وتطوّر الحركة العمالية

إن هذه الظاهرة المرتبطة أساساً بالحركة الشيوعية تطوّرت في المدن وفي القطاعات الحديثة ذات الصلة برؤوس الأموال الأجنبية. هنا أيضاً كان للمسيحيين تمثيلٌ قويٌ في أساس وإدارة هذه الحركة.