يقدم أستاذ التأريخ الإقتصادي والإجتماعي في الجامعة اللبنانية الدكتور بطرس لبكي، قراءة معمَّقة في الدور الريادي الذي لعبه المسيحيون المشرقيون على المستويات الفكرية والسياسية والإقتصادية، ينشرها "اليوم الثالث" على حلقات، وهنا الحلقة الثالثة.

 كان لحرب 1967 تداعيات عميقة على لبنان ويمكن اعتبارها السبب الأساسي لتراجع البلاد. شَهِدَت هذه المرحلة في البداية إضعافاً تدريجياً للسلطة بسبب الإنهاء المستمرّ للأنظمة الشهابية. خسرت هذه الأنظمة شيئاً فشيئاً قوّة دعم الأحزاب الناصرية والديغولية التي كانت قد غاصت في تداعيات حرب حزيران 1967.

أما على الصعيد المحلّي، فخضعت الشهابية لتحدّيات الإضطراب الفلسطيني اليساري واضطرابات التحالف المسيحي الثلاثي إثر الهزيمة العربية في حزيران 1967، وازدادت ردّات الفعل الإنتقادية الجذرية للأنظمة السياسية والإجتماعية والإقتصادية الراهنة في العالم العربي وخصوصاً في لبنان، وأدّت هذه الأجواء إلى تطوّر النشاط اليساري الداعم لفلسطين. بدأت الأزمات الإجتماعية بالظهور أيضاً وبزيادة عواقبها على تلك المتأتية من الأزمة العالمية.

 

أسفر هذا الوضع عن نموّ حركات مطالبية في أوساط الطلاب والأساتذة، والفلاّحين والمزارعين والعمال، كما وتخلّلت الوضع اللبناني أيضاً صراعات متسارعة الوتيرة بين المنظّمات الفلسطينية المسلّحة المتوسّعة وأجهزة الدولة، دفاعاً عن السيادة والأراضي.

بالتوازي مع ذلك، تطوّرت حركات إجتماعية ذات طابع طائفي: فبين الفئات المسيحية المدعومة من التحالف الثلاثي ارتسمت بدايةً للمقاومة ضدّ التعديات المتزايدة للمنظمات الفلسطينية على الأراضي والسلطات اللبنانية. بينما تشكّلت بين الأوساط الشيعية حركة المحرومين للإمام موسى الصدر، كما تنظّمت الطائفة ساعيةً إلى أن تصبح جهةً سياسية مستقلّة، وبدأت تطالب بحقوقها الإقتصادية، الإجتماعية، والسياسية الخاصة.

أماّ عند الطائفة السنّية، فنمت تحرّكات تدريجيّة محورها المطالبة بمشاركةٍ أوسع في السلطة وكانت هذه التحركات تلقى دعمَ المنظمات المسلّحة الفلسطينية.

 

 

سقوط تجربة الإصلاحات الشهابية، والعودة إلى أساليب الحكم التقليدية 1970-1975

على الصعيد السياسي، تميزت هذه المرحلة في لبنان بتصفية متسارعة للإصلاحات الشهابية: فضعفت أجهزة الدولة والمؤسسات الحديثة للدولة وللمجتمع على حدٍّ سواء، بينما تعزّز دور الوجهاء التقليديين.

فقد المجتمع والدولة شيئاً فشيئاً إمكانية الرّد على التحديات الخارجية والداخلية مثل تصاعد الأزمة العربية – الاسرائيلية، توسّع القوى المسلّحة الفلسطينية، وتزايد التأثيرات الإسرائيلية والعربية داخل الدولة اللبنانية، ممّا فسح المجال أمام التدخّلات الخارجية التي قادت نحو ماعُرِفَ ﺑِ "الحرب لأجل الآخرين" التي دارت رحاها بين 1975 و1990.

 

 

الوضع في الكنيسة

أثّرت وجهات النظر والتيّارات الحاكمة في الأوساط الكنسيّة أيضاً على دور العرب المسيحيين اللبنانيين في المجالات الإقتصادية، والإجتماعية، والسياسية.

 

الكنيسة الكاثوليكية

كانت الكنيسة الكاثوليكية تعيش جزئياً على وقع خُطى مجمع الفاتيكان الثاني، حيث أُدرِجَت المسكونية على جدول الأعمال، فتم تحديث بنيتها، ومؤسساتها، وتطبيقاتها. وتميّزت هذه الفترة بانفتاح المجتمع ولو متأخّراً قليلاً على دول العالم الثالث.

أخيراً قطعت الكنيسة مسافةً كبيرة وبخُطى ثابتة نحو الإنفتاح على الإسلام والعالم الإسلامي.

 

تجدّد الكنيسة الأورثوذكسية الأنطاكية

بدأ هذا التجدّد الذي وُلِدَ عام 1940 حول حركة الشبيبة الأرثوذكسية بالتسارع في الستينيات والسبعينيات بسبب وصول بعض الشخصيات المنتمية إليه الى الكهنوت، والأسقفية ثمّ البطريركية، فحصلت عملية عودة إلى الأصول وتحديث البنية الكنسية وتطبيقاتها.

إستقلّت هذه الكنيسة تدريجياً عن أقطابها الخارجية التوليدية واندمجت في المجلس المسكوني للكنائس، فلعبت دوراً أساسياً في تعزيز مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي كان يجمع أساساً معظم الكنائس غير الكاثوليكية في الشرق.

إستهلّت هذه الكنيسة أيضاً بشيءٍ من الحذر عملية تقرّب وحوار مسكونيّ مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانيّة والكنائس الكاثوليكية الشرقية، كما وباشرت الحوار مع الإسلام وطوّرته.

 

إحياء الكنيسة القبطية الأورثوذكسية

عرفت هذه الكنيسة حركة تجدّد على ثلاث مستويات: الروحي، الرعوي وعلى النظام الكنسي. تُرجِمَت هذه الحركة بعودةٍ إلى الجذور مع تطوّر الرهبنة وامتداد وتحديث أجهزة الكنيسة بغية التماشي مع مطالب الرعية المتزايدة.

شنّت هذه الكنيسة تدريجياً صراعَ مساواةٍ حقيقية بين الأقباط والمسلمين في المجتمع المصري، كما بدأت من جهة أُخرى تنفتح على العالم الخارجي من خلال اندماجها في المجلس المسكوني للكنائس وامتداد نطاق الهجرة القبطية إلى ما وراء البحار.

أخيراً ما زالت هذه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحاول حماية نفسها من تبشير الكنائس الأُخرى.

 

تشريق المسكونية في الكنائس الإنجيلية

حاولت الكنائس الإنجيلية بمجملها الإنخراط أكثر فأكثر في العملية المسكونية على الصعيد الدولي، والإقليمي، والمحلي، فأبطأت سياسة التبشير المضرة للكنائس الأورثوذكسية والكاثوليكية وباشرت التطوّر على محورين: أوّلاً الإبتعاد عن أقطابها الخارجية وثانياً ترسيخ إندماجها في الأوساط الشرقية.

 

 

إنبثاق جديد لإلتزامٍ ملحوظ من قبل العرب المسيحيين اللبنانيين في الصراعات الإجتماعية والسياسية

أدّت الأوضاع الإقليمية اللبنانية والكنسية خلال هذه الفترة إلى انبثاقٍ جديد لالتزام العرب المسيحيين في صراعات إجتماعية وسياسية جذرية، وقد حصل هذا الإنبثاق في جوٍّ فكريّ وأيديولوجيّ خاص ومعقّد. كما ظهرت أيضاً ملامح هذا الإنبثاق في الأوساط الكنسية وغير الكنسية، ممّا طرح مشكلة لدى العرب المسيحيين اللبنانيين.

 

المناخ الفكري والأيديولوجي لهذا الإنبثاق الجديد

كان الجوّ الفكري والأيديولوجي مرتبطاً بعواملٍ عدّة: التحديث في الكنائس، الإصلاحات الإجتماعية الحديثية المستوحاة من الأفكار الإنسانية المسيحية التي جسّدتها أفكار الأب لوبريه؛ القومية والإشتراكية العربية، الحركات الماركسية المتعدّدة، نشوء مبدأ العالم الثالث، الأيديولوجيات الشيعية والمسيحية وحركات التضامن مع القضية الفلسطينية.

دعمت كلّ هذه العوامل، المتناقضة جزئياً، حركات التغيير الإجتماعي، والسياسي، والثقافي وأثّرت كثيراً على البيئة الفكرية والأيديولوجية الحاضنة للعرب المسيحيين اللبنانيين الملتزمين إجتماعيّاً وسياسياً.

 

مظاهر هذا الإنبثاق الجديد في الأوساط الدينية

إنّ الظاهرة الجديدة الأبرز في تلك الفترة هي دون شكّ إلتزام عدد كبير من العرب المسيحيين في الصراعات السياسية والإجتماعية في الأوساط المرتبطة بالكنيسة. ونذكر في ما يلي أهمّ ظواهر هذا الإلتزام.

 

الشبيبة الطلابية المسيحية (الجامعيّة)، الإلتزام في النقابات الطلابية (1960-1968) والإنفتاح على مشاكل البلاد الداخلية، ومشاكل العالم العربي والعالم الثالث:

 

كان هذا النوع من الإلتزام هو الأبكر في الظهور أي إبتداءً من عام 1960، وتبلورَ على شكل اهتمام متزايد لدى المناضلين وقادة الحركات النقابية الطلابية، وعرف ذروته مع وصول "فؤاد متني" أحد قادة الشبيبة الطلابية المسيحية على رأس التجمع الوطني للجامعيين اللبنانيين، الجهاز التمثيلي الوحيد للطلاب آنذاك.

من المؤكّد أنّ هذه الحركة تأثّرت بالتجارب المماثلة حول العالم وخصوصاً بالشبيبة الطلابية المسيحية الفرنسية والألمانية، التي انتقلت تجاربها إلى لبنان من خلال إنتماء الشبيبة الطلابية اللبنانية ومشاركتها بالحركة العالمية. وفي خضمّ هذا الإلتزام نشرت هذه الحركة في لبنان مجلّة دوريّة بعنوان "الجامعيّ"، إستمرّ صدورها سنوات عدّة.

إشترك أيضاً مناضلو هذه الحركة بإعادة توجيه منظمة الإتّحاد الوطني للجامعات في لبنان وبتحويلها إلى حركة نقابية للطلاب الجامعيين اللبنانيين. ساهم هذا النوع من الإلتزام في انفتاح المناضلون على المشاكل العامة للطلاب في لبنان والمحيط العربيّ، فأخرجهم تدريجياً من أوساطهم الطائفية، والجامعية، والاجتماعية ليدركوا ما هنالك من مشاكلٍ سياسية، وإجتماعية، وإقتصادية في بلدهم وفي محيطه الإقليميّ.

 

ترجم هذا النوع التطوّر على صعيد الشبيبة الطلابية المسيحية في المؤتمرات والوثائق من خلال اهتمام متزايد بالمواضيع الأبرز في تلك الفترة: التنمية، والطائفية، والعروبة، والإسلام، والمسكونية، إلخ.

تجسّد الإهتمام بهذه المواضيع في مؤتمر الشبيبة الطلابية المسيحية للجامعات الذي عُقِدَ في "بيت شباب" عام 1964. واصلت الحركة إنطلاقها الزاخم حتى عام 1967 مستندةً إلى تحليلات مشتركة، وإلتزمات شخصية لأفرادها، وميل إلى الإنفتاح الإصلاحيّ في لبنان، والعالم العربي، وبلدان العالم الثالث.

مالت هذه الحركة إلى التطرّف بين عاميّ 1968 و1969 تحت تأثير الأوضاع المحليّة، والإقليمية والعالمية، لا سيّما بعد "الثورة الطلابية" في الغرب عام 1968، وبدأت تتّخذ لنفسها إلتزامات جماعية، وصلت إلى ذروة التعبير عنها في وثيقة "يسوع الملك" عام 1969، فأدّت هذه التوجّهات إلى نشوب صراعٍ مع هرميّة الكنيسة وإلى أزمة لم تستطع الحركة أن تتخطاه حتى يومنا هذا.

 

العمل في الأوساط العمالية والشعبية

الجدير بالذكر هنا، تأثير جمعية "برادو الشرق" السبّاقة التي أسّست النسخة اللبنانية لحركة الآباء الملتزمين بالتبشير في الأوساط الشعبية. عملت هذه الجمعية بشكل خاص في الضواحي الشمالية والشرقية لبيروت وتحديداً في الأحياء الفقيرة في "الكرنتينا" و"النبعة".

إنّ هذه الحركة التي استُهِلَّت في النصف الثاني من الستينيات، تطورت وتنوعت إبتداءً من السبعينيات وبلغت أكثر فأكثر مجموعات متنوعة من العلمانيين ورجال الدين الذين يعملون على ترقية الإنسانية في الأوساط الشعبية، فأُنشِئَت مراكزٌ لمحو الأُميّة للتعليم، ومستوصفات صحية وإجتماعية، ونشاطات مختلفة ذات صلة. يجدر بالذكر أيضاً نشاط الشبيبة العمّالية المسيحية والمجلّة الجماهرية التي كانت تصدر تحت إسم "الشبيبة العمّالية".

 

"المؤتمرات الدولية المسيحية من أجل فلسطين"

إنّ هذه المؤتمرات التي قامت بتنظيمها، إبتداءً من عام 1968، شخصيات عربية مسيحية من الأوساط الكنسية والعلمانية، كانت أوّل ظاهرة عالمية يقوم بها عرب مسيحيون تضامناً مع قضية الشعب الفلسطيني.

 

حركة الإكليريكيين

ولدت هذه الحركة داخل الإكليريكية المارونية في غزير وهدفت أوّلاً إلى الإحتجاج ضدّ إقفال هذه الإكليريكية. إتّخذ هذا الإجتماع فيما بعد مظهراً وأهمية تخطّيا أهدافه الأوّلية حيث أصبح أحد ملتقيات حركة إعادة النظر في أنظمة وممارسات الكنيسة في لبنان، ممتثلاً بالتوّجهات العامة لمجمع الفاتيكان الثاني، فأثار بالتالي كراهية وعدوانية الهرمية الدينية في الكنيسة المارونية اللبنانية.

 

"حركة الكنيسة في زمننا"

تأسست هذه الحركة في السنوات الأخيرة لهذه على يد مجموعة مستنيرة من النخبة العربية المسيحية العلمانية والكنسية في لبنان، وطمحت أن تكون تجربة لتحديث محليّ للكنيسة بغية السماح لها بالإجابة على التحديات الوضع في البلاد.

 

5-2 -2 - 2-6 - "الحركة الإجتماعية" ومجلة "آفاق"

تأسست كلتا "الحركة الإجتماعية" ومجلة "آفاق" على يد أسقف الروم الكاثوليك اللبناني "غريغوار حدّاد"، وعبّرت أيضاً عن أحد الأوجه المهمّة في التزام العرب المسيحيين.

ضمّت هذه الحركة عدداً كبيراً من العرب المسيحيين رغم كونها أساساً حركة غير طائفية تجمع لبنانيين من جميع الطوائف، والتزمت في نشاطات إجتماعية وصحية هدفها تعويض النقص في هذين المجالين.

أمّا بالنسبة لمجلة "آفاق"، التي أُسِّسَت في بداية السبعينيات فقد حاولت التفكير على مستويين:

أوّلاً على المستوى اللاهوتي، حيث  حاولت أن تنشر في لبنان أفكار بعض رجال الدين الغربيين الجُدُد.

ثانياً على المستوى الإجتماعي والثقافي، حيث أصبحت هذه المجلة الناطق بإسم العرب المسيحيين الملتزمين في هذه المجالات.

إصطدمت هذه التجربة بعدائية كنيسة الروم الكاثوليكية التي اعتبرت أن الأفكار التي تبّثها جريئة للغاية.

 

5 -2 - 2 - 2- 7  - "مؤتمر الرهبان الرؤساء اللبنانيين"

منذ بدء الصراع الحادّ بين الميليشيات الفلسطينية من جهة والجيش اللبناني والميليشيات المسيحية اللبنانية من جهة أُخرى، إتّخذت هذه الهيئة – التي تضمّ زعماء الطوائف الدينية الكاثوليكية - موقفاً عدائياً تجاه الوجود الفلسطيني المسلّح وتدخّله في الشؤون الداخلية اللبنانية.

وبالتوازي مع هذا المؤتمر، إلتزم عددٌ من رجال الدين في جماعات دينية مختلفة بالمقاومة ضدّ تمدّد إنتشار الوجود المسلّح الأجنبي في لبنان.

 

مظاهر هذا الإنبثاق الجديد خارج الأوساط الدينية

اشكال عودة ظهور المقاومة ضذّ الانتشار الفلسطيني المسلح في الاوساط المرتبطة بالكنيسة.

نستطيع ترتيب هذه المظاهر وفق تيارات ثلاث دون أن ننسى صراع العرب المسيحيين للتحرّر من نظام الذمّة عند نهاية السلطنة العثمانية، الذي كنّا قد تحدثنا عنه سابقاً.

 

"العرب المسيحيون الملتزمون بتحرير كامل المجتمع"

بهذه العبارة نخصّ بالذكر العرب المسيحيين الذين كانوا قد انخرطوا في الحركات السياسية القومية العربية، والقومية السورية، والماركسية، والإجتماعية الديموقراطية، وفي الحركات الفلسطينية. كما نعني أيضاً أشخاصاً آخرين لم ينخرطوا في منظمات ولكن كانوا متعاطفين مع التيارات المسمّاة "اليسار" في أوروبا ومع القضية الفلسطينية. يجدر بنا أيضاً أن نضيف العرب المسيحيين المنخرطين في نشاطات إجتماعية كمحو الأُميّة، والخدمات الصحية الإجتماعية، والتربية الأساسية، إلخ. تضمّ أيضاً هذه الفئة عدداً لا بأس به من المناضلين في الحركات الكاثوليكية، ومن الكهنة، والراهبات، ومن بعض أعضاء حركة الشبيبة الأورثوذكسية.

في الواقع، تأسست مجموعة تُدعى "تجمّع المسيحيين الملتزمين" خلال السنوات التي سبقت إندلاع الحرب الأهلية سنة 1975 كما باشرت بنشر مجلة دوريّة خاصة بها تحت عنوان "المسيرة". تفكّكت هذه المجموعة في بداية الحرب اللبنانية بسبب أشكال الصراعات التي كشفت عنها الحرب في هذه المرحلة: صراعات بين الطوائف، إدراك مواقف التسلّط للحركات الفلسطينية وأخيراً صراعات الإختلاف السياسي بين أعضاء هذا التجمع بالذات. تذكّر هذه الحركة بالحركات الأيديولوجية والسياسية الداعية للمساواة والتي تبنّتها معظم النخب العربية المسيحية في الشرق عند نهاية السلطنة العثمانية التي تحدّثنا عنها في بداية النصّ.

 

العرب المسيحيون الملتزمون في الدفاع عن مكانتهم في المساواة المهدّدة

ضمّ هذا التيار الذي أصبح لاحقاً الأقوى بين المجموعات المشرقية المسيحية في لبنان وخصوصاً خلال السنوات التي سبقت إندلاع الحرب:

حزب الكتائب، والكتلة الوطنية (في البداية)، وحزب الوطنيين الأحرار، بالإضافة إلى تجمّعات عسكرية مقاومة أُخرى كالتنظيم وحراس الأرز ومجموعات أُخرى سياسية عسكرية مسيحية إقليمية يقودها زعماء تقليديون أو حركات شعبية محلية.

 

رأى هذا التيار الحرب اللبنانية على أنّها احتلالٌ للبلاد من قبل القوى المسلّحة الأجنبية (منظمة التحرير الفلسطينية ثمّ الجيش السوري ومجموعات مسلّحة عربية أُخرى وحتى الإسرائيليين).

آمن هذا التيار بأن هدف هذه الإحتلالات وهذه الحرب بالذات، أو تداعياتها على الأقلّ، كان تهميش العرب المسيحيين اللبنانيين سياسياً وإجتماعياً وإعادتهم إلى نظام الذمّة الذي كانوا قد تحرّروا منه في القرن السابق.

أدّت هذه الحرب إلى نزوح الكثير من المسيحيين اللبنانيين إلى غير مناطقهم ممّا مهّد الطريق لظاهرة التهميش والهجرة إلى خارج البلاد، فتعدّلت القاعدة الديموغرافية الجغرافية وباتت وشيكة سيطرة المسلمين المدعومين من العرب على لبنان. نتيجة لهذا التحليل أصبح هدف إلتزام العرب المسيحيين الدفاع عن حقوقهم المكتسبة سابقاً عند تحريرهم من نظام الذمّة.

داخل هذا التيّار، عبّر البعض أيضاً عن فقدان إيمانهم بالتعايش مع المسلمين وشجعوا الفدرالية كجواب للصراعات اللبنانية، حيث يصبح لبنان فدرالية أو مجموعة فدراليات تضمّ مناطق "منسجمة" طائفياً وتنعم بإستقلالية كبيرة. يشبه هذا استراتجيات الحركات الوطنية الأرمنية والأشورية في نهاية السلطنة العثمانية التي هدفت إلى إنشاء دولة قومية على مثال دول البلقان.

 

العرب المسيحيون المتعايشون

يعتبر هذا التيار التكملة التاريخية لأكثرية النخب السياسية المسيحية في لبنان وأحد مؤسسي العيش المشترك بين الطوائف، لكنه ضعف بعد عام 1976 مع تصاعد التطرّف من كل الجهات. يتألّف هذا التيار من عددٍ كبير من المجموعات والشخصيات السياسية وكذلك من بعض الأحزاب والحركات الحديثة. ينتمي إليه: التكتّل الدستوري، والشهابيون، وبعض القادة السياسيون المسيحيون التقلديون، من ضمنهم حتى بعض الأحزاب الملتزمة في التيّار الأول (حزب الوطنيين الأحرار، والكتلة الوطنية، والكتائب، والمردة) ولاحقاً كتلة النواب الموارنة المستقلّين.

أمّا في فئةٍ أُخرى فنذكر حركات سياسية حديثة ذات ميول علمانية وإصلاحية كالحزب الديموقراطي وحزب "اليقظة". ظهر هذا الحزب الأخير في الجامعة اللبنانية أواخر الستينييات وكان مؤلّفاً خاصّة من طلاب وأساتذة عرب مسيحيين أكثريتهم من موارنة الضواحي الشرقية لبيروت .

توجّه هذا الحزب نحو النقابية والإصلاحية على المستوى الإجتماعي، كما توجّه نحو القومية العلمانية اللبنانية والإنفتاح سياسياً على العالم العربي. لعب أيضاً هذا التيار دوراً مهمّاً في الصراعات الثورية الطلابية من خلال إنشاء وإدارة الإتّحاد الوطني للطلاب في الجامعة اللبنانية. يذكّرنا هذا التيار باستراتجيّة التعايش التعدّدي في المسواة وتوازن القوى بين المسيحيين والمسلمين الذي اختارته أكثرية النخب العربية المسيحية في نهاية الحقبة العثمانية والذي ساهم في ولادة الدولة اللبنانية الحديثة.