للأمانة وللتاريخ ولنكن متصالحين مع هويتنا المشرقية، علينا إنصاف مسيحي المشرق والاعتراف بدورهم الريادي التاريخي في تأسيس حركة فكرية تنويرية.

لقد شكل المسيحيون المشرقيون منارة المشرق ومنبعه الفكري بلا منازع، وخصوصاً في تلك الفترة السوداء من تاريخ منطقتنا التي أغرقت المجتمع في الجهل والتخلف وما خلفه الاحتلال العثماني من استبداد وتدمير ممنهج لكل ماهو حضاري، وانهماك منطقتنا بحروب لا مصلحة لنا بها.

كان من أهم معالم النهضة التي قادتها النخب المسيحية المشرقية إبراز الطابع العلماني الذي تميزت به منطقة المشرق. فعلى سبيل المثال لا الحصر اذكر جريدة (مرآة الأحوال) التي كانت تصدر في الأستانة في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت أول جريدة عربية تشغل مكانة متصدرة في الصحافة نظراً لأهميتها في ميدان الفكر الاجتماعي والسياسي. وحرض من خلالها عبدالله الحسون على العثمانيين، وعلى هذا الدرب سار أبرز أعلام النهضة في تلك الفتره مثل أديب إسحاق الدمشقي الأديب اللامع والشاعر المسرحي الرائد والمترجم والمخرج والممثل الذي ناضل ضد العثمانيين والإنكليز، وكذلك لويس صابونجي وهو المؤرخ المحامي والفيلسوف والمترجم واللاهوتي الكاثوليكي الذي كان سياسياً بارزاً ومقاوماً في الكلمة.

 

كان المشهد المسيحي المشرقي في تلك الفترة النواة الأساسية لحركة النهضة الفكرية والثقافية، وقد ساعدته على ذلك المدارس التبشيرية. وكان لدخول الصحف والمطابع الدور الأكبر في نشر الأفكار التنويرية والحض على مقاومة الجهل والتخلف والاستعمار والدعوة إلى التخلص من الاستبداد العثماني. وكان السوريون من أوائل السباقين في الطباعة، واذكر كمثال حلب التي استمرت مطبعتها بالعمل من سنه 1700 حيث طبع فيها أول كتاب كنسي بالعربية واليونانية ثم طبع الإنجيل بعد ذلك، وكانت أكثر مطبوعاتها دينية. ولا ننسى الحديث عن أشهر الصحف التي كانت تعنى بالفكر السياسي العربي الحر وهي جريدة "نفير سورية" لصاحبها بطرس البستاني في منتصف القرن التاسع عشر وكانت منبراً للرسائل الوطنية .

 

ساهمت حركة الطباعة والصحافة في تحديد وإبراز ملامح الشخصية المشرقية، كما في جريدة "الأخبار" وهي أسبوعية سياسية لصاحبها خليل الخوري اللبناني، وميخائيل مدور الذي يعتبر من رواد الأدب وأحد أعضاء الجمعية العلمية السوري. ولا يسعني المجال للمرور على عشرات الصحف والمجلات التي يملكها رواد مشرقيون وكانت منارة للفكر امثال إبراهيم اليازجي عضو الجمعية العلمية السورية وبطرس البستاني ويعقوب صروف .

 

نادى المفكرون المسيحيون المشرقيون بضرورة تبني نظام حكم ديموقراطي، وهم من اوائل من تحدث عن ضرورة بناء مجتمع بعيد عن الطائفية من دون إغفال دور التربية والعلم والمواطنة الصحيحة. وشكلت في تلك الفترة حلب ودمشق وبيروت مراكز إشعاع ونور. ففي مطلع القرن الثامن عشر شهدت حلب حركة ثقافية في أوساط المثقفين، وكان من ابرز الوجوه في الأوساط الأدبية اللاهوتي اللغوي نيقولا الصايغ والشاعر الياس فخر الذي تلقى العلم على يد أدباء عصره ودرس اللاهوت والمنطق والفلسفة والتاريخ، وأتقن عدة لغات مثل العربية والايطالية والسريانية واللاتينية واليونانية والفرنسية.

 

إن التعامل مع مسيحي المشرق كأقلية او ذمية أو جسم غريب عن هذه الأرض ليس إلا إنكاراً لنضال طويل لم يتوقف. فهم أصحاب الأرض وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية ومحاولات التهجير والحملات البربرية التي تعرضوا ويتعرضون لها ليست إلا خدمة مجانية للوهابية والتكفير ولمشاريع التهجير.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة