لا يمكن أن تقول سوريا دونما الإلتفات الى دور المكونات الحضارية التي منها تألفت تلك السوريا التي نعرفها اليوم. في العلم، والتجربة أُثبت أن في منطقتنا لا صحة لمصطلح شعب، بل نحن مجموعة من الشعوب المترامية الجذور، اجتمعت على أرض واحدة، أسمتها الظروف السياسية دُوَلاً، قبلتها تلك الشعوب واتفقت فيما بينها على عقودٍ اجتماعيةٍ للتعايشِ المشترك، سُميت في لغةِ القانون دساتير. 

 

خطأ مراهناتٍ لبنانية على إسقاط النظام

٥ سنوات على تواصل مباشر ويومي بالقضية والجغرافيا السورية، خلال الأزمة التي عصفت بها منذ نيف وثماني سنوات. أزمةٌ ظننتُ في بداياتِها أنها تهدفُ الى الحريةِ والديمقراطية، كما قرأتُ على احدى لافتاتِ المظاهراتِ الأولى، وأنا أنظر الى الشاشة وأترقب بحذر. ويوم نزلت عن الشاشة وعاينت الميدان بل الميادين عن كثب، أين أنت يا حرية وهيهات منك يا ديمقراطية كم من مجازر وكم من أعناق قطعت تحت رايتك المزيفة. 

في سوريا، المجتمع المسيحي بأغلبيته الساحقة ان لم تكن المطلقة، يؤيد منطق الدولة والنظام وشخص الرئيس بشار الأسد، ليسوا لوحدهم، هكذا أيضا حال الأمم المتحدة التي ما نفكت يوماً، عن الاعتراف بالدولة الواحدة والنظام القائم والرئيس بشار الأسد الممثل دائما في جلساتها، بأسد الدبلوماسية بشار الجعفري. 

الا في لبنان، "البعض" وهم قلةٌ قليلة من المغالين، يريدون تلقين الأمم المتحدة دروساً في أصول العلاقات الدولية، وحذوا حذو "تافهة الدول العربية" وعلقوا علاقتهم بالنظام السوري، ليشكلوا ضغطاً هائلا على النظام السوري من خلال مقاطعتهم له، يوازي ضغط ذبابة على ظهر فيل. 

تختلط مفاهيم السياسة في لبنان الى درجة الغباء أحياناً، وتختلط معها المبادىء السياسية، والتصنيفات، لمن لا يعلم. أنا مثلاً لم أكن يوماً من مؤيدي الوجود العسكري السوري في لبنان، ولن أكون لو حصل في المستقبل، وأكثر من ذلك، أعتبر أن هذه المرحلة فخاً عربياً خليجيا أمريكياً نُصب لسوريا، في مطلع انهيار الاتحاد السوفياتي، وبداية مرحلة الانتقام من الدول الحليفة له، ليؤدي الا ما وصلنا اليه عام ٢٠٠٥ من انسحاب وما سبقه ولحقه من اغتيالات ومحاولات اغتيال، اُريد لها أن تُقرن بالوجود السوري ولم يَثبت منها شيء الى اليوم، ورأينا الفريق الذي أدار المرحلة السورية في لبنان أين هو اليوم ولمن كان وأعلن ولاءه، من غازي الى رستم الى عبد الحليم خدام، ومن كان يُنفق عليهم ويغدق المال، في لبنان وفي سوريا. 

 

دور الفكر التكفيري في إشعال الأزمة

المشكلة داخلية أولاً ثم خارجية على خلاف ما يظن البعض بأن التأثير الخارجي له الأولوية. على العكس، لو أن ساحتنا الداخلية وثقافتنا الوطنية التعايشية كانت سليمة معافاة، لما استطاع الخارج التأثير الى هذا الحد في اشعال الفتيل بسهولة وفعالية كبيرة أدت الى الانفجار المجتمعي الكبير وامتداده الى كافة أرجاء الوطن وايقاع هذا الكم الهائل من الخسائر البشرية والدمار البنيوي في الحجر والبشر. 

إن غض الطرف تحت عنوان الحرية الدينية في سوريا، أنمى الشوك بين الورد وبكثرة. وغياب الرقابة على الخطاب الديني والمدارس الدينية، أدى الى نمو فكر أصولي سلفي وهابي غريب عن حضارتنا وفكرنا الشامي السوري، ثقافة صحراء غريبة عن الثقافة المدنية الحضارية التي نغتني بها في بلادنا المشرقية، فنمى هذا الفكر وتغلغل وتشبع في النفوس والعقول. وعندما أتت الساعة، هب بوجه حضارته وانتفض على انسانيته، وعماه الكره والحق والضغينة التي زرعت به بدلاً من الصلاة والعبادة الصالحة الصادقة القائمة على الاخاء والتواضع والمحبة والسماح، وكان ما كان. 

المشكلة في سوريا لم تكن يوماً اسلامية مسيحية او علوية سنية كما أريدَ اظهارها، والى اليوم ليست كذلك بالرغم من كل الشرخ والضرر المجتمعي الناتج عن الدم والحرب. تجد في سوريا المسيحي يجالس الى اليوم وأكثر من قبل المسلم المعتدل، المنفتح، المتقبل للآخر، والعلوي كذلك الذي يتمتع بهذه الصفات السورية الحميدة، والدرزي والشيعي. إذن المشكلة في الفكر الغريب الذي زُرع ونمى في ظل الانفلات التعليمي تحت غطاء الحرية الدينية. 

 

كيف ثَبُت المسيحي في سوريا؟ 

لا شك أنَّ جزء كبيراً من الحرب في سوريا تمركز حول الغاء الوجود المسيحي، وتاريخ الوجود، من خلال هدم الحضارة الممنهج الذي طال القرى والكنائس والشواهد التاريخية من أضرحة ومتاحف التي تثبت تجذر هذا المكون الحضاري على هذه الأرض وأقدميته، وهذا طبعاً ان دل على شيء، يدل على الرغبة بنسف هذا الوجود من أساساته. 

ولكن المسيحي في سوريا صمد وانتصر بسوريته أولا وبولائه لجيشه، حيث شبك الأيدي معه، من خلال الالتحاق المباشر في الصفوف النظامية، أو من خلال القوى الرديفة، لا سيما الدفاع الوطني، الذي ساهم بشكل مباشر و فاعل في حماية القرى والمعالم. لأن العنصر الذي يدافع عن قريته ومدينته وكنيسته وأولاده وعرضه، يظهر فعالية أكبر، لشعوره الانساني الذي يضعه أمام خيارين، المواجهة أو الموت، لأن هتك الأعراض والأرزاق عزيز على صاحبه أضعافاً مضاعفة. 

وطبعا ذلك مرفق بعاملين أساسيين:

الأول وقوف الجيش والدولة الى جانبهم ومدهم بما لزم من العتاد والعديد وخصوصا على الجبهات التي ما عرفت على مدار الأزمة فتوراً، وأبرزها السقيلبية ومحردة ومحور ريف حماه الشمالي بالعموم، والآتي في الأيام القليلة ليس بقليل حيث من المتوقع أن تفتح معركة ادلب خلال أيام، فساعة الصفر رهن المفاوضات الأخيرة التركية الروسية، ولكن الدولة السورية واضحة وجاهزة. واضحة في عدم رغبتها بتقديم أي تنازلات ليست بحاجة لها ولم تقدمها أساسا يوم كان ٧٠% من الجغرافيا خارج سيطرتها والمتبقي ٥% اليوم، وجاهزة لفتح نار التطهير فورا في ادلب. ولكن دمشق تقدر الموقف الروسي عاليا، اذا كان هناك من امكانية للوصول الى حل توافق عليه الدولة السورية، يحقن الدماء تحت شرط الاستسلام وما يسمى بعض المصالحات خصوصا العشائرية والعائلية، بما يحفظ استقراراً وسلاماً مستقبلياً للمجتمع السوري الذي اصيب ببعض التصدع، والقيادات حريصة على التخفيف منها ومعالجتها. 

العامل الثاني والمهم، يكمن بالاخلاص والتفاني في الموقف الروسي الذي أخذه الرئيس فلاديمير بوتين بالذهاب في هذه المعركة الى نهايتها من دون مواربة أو مماطلة أو مقايضة، وهذا موقف قل ما رأيناه في السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، حيث اعتدنا على الانموذج الأميركي في الحروب، وكيف تتبدل المواقف ويُخل بالالتزامات عند المصالح، وكيف تعقد الصفقات على حساب الشعوب. في روسيا لا بيع ولا شراء ولا تبديل ومقايضات، في روسيا هناك موقف واضح مبني على قراءة صائبة واقعية تحاكي تاريخ الشعوب وحضارتها ومصالحها الآنية والاستراتيجية، في روسيا هناك هامش كبير للمفاوضة والمناورة، خارج نطاق المقايضة والمواربة، خارج هامش المبادىء وخصوصا الانسانية والحضارية. فكيف عندما تقترب على مهد الحضارة التي تؤمن بها الدولة وروسيا اليوم دول شديدة الايمان بالخالق والمخلوق والقيم الكتابية المستقيمة، ولا لبس في ذلك؟؟

لقد أثبتت التجربة السورية أن صاحب الأرض سلطان، وان الثبات نصف الانتصار. هكذا فعل اخوتنا في وادي النصارى وهكذا حرروا قلعة الحصن، وهكذا فعلوا في أشرس الهجمات على السقيلبية ومحردة ومحورها، وبهذه الروحية ماضون لتحرير قلعة المضيق (أفاميا)، فلن يهزم قوم متمسك بأرضه وعرضه وكرامته حتى الموت والتحية لروح مئات لبل ألاف الشهداء الذين نعرفهم بالاسم والنسب لن تذهب دماؤكم هباء، ولن نضل الطريق، هذا عهدنا لكم وهذا حقكم علينا، والثبات نفسه ظهر في حمص القديمة التي لم يرحل عنها أهلها ولم تُخلى المطرانية ولا ليوم واحد، في ظل حصار دام أربع سنوات، عانوا فيها الأمرين، وصلوا ليدخلو أرغفة الخبز بتوابيب الأموات، ولم يرحلوا، وكذلك في أحياء الشام القصاع وباب توما وغيرها. الثبات صنع النصر، ولا شيء سوى الثبات. 

التحديات والمتطلبات...

اللحظات الأخيرة صعبة دائماً وتتطلب الصبر الأكبر والخسائر اليوم باتت موجعة جداً. المطلوب اليوم الاستمرار في هذا الثبات، إنه مكلف نعم، والأنظار اليوم إلى إدلب، وقلوبنا مع أهلنا المنتشرين على تخومها، الصمود يحتاج إلى سلاح واقتصاد... 

التحدي الثاني في المنطق المحررة هو العودة ثم العودة ثم العودة الفورية والسريعة. الظروف صعبة نعم، ولكن التحرير لا يكتمل من دون العودة والفراغ يخلق العدم والموت، تعالوا لنعود معاً، عودة جماعية تهون بها الصعاب. نأكل معاً نجلس معاً نبني معاً، فبالإتحاد قوة، تعالوا نقيم الجمعيات في أبرشياتنا بادارة مدنية واشراف كنسي، لنتضامن ونتكافل، اقتصادياً، ثقافياً، نفسياً، واجتماعياً، ونعيد بناء ما هدمته يد الغدر والاجرام. تعالوا نعود ونعود الآن لنعيد بناء الحياة أولاً ولو من بين الأنقاض والركام، تعالوا نعود فالعودة جميلة وأحياؤنا جميلة وذكرياتنا جميلة. 

 

المقاومة والثبات والعودة، مرتكزات ثلاث للنهوض من الأزمة الحالية، يليها مباشرةً التكافل الاجتماعي والتخطيط الاستراتيجي،.. هكذا نبدأ الاعداد للمواجهة المقبلة وهي حتماً وللأسف مقبلة !!

  • نائب رئيس حزب "المشرق" وكانت له جولة في سوريا قبل أيام على خطوط المواجهة في ريف حماه الشمالي