الحادث ضخم وخطير، ويحمل رسائل عديدة وخطيرة، فالأسقف الراحل أحد تلاميذ الأب متى المسكين والذي سار على نفس تعاليمه. وقد تعرض "المسكين" لهجوم ورفض لعدد من أساقفة الكنيسة منذ الراحل البابا شنودة الثالث وحتى اليوم، بسبب أرائه الفكرية ودعوته للوحدة بين الكنائس وإصلاح للفكر المسيحي المصري المعاصر، والذي كان دائماً يؤكد على أن غياب المفاهيم كالحق والعدل والسلام والمحبة يرجع إلى عدم وجود الوحدة المسيحية الحقيقية.

 

شهيد التنوير والإصلاح

وقد سام البابا تواضروس الثاني الأنبا أبيفانيوس أسقفاً ورئيساً للدير في 2013، بعد انتخابات داخلية أجراها الرهبان لاختيار رئيسهم. الراحل كان أحد علماء اللاهوت في العصر الحاضر، وله العديد من الدراسات والمؤلفات والأبحاث. وقد اهتم الأسقف الراحل بالمخطوطات، وكان باحثاً نشطًا وترجم عدة أسفار من الكتاب المقدس من اللغة اليونانية إلى العربية، إلى جانب الكتاب التاريخي القديم "بستان الرهبان"، وتولى رئاسة الدير بعد فتره طويلة من وفاة الراحل الأب متّى المسكين في 2006.

 

د. لؤي محمود: أبيفانيوس عالم متعمق ويتمتع بثقافة موسوعية

في وداع الأسقف الراهب، كتب الدكتور لؤي محمود سعيد، مدير مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية، عن رئيس دير أنبا مقار:

"الأنبا إبيفانيوس: ظل هذا الاسم مجهولًا لكثير من المصريين حتى صبيحة يوم الأحد ٢٩ يوليو فغالبية المسيحيين والمسلمين لم يسمعوا عنه، وكثير ممن سمعوا اسمه لم يعرفوا عنه أكثر من كونه رئيس دير أبو مقار الشهير.. لكن فجأة، وبسبب النهاية المؤلمة لحياته، أصبح محور اهتمام الجميع. لم يكن هذا الأسقف المتواضع البسيط مشهورًا، ولم يكن نجمًا لامعًا تتسابق إليه القنوات والإعلام. لذا كان وقع المفاجأة كبيرًا على الغالبية. فقد اكتشفوا فجأة أنهم أمام قامة استثنائية على المستوى الإنساني والعلمي والكنسي. فمن سيل الكتابات التي تسابق أصحابها إلى سرد حكاياتهم معه تكشفت أمور خافية كثيرة، وتشكلت أمام الأعين صورة فريدة لم يكن معها يدرك كثيرون حجم هذه الشخصية وقيمتها.. فبدأ ينجلي بوضوح مقدار الخسارة التي منيت بها مصر بفقدان هذا الراحل الجليل.

 

وتابع "لؤي": جمع هذا الراهب صفات يندر أن تجتمع في شخص ما. فهو الإنسان البسيط المتواضع الذي يكره الأبهة والأضواء. وهو العالم الباحث المتعمق الذي يجيد لغات قديمة وحديثة عدة ويتمتع بثقافة موسوعية واسعة، ولديه عشرات الأبحاث والكتب والترجمات العميقة، والتي أبهرت محافل العلماء في مصر والعالم. كان رائدًا من رواد العقل وليس النقل، مجتهدًا في التفسير والتحليل بانتمائه لجامعة دير أبو مقار التي أسسها أبوه وأستاذه الراحل القمص متى المسكين. وهو اللاهوتي المحدث المجدد، الذي يستلهم روح وفكر كتابات الآباء بدون تكرار واستنساخ. وهو الإنسان الحنون المحب الذي يصعب عليك أن تلتقيه ولو لمرة واحدة دون أن تستشعر انجذابك إليه من فرط محبته وصفاء سريرته، حتى وإن كنت مختلفًا معه في الرأي أو العقيدة. كان ملائكي التكوين يأسرك بابتسامته الصافية الحقيقية التي لا تفارق وجهه.. لم يكن الأنبا ابيفانيوس نجمًا إعلاميًا، ولا شخصية مشهورة في حياته. لكنه بالقطع يمثل علامة فارقة في الفكر المصري المعاصر، لأنه كان يحمل في قلبه وعقله (الذي اغتالوه بتحطيمه) قضية ورسالة أفنى حياته من أجلها: حفظ التراث، ونشر العلم، وإشاعة المحبة والتسامح بين المصريين. قضايا جديرة بأن يتبناها الإعلام المصري ويقدمها للناس، ويمنح الفقيد الجليل بعد موته بعضًا من حقه المهضوم في حياته مثله مثل الكثير من القامات التي تعيش بيننا، ولا ندرك قيمتها إلا بعد أن تغادرنا.

 

رسائل من البابا للرهبان

وفي وداعه، وجه البابا تواضروس الثاني رسائل مباشرة لرهبان وكهنة الكنيسة الأرثوذكسية؛ وقال البابا في عظته بالصلاة على جثمان رئيس دير أبو مقار "إن الرهبنة قامة روحية ويجب أن تكون لامعة، وإن كنا تعرضنا لهذا الحدث وعزتنا فيه كل الكنائس، ولكن رحيله وهذا المصاب الذى أصاب كنيستنا وديرنا أمر ليس يسيرا وإنما كما قولت نؤمن بالله ضابط الكل.. لقد اختطف من بيننا وصار كالزهرة النيرة، وصار فى السماء، وماذا ستجنى ماذا ستجنى سوى التراب، فالأنبا إبيفانيوس أعطانا عظة كاملة بحياته، فلنتب يا إخوتى لأننا عندما نقف أمام الله لم نجد ما نقوله إلا بتوبتنا.

ووجه البابا نصائح عدة إلى رهبان دير الأنبا مقار قائلاً: "أرجو لآباء الدير السلام فى قلوبهم فأنتم رهبان تنتمون لهذا الدير العريق وشيوخه فأنتم تلاميذ القديس مكاريوس الكبير، لا تنتموا لأى أحد آخر.. وعندما دخلتم الدير وصار بينكم شيوخ الجميع ينتمي لأب الرهبنة الكبير فاحفظوا سلامكم ورهبنتكم وأخرجوا منكم أى انحراف بعيد عن هذه الرهبنة التي هي أمانة فى حياة كل منا.. فلتحفظوا السلام والهدوء والمحبة بينكم وتطردوا على كل ضعف. ونحن نتنظر نتائج التحقيقات ولم نصل إلى شيء".

وشدد في رسالته حول منع الظهور الإعلامي: "الرهبان ليس من حقهم الظهور الإعلامي بأي صورة من الصور، فقد انقطعتم عن العالم من أجل أبديتكم وخلاصكم ليحفظكم إله السلام ويحفظ الدير".

 

 12 قراراً صارماً

الحادث حتى هذه اللحظة لا زال لغزاً غامضاَ، حتى تنتهي التحقيقات بكشف إسم الجاني للرأي العام، وعليه أصدرت لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة بالمجمع المقدس في جلسة خاصة برئاسة البابا، وأسفرت المناقشات الواسعة عن إصدار 12 قراراً، وقد وصف البعض هذه القرارات بالثورية والتي تحافظ على الرهبنة المسيحية نقية بعيدة عن أي صراعات او اهتمامات خاصة.. وكانت القرارات كالتالي:

  • وقف رهبنة أو قبول أخوة جدد فى جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018 م.
  • الأماكن التي لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة سيتم تجريد من قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأى أديرة جديدة إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، ويتم ذلك من خلال رعاية دير معترف به (عامر).
  • تحديد عدد الرهبان فى كل دير بحسب ظروفه وإمكانياته وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية وتجويد العمل الرهباني.
  • إيقاف سيامة الرهبان فى الدرجات الكهنوتية (القسيسية والقمصية) لمدة ثلاث سنوات.
  • الالتزام بعدم حضور علمانيين على الاطلاق في الرسامات الرهبانية لحفظ الوقار والأصول الرهبانية الأصيلة.
  • تستقبل الأديرة الزيارات والرحلات طوال العام باستثناء فترة صوم الميلاد والصوم الكبير فتكون أيام (الجمعة والسبت والأحد) فقط من كل أسبوع والتحذير من زيارة الأماكن غير المعترف بها وهى مسئولية الإيبارشيات والكنائس.
  • الاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير واهتمامه بأبديته التى خرج من أجلها ودون الحياد عنها.
  • كل راهب يأتي بالأفعال التالية يعرض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت وإعلان ذلك رسميًا:

أ‌- الظهور الاعلامي بأي صورة ولأي سبب وبأي وسيلة.

ب‌- التورط في أي تعاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره.

ت‌- التواجد خارج الدير بدون مبرر والخروج والزيارات من دون إذن مسبق من رئيس الدير.

لا يجوز حضور الأكاليل والجنازات للرهبان إلا بتكليف وإذن رئيس الدير بحد أقصى راهبين.

إعطاء الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق أي صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي والتخلي الطوعي عن هذه السلوكيات والتصرفات التي لا تليق بالحياة الرهبانية وقبل اتخاذ الإجراءات الكنسية معهم.

مناشدة جموع الأقباط بعدم الدخول فى أي معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات وعدم تقديم أى تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير أو من ينوب عنهم.

تفعيل دليل الرهبنة وإدارة الحياة الديرية الذى صدر من المجمع المقدس فى يونيو 2013 وهى مسئولية رئيس الدير ومساعديه.

 

الشائعات والبلبلة

منذ مقتل الأنبا أبيفانيوس، والشائعات والبيانات التي يتم تداولها البعض حول غموض مقتل الأسقف ورئيس الدير، إلا أن الحدث برمته حمل قصص وحكايات طويلة، يعيشها المسيحيين هذه الأيام والتي أدت لحالة من التخبط.

وفي محاولة لإثارة البلبلة وزيادة الأجواء سخونة، تم تداول بيان على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل أنه منسوب لأقباط أمريكا، مفاده "أن رهبان دير أبو مقار، أرسلوا استغاثة لهم تفيد تعرضهم للتعذيب على يد الأمن يعذبون لإجبارهم على الاعتراف والحصول على معلومات بشأن مقتل الأنبا أبيفانيوس"..

وكانت الحقيقة التي علمنا بها من خلال أحد رهبان دير أبو مقار عكس ذلك تماماً، حيث أكد الرهبان أن النيابة والأمن الوطني يتعاملون معهم أفضل معاملة وما يتم ترويجه من البعض ما هو إلا شائعات وإفتراء. أيضاً من بين الشائعات التي رددها البعض بأن الأمن يقوم بالعبث بمتعلقات الرهبان ووصل الأمر لدخولهم الهيكل المقدس، وهو الأمر الذي نفاه الرهبان أيضاً.

 

وعلى صعيد متصل، أكد المحامي نجيب جبرائيل، بعد زيارة ميدانية للدير، أن رجال الأمن والنيابة العامة وأجهزة البحث الجنائي وكافة الأجهزة المعنية تتعامل مع جميع الرهبان على أعلى مستوى من الاحترام والتقدير ولخصوصية المكان ولطبيعة العمل الرهباني، وأن الجهات المعنية سالفة الذكر لم تحاول اختراق خصوصية الدير من نحو الأماكن المقدسة أو المخطوطات او المذابح او تبحث في أمور تفيد التحقيق، وأن تفتيش قلالي ومساكن الرهبان كان فقط بمعرفتهم وبحرص واحترام شديد وبقصد الإطلاع فقط بما يخدم التحقيقات، وأن رجال الأمن من النيابة كان عملهم قاصرا فقط على التحري والتحقيق والمعاينة فيما يخص واقعة اغتيال رئيس الدير دون التطرق مطلقا لأحوال الدير مثل حساباته أو ممتلكاته أو انتاجات الدير أو خلاف ما ذكر.

وقال "جبرائيل" إن التحقيقات مع الرهبان وصلت الى ساعات طويلة يمكن أن تصل لأكثر من ثمان ساعات او اكثر وربما لأكثر من فترة ولكن فقط أسئلة تخص تلك الواقعة وربما يعاد التحقيق مع الراهب مرة أو اكثر، ولم تحدث أي وقائع للتعذيب البدني أو المعنوي أو الإيذاء من أي نوع او حتى حجز الرهبان او إخراج أي لفظ لا يفيد التحقيق، علاوة على أن البابا تواضروس يتابع التحقيقات أول بأول.

 

تواضروس يُعيد الثقة لتلاميذ أبو مقار

 "الأب متى المسكين هو مثال مضيء فى تاريخ الرهبنة" هذه العبارة كتبها نظير جيد، والذي أصبح البابا شنودة فيما بعد، في مقدمة كتاب "حياة الصلاة الأرثوذكسية" للأب متى المسكين، إلا أن العلاقة بين البابا والراهب شهدت ترجحاً على الرغم من العلاقة بين البابا "نظير جيد" و"الراهب متى المسكين أو يوسف إسكندر" علاقة قديمة ترجع إلى خدمتهم سويا "بمدارس الأحد". وقد بدأ الخلاف بين متى المسكين والبابا شنودة منذ اللحظة التى ترك فيها (الأنبا شنودة) مغارة التوحد فى وادى الريان وعودته إلى دير السريان وبعدها رسمته أسقفًا للتعليم فى ٣٠ سبتمبر 1962.

والخلاف بين البابا شنودة و"متى المسكين"، امتد من الجوانب العقائدية والفكرية ليشمل الجوانب الشخصية. كما قام البابا بإصدار كتاب بدع حديثة الذى ينتقد فيه البابا بعض أفكار "الأب متى"، إلا أنه وحتى وفاة الأب متى لم توجه له أى اتهامات بالخروج عن الكنيسة، وكانت هناك قطيعة بين البابا والدير الذي يرأسه الأب متى، ولم يذهب البابا للدير إلا بعد وفاة الأب متى المسكين، وقام وقتها بإلباس بعض الرهبان "القلنسوة المشقوقة" فيما رفض آخرون الخروج ومقابلة البابا.

واتخذ "الأب متى" منهجًا خاصًا به يتمركز على عدة أسس منها أن الكنيسة ليست مؤسسة الأقباط أو جامعة الدين والهوية، وأن المسيحية ليست جنسية قومية بديلة، وضرورة ضبط الحدود بين الطقوس الدينية والأدوار السياسية.

ومنذ أن تولى البابا تواضروس الثاني، بطريرك الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية، سدة كرسي ما رمرقس وأخذ على عاتقه إصلاح بعض الأمور العالقة، والتى تركها البابا شنودة الراحل منها قضية دير أبو مقار في وادي النطرون. وخلال زيارته في 2013 وقع البابا تواضروس، في دفتر زيارات دير أبو مقار قائلا: سعدت فى هذا اليوم المبارك بزيارة دير أبو مقار العامر ببرية وادي النطرون وقمت بزيارة كنائس الدير والمكتبة والمطبعة والمرافق الخاصة به.  وأضاف: كما سعدت بأن يكون هذه العام الأول لتذكار رسامة أخي الأنبا أبيفانيوس رئيسًا للدير ضمن السيمات التى قام بها ضعفي، فيما قال مصدر كنسي إن البابا التقى برهبان الدير فى اجتماع مغلق تحدث فيه عن محبة رهبان الدير للكنيسة. وقال إن الدير هو فخر الرهبنة ومنارة للكنيسة، مشيرا إلى أن الرهبان غير المصريين يحضرون خصيصًا من بلدان العالم لدير أبو مقار للتعلم فيه، واستطرد قائلاً: الدير قد مر بفترة صعبة لكننا نعرف محبة رهبان الدير وخدمتهم للكنيسة.

رانيا نبيل صحفية مصرية وأرسلت هذا المقال المنشور في صحيفة "الأهالي" المصرية إلى "اليوم الثالث".