يعيش لبنان ومنطقة المشرق مرحلة مصيرية. ترهص بالتحديات والمخاطر، بقدر ما تحمل من الفرص والسوانح. كأن بلداننا ودولنا وشعوبنا، تقف اليوم على مفترق التاريخ. بين أن تأخذ جادة العصرنة والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان فرداً وجماعة، وبين أن تنزلق إلى دهاليز التخلف والماضوية والظلامية. ولا نبالغ إذا قلنا أن معيار التمييز بين الخيارين، ومفتاح الاختيار بين الطريقين، هو مصير المسيحيين في لبنان، وبالتالي مصير المسيحيين في المنطقة.

يدرك اللقاء المسيحي أن إحلال السلام في منطقتنا وأوطاننا، بما يضمن خير كل إنسان وكل جماعة، إنما هو عملية مركبة، فيها أربع مسؤوليات مترابطة:

إنها أولاً مسؤولية بعض إدارات الغرب في سياساته حيال منطقتنا وقضاياها. هذا البعض الذي اختزل شرقنا في مسألتين: تأمين مصالحه الاقتصادية، وحماية اسرائيل، على قاعدة تكريس تجاهله المزمن للحقوق العربية المشروعة. وأولها حق فلسطين في أن تكون دولة ذات سيادة، لشعب مستحق الكرامة والحرية والاستقلال. وهو ما أوجد في منطقتنا منذ عقود، واقعاً من الظلم وغياب العدالة، ولّد مناخات من العنف والكراهية والحقد. مناخات غالباً ما تشظت في كل الاتجاهات، فأصابت مسيحيي المنطقة كما كل أبنائها.

ثم إنها بالتالي مسؤولية اسرائيل، وهي مسؤولية مزدوجة: مسؤولية فعل قيامها ككيان عنصري غاصب، نقيض للأوطان الشرعية وللمجتمعات التعددية. ومسؤولية ردود الفعل عليها. هذه الردود التي غالباً ما تحولت ذرائع لقيام أنظمة استبدادية، أطاحت بحقوق إنسانها وبالديمقراطية والتنمية معاً، ولم تخدم قضية فلسطين قط.

ثم هي ثالثاً مسؤولية المسلمين، شركاء المسيحيين في الوطن والمصير. مسؤوليتهم في ألا يغفلوا عن اتجاه بعض معتقداتهم ومجتمعاتهم نحو الأصولية العنفية، بالفكر أولاً، وبالفعل لاحقاً. وفي ألا يرتضوا هيمنة تلك الأصوليات عليهم وطغيانها على انفتاحهم وتطورهم. وألا يتغاضوا عن مخاطر هجرة مواطنيهم المسيحيين ونزفهم الجماعي، كي لا تتحول مجتمعاتهم نحو الأحادية القاتلة.

وهي أخيراً مسؤولية المسيحيين، في أن يرفضوا الشعور بالعجز عن تقرير مصيرهم. وفي أن يكونوا مبدعين خلاقين في مواجهة أزماتهم. فلا يقعوا في الذمية المقنّعة، ولا في الانعزالية غير المقنعة. فالذمية تدفعهم إلى خسارة ذاتهم. والانعزالية تجعلهم يخسرون رسالتهم. لأن الوجود المسيحي يحتاج إلى الذات المسيحية كاملة شفافة غير منقوصة ولا مشوهة. فيما الرسالة المسيحية تحتاج إلى الآخر، وخصوصاً الآخر المختلف، لتجسيد شهادة المسيحي وإشعاعه لقيم الإنجيل ومحبة المسيح. من دون الذات ينتفي الوجود. ومن دون الآخر تختفي الرسالة. فيما وحده تزاوج الاثنين معاً يحقق الحضور المسيحي الكامل والضروري والمنشود. حضور أقامنا التاريخ أمناء عليه وشهوداً من أجل تحقيقه. لا بالذمية ولا بالانعزالية. بل في حياة شركة كاملة ومحبة كاملة مع الاخر.

 

إزاء تلك المسؤوليات الأربع، يظهر سريعاً أن اثنتين منها بعيدة نسبياًعن قدرة تأثيرنا. لكن اثنتين أخريين هما من صميم مسؤولياتنا وفي طليعة واجبات شعوبنا ومجتمعاتنا. فإذا كنا عاجزين عن تغيير سياسات الغرب، وإذا كنا في مواجهة مفتوحة مع اسرائيل، فالحري بنا أن نطالب المسلمين والمسيحيين بأن يكونوا على قدر مسؤوليتهم التاريخية، في عدم ترك المشرق التعددي يندثر، وعدم ترك مسيحييه يموتون أو يُهجّرون أو يهاجرون.

إن التطورات التي شهدتها منطقتنا في الأعوام الثلاثة الماضية، أثبتت أكثر فأكثر، أن الحضور المسيحي في بلدان المشرق، هو حق إنساني طبيعي أولاً. وهو واجب أخلاقي على كل أبناء المنطقة والعالم ثانياً. وهو خصوصاً ضرورة من أجل سلام كل من هذه البلدان، ومن أجل سلام المنطقة، لا بل من أجل سلام العالم كله ثالثاً. هذا المنطق الحقوقي والأخلاقي والسياسي، هو تماماً ما قالت به الشرعية الدولية والقانون الإنساني الدولي. وهو ما قصده "الإعلان العالمي بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية"، الذي أقرته ونشرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1992، حين أكد "أن تعزيز وحماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، يسهمان في الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول التي يعيشون فيها". وأن من شأنهما "أن يسهما في تدعيم الصداقة والتعاون بين الشعوب والدول". وهو ما جعل الإعلان الدولي نفسه يشير إلى أن "للأمم المتحدة دوراً مهماً تؤديه في حماية الأقليات".

فكيف الحال ومسيحيو منطقتنا ليسوا أقليات عددية. فمقاربتنا لقضية مسيحيي المشرق، ليست مقاربة رقمية دونية ولا نوعية عنصرية. إنها مقاربة المصير المشترك، لأن تفاعلنا وشركائنا في أوطاننا، هو في أساس وجودنا ورسالتنا وفي صلب نضالنا في كل حين. ولأن مسيحيي المشرق هم أبناؤه الأصيلون، وهم من أصحاب الأرض والهوية، ومن بناة أوطانه وهم أصل بعض أسمائها في أكثر من مكان، وعبر كل الأزمان. وهم منذ ألفي عام على الأقل، رواد حضارة ومحبة وشراكة وحرية وكرامة. فلا هم رأس جسرٍ لمحتل، ولا مستوطنون مستورَدون غب الطلب، ولا جالية صليبية، ولا مستعمرون، ولا متغربون، ولا غرباء. إنهم نور الشرق، وسراج منارته، وخمير الخير فيه، وملح خبز أحراره وأبراره.

 

ولأن الأمور بلغت لحظة مصيرية لجهة الأخطار المحيقة بمسيحيي المنطقة، كما شهدنا ونشهد في فلسطين والعراق ومصر وسوريا وغيرها من أوطاننا، قرر اللقاء المسيحي أن يرفع الصوت عالياً. عملاً بوصية يوحنا بولس الثاني في رسالته إلينا في الأول من ايار 1984: "إعرفوا دونما سذاجة، كيف تثقون بالآخرين (...) لكن لا تكونوا خجولين أبداً، حين يقتضي أن تدافعوا عن حرياتكم، وخاصة عن حرية القيم الانجيلية التي تحيونها معا". ولأن الخطر والخجل معاً موت محتم، يعلن اللقاء المسيحي إن وجود مسيحيي المشرق في خطر. وإن زوالهم من أرضهم، أياً كان السبب أو المسؤولية، سيؤدي إلى إغراق منطقتنا في حروب لا تنتهي، وسيجعل الغرب على تماس عنفي صدامي دائم مع الشرق. تماس ستدفع الإنسانية جمعاء ثمنه. إن وجود مسيحيي المشرق، هو ضرورة لقيام مفاهيم السماح والعدالة والسلام في بلدان المنطقة. هذه المنطقة التي شكلت دوماً أحد أبرز محاور حركة التاريخ وسياسات العالم. وبالتالي، فوجودنا كمسيحيين أحرار في أرضنا وأوطاننا وبين شركائنا ومواطنينا، لهو أكثر من ضرورة للأمن والسلم الدوليين.

والحضور المسيحي في منطقتنا، مرتبط مباشرة بالحضور المسيحي في لبنان. وذلك لأسباب تاريخية ونفسية وواقعية، يسلم بها كل المسيحيين، كما كل من يستهدفهم. تماماً كما قال البابا الراحل أيضاً، في رسالته إلى أساقفة الكنيسة في العالم، في 1 ايار 1984، من "أن ازدهار المسيحية في لبنان لهو شرط لوجود الجماعات المسيحيَة في الشرق الاوسط".

 

فالحضور المسيحي في المنطقة يتطلع من أجل ضمانه النهائي، إلى ديمقراطية إنسانية توافقية تشاركية وحضارية، تسود في كل بلدان المنطقة وأنظمتها، وترتقي إلى حدود الميثاق النهائي. لكن الديمقراطية الحقيقية ليسن صندوق اقتراع وحسب. بل هي في الأصل والغاية شرطان: أولاً تداول السلطة، بين الأفكار، لا الأشخاص وحسب. وثانياً ضمان حقوق الإنسان الطبيعية والأصيلة وغير القابلة للتنازل عنها، أياً كانت السلطة القائمة. فصندوق الاقتراع الذي لا يؤدي حتماً إلى تداول الأفكار والأشخاص على السلطة، لا ينتج إلا ديمقراطية صورية. وتداول السلطة الذي لا يضمن حقوق الأفراد والجماعات في شكل ثابت نهائي، ليس إلا استبداداً مستتراً. لذلك يؤكد اللقاء المسيحي، أن مسيحيي المشرق يتساوون اليوم مع كل مواطنيهم في كونهم، كأفراد، ضحايا غياب الديمقراطية. لكنهم يتفردون أيضاً في كونهم، كجماعات وطنية أصيلة، ضحايا غياب مفاهيم الحق في الاختلاف والتعدد الخلاق والسماح المبدع، وضحايا رفض الآخر المختلف كمفهوم وكواقع.

وهو ما يقتضي من دول المنطقة ومجتمعاتها وشعوبها، السعي الحثيث والشجاع من أجل إقامة ديمقراطيات صحيحة، تشكل الحل الأمثل لضمان خبز كل إنسان وكرامته. ولكن وفي غضون ذلك، مطلوب من دول المنطقة ومجتمعاتها، الآن وفوراً، إعلان استنفارها الشامل من أجل الدفاع عن مسيحييها. حتى اعتماد سياسات التمييز الإيجابي حيال هؤلاء، من أجل بقائهم عنصر توازن وسلام لمجتمعاتهم وللمنطقة والعالم. بدءاً بتكريس القانون الإنساني الدولي وحده، كمرجعية حصرية لحقوق الإنسان وحرياته في هذه البلدان. من حرية الضمير والاعتقاد والفكر، وصولاً إلى الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، الخاصة والعامة كافة.

 

أما في لبنان، فللمسألة أبعاد أخرى، وأهمية خاصة. ذلك ان لبنان هو الوطن الوحيد في العالم حيث تتساوى الحقوق والواجبات للمسيحيين والمسلمين، في دولة واحدة. فإذا لم ينجح التعايش في لبنان بين المسيحية والاسلام، فأي تعايش لكرة ارضية يقطنها نحو ملياري مسيحي ومليار ونصف مسلم؟ إن الحضور المسيحي في لبنان يقتضي توافر مقتضيات ثلاثة:

 

أولاً، تحقيق سيادة الدولة. وهي السيادة المهددة اليوم نتيجة عدم قيام حل عادل وثابت لقضية الشعب الفلسطيني. مع ما يعني ذلك من أخطار توطين واستمرار عدوان وأطماع في الأرض والمياه والثروات الوطنية. كما هي مهددة راهناً نتيجة الأحداث السورية، مع تداعياتها المختلفة عندنا، من نزوح وعبء اقتصادي وأمني واجتماعي.

ثانياً، ضمان توازن الجماعات اللبنانية في المجتمع وتساوي شراكتها في الحكم والنظام. وهو ما كرسه الميثاق ولم يحترمه الواقع ولا الممارسات.

وثالثاً، صون حرية المواطن، في كل جوانب حياته الخاصة والعامة.

هي ثلاثة أقانيم في وطن واحد: سيادة الدولة وتوازن الجماعات وحرية المواطن، في لبنان متعدد في خصوصيته، متنوع في وحدته. بها يتحقق التساوي في الاختلاف. وبمقتضاها يتوجب علينا جميعاً النضال من أجل تحقيق الآتي:

أولاً، الشراكة المتوازنة والمتعاونة،على مستوى بنيات الدولة اللبنانية كافة. رئاسة وصلاحيات، ونيابة وقانون انتخاب، وحكومة وميثاقية حكم، وصولاً إلى إدارة عامة لا فساد فيها، ولامركزية كاملة في التنمية والواجبات والحقوق.

ثانياً، الدفاع عن الشراكة نفسها، على صعيد أنشطة المجتمع من دون استثناء. في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتربية والعيش الفعلي معاً. شراكة منفتحة مبدعة، بلا استقواء بخارج من أجل إقامة هيمنة، ولا استعداء لخارج بغية صناعة أوهام.

ثالثاً، الدفاع عن مقومات هذه الشراكة، في مقومات الوجود الأساسية، وخصوصاً في الديمغرافيا والجغرافيا. بحيث لا يطغى عدد ولا تضيع أرض.

هذه المقتضيات الثلاثة، هي ما عملت عليها اللجان المنبثقة من اللقاء المسيحي، ووضعت لها أوراق عمل كاملة. نكتفي في هذه الوثيقة بعرض خلاصاتها وتوصياتها، وهي التي كتبت في ضوء "نور الشرق"، تلك الرسالة التي قالت فيها الكنيسة لنا وعنا، "أن رجال الشرق ونساءه علامات لنا من السيد الرب الذي سيأتي"، وبأنه "كل يوم من الشرق تبزغ شمس الرجاء، النور الذي يعيد الحياة الى الجنس البشري".

 

 

- المسيحيون والميثاق: قانون الانتخاب

ان ما يميز لبنان في ديموقراطيته البرلمانية عن سواه من الدول التي تعتمد هذا النظام السياسي، ان لبنان لا يزال يعيش منذ 1926 في ظلّ مرحلة انتقالية، هي طوائفية بامتياز، على ما ورد صراحة في المادة 95 من الدستور الذي جعل من الطوائف مكونات الوطن الواحد.

أمّا اتفاق الطائف، فلقد كرّس مرحليا هذه السمة الطوائفية، سالكا مسلكين معا: مسلك الابقاء على المرحلة الانتقالية، ومسلك انهائها بالقضاء على الطائفية وفقا لآلية واهداف محددة، أضيفت لاحقا الى المادة 95 من الدستور بموجب القانون الدستوري لعام 1990. تجلّى هذا المنحى بمضامين كثيرة، منها ما أفرده الاتفاق من بند لقانون الانتخابات النيابية، الذي يجب ان يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، كل ذلك في اطار وحدة الارض والشعب والمؤسسات.

أما الدستور، فلقد أعطى في متنه ترجمة عملية لصحّة التمثيل السياسي وفعاليته وفقا للمفهوم الميثاقي اعلاه، بأن نص في المادة 24 منه، التي تناولها التعديل الدستوري لعام 1990، على ان توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين (أي على اساس المذاهب)، ونسبيا ايضا بين المناطق.

يبقى ان سؤالا يطرح ذاته بذاته: طالما ان نقطة الانطلاق الالزامية لآلية الغاء الطائفية، بدءا من الطائفية السياسية، تبدأ حين انتخاب مجلس نواب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، فلماذا لم يبادر مجلس النواب، بعد ان انتصف عدد اعضائه بين المسيحيين والمسلمين، الى اتخاذ اجراءات الالغاء هذه، على ما ورد في المادة 95 من الدستور؟ ان الاجابة البديهية لا تحتمل الجهد او الاجتهاد : ان مجالس النواب المعينة جزئيا او المنتخبة بعد الطائف لم تتأمن فيها يوما المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين، كي تهدأ النفوس ويقف العد وتستكين كل طائفة الى دورها ومصيرها.

ان هذه المرتكزات الميثاقية والدستورية لمقاربة قانون الانتخاب الواجب اقراره، انما هي مرتكزات بمثابة المسلمات والثوابت الوطنية التي لا يمكن على الاطلاق التلاعب بها او الالتفاف عليها او التغاضي عنها لأي سبب من الاسباب، وذلك من المنطلقات التالية:

 

اولا: ان خصوصية كل طائفة في لبنان هي واقع متجذّر في حياتنا العامة، كما الاشكاليات النفسية والسياسية الناجمة عن تعايش هذه الخصوصيات معا تحت سماء واحدة وعلى ارض واحدة موحدة وفي ظل دولة مركزية قوية، وفقا لما ورد في وثيقة الوفاق الوطني. لذلك، ان من شأن تجاهل هذا الواقع أو تجاوزه، مناهضة ميثاق العيش المشترك وهدر امكانية الانتهاء من المرحلة الانتقالية الطوائفية وجنوح الخصوصية الى ما نبهت اليه مقدمة الدستور من محظور، أي التجزئة والتقسيم، بفعل التقوقع واستحالة التفاعل والاندماج مع سائر الخصوصيات اللبنانية.

 

ثانيا: ان عنوان وثيقة الوفاق الوطني العريض هو العيش المشترك والشراكة الحقيقية في صناعة القرار الوطني تحت طائلة لا شرعية أي سلطة تناقض هذا الميثاق. الا ان هذه الشراكة اضحت شركا بدل ان تكون مشاركة، وقد ارتكب بإسمها وبحجتها اكثر من معصية، لا سيما في معرض اناطة السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء مجتمعا بعد انتزاعها من رئيس الجمهورية الذي كان يتولاها بمعاونة الوزراء. من هنا، ان الشراكة الفعلية في صناعة القرار الوطني، والتي تفترض حتما رئيسا قويا للجمهورية بمعايير تمثيل المكون الذي ينتمي اليه، سينعتق عنه الى رحاب الوطن الواحد الموحد، ومناصفة فعلية وفاعلة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب، وعدالة تمثيل المكونات الطوائفية في الحكومة، انما تقع ايضا موقع التعويض عن خسارة المسيحيين السلطة التنفيذية التي كانت تعتبر من قبلهم ضمانا وليس امتياز. ان فقدان الدور في الحياة العامة يمهّد حكما لانتفاء الوجود.

 

ثالثا: تكثفت المناطق الرمادية في دستور ما بعد الطائف امعانا في غلّ يدي رئيس الدولة، واصبحت مكامن الخلل والزلل في ممارسة السلطة الاجرائية مصدرا للازمات المستمرة والعصيّة على المقاربات العلاجية من داخل السلطات الدستورية او من خارجها، ومنها:

1- تحديد نصاب حضور جميع جلسات مجلس النواب المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية والاكثرية الموصوفة للانتخاب.

2- تقييد رئيس الجمهورية، بخلاف رئيس مجلس الوزراء كما الوزراء، بمهل محددة ومحدودة لإصدار القوانين والمراسيم وطلب نشرها.

3- افتقار رئاسة الجمهورية، وهي رأس السلطات، الى قانون تنظيمي تنهض عنه مؤسسة رئاسة الجمهورية.

4- افتقار مجلس الوزراء، الذي ناط به الدستور مجتمعا السلطة الاجرائية، الى قانون تنظيمي من شأنه ان يعطي الاجوبة الحاسمة عن التساؤلات المتعلقة بآليات ممارسة هذه السلطة الجماعية.

5- غموض آلية الاستشارات النيابية الملزمة التي يسمّي بنتيجتها رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف.

6- تفلّت مهل التكليف والتأليف وتصريف الاعمال من اية ضوابط زمنية، واعتبار التصريف مرادفا لانكفاء السلطة الاجرائية بصورة تامة، وانسحاب هذا الخسوف على السلطة التشريعية، ما من شأنه عمليا تعطيل الدستور والحياة العامة وشلّ قدرة الدولة على التفاعل مع الاحداث والاوضاع القانونية الطارئة.

7- التباس علاقة رئيس الجمهورية برئيس مجلس الوزراء في اكثر من موقع.

8- كيف يكون رئيس الدولة هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، وهي تخضع لسلطة مجلس الوزراء؟؟

9- هل يعقل، في ظل نظام ديموقراطي برلماني، ان يستحيل حل مجلس النواب واعادة الامانة الشعبية الى المودع، عندما تتوافر ظروف او اسباب تبرر هذا الحل، في حين أن الممارسة تذهب في اتجاه معاكس بلغ حد تمديد مجلس النواب لنفسه؟

 

في ضوء كل ما سبق، لا يمكن على الاطلاق وبأي وجه من الوجوه ان يتخلى أي مكون من مكونات الوطن، في معرض الشراكة الميثاقية، عن آخر معاقل هذه الشراكة التي هي بمثابة الحصن الوجودي، أي التمثيل الفعلي والفاعل والعادل لجماعات لبنان – الوطن، وهي جماعات طوائفية بامتياز، في السلطة التي تنبثق منها رئاسة الدولة مباشرة، والحكومة بصورة غير مباشرة.

ان يفقد المسيحيون السلطة الاجرائية بحجة الشراكة المزعومة وجلّها زيف، وان يفتقر التمثيل النيابي الى العدالة والمناصفة الفعلية والفاعلة بين المسيحيين والمسلمين، أمر فيه كل التناقض والافتئات على حق المسيحيين وواجبهم في المشاركة الفعلية في صناعة القرار الوطني، حفاظا على ميثاق العيش المشترك والوطن الواحد الموحّد والجامع لكل مكوناته.

في ضوء ذلك يرى اللقاء أن المدخل الإلزامي للشراكة الحقيقية يكون بانتخاب رئيس للجمهورية، قوي في طائفته ووطنه، وبإقرار قانون انتخابي يؤمن المناصفة الفعلية والفاعلة. وكل ما دون ذلك إمعان في قهر المسيحيين واستمرار في تقهقر الوطن.

 

 

المسيحيون والسياسة الدفاعية: تحييد لبنان

 

يواجه لبنان تاريخياً أزمة انعكاس الصراعات الإقليمية والدولية على كيانه ودولته ومجتمعه وهذا ما يرتب تداعيات بالغة الخطورة. إذ إن هذه الصراعات الخارجية تتقاطع مع الإنقسامات اللبنانية المزمنة والتركيبة المجتمعية التعددية، وتتفاعل معها ما يؤدي إلى تعزيز الصراعات الداخلية، ولجوء فئات لبنانية إلى مراجع خارجية للحصول على دعم يقوي موقعها الداخلي. وهو ما يدخل لبنان في حلقة مفرغة من النزاعات مع تبدل مواقع القوى الداخلية وأدوارها. وفي العقد الأخير ازدادت حدّة الصراعات الخارجية وخاصة العربية والإسلامية منها، والتي تنعكس على لبنان وتضع البلد في حال انقسام وشلل وتوتر أمني وجمود اقتصادي. إن جوهر هذه الإشكالية، هو ما رسخ تاريخياً معادلة لبنانية ميثاقية، قالت بإجماع اللبنانيين على رفض استخدام لبنان مقراً أو ممراً لأي عمل عدائي على أي دولة عربية أو إسلامية، كما إجماعهم على رفض تعرض لبنان لأي عمل عدائي من أي دولة من تلك. وهو ما بلور ميثاقياً مبدأ تحييد لبنان عن هذه الصراعات. من دون أن يعني ذلك إطلاقاً، حياده في الصراع العربي – الإسرائيلي أو أي تبديل في موقفه الثابت من الحقوق العربية المشروعة، وأولها حق لبنان المطلق في أرضه وسيادته وثرواته، ومقاومة أي عدوان عليه، كما ينص ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

لذلك يتبنى اللقاء المسيحي الدعوة إلى تحييد لبنان عن الصراعات العربية والإسلامية. ويعتبر أن تحقيق هذا المطلب يجب أن يكون نتاجاً لقرار لبناني ميثاقي بامتياز، يتوجه إلى كل الجهات المعنية، إقليمياً ودولياً، لمساعدته على تجسيده وصيانته.

كما يؤمن اللقاء المسيحي بأن هذا التحييد للبنان، يجب أن يرتبط بسياسة دفاعية واضحة وفعّالة تقوم على بناء جيش محترف وقوي قادر على ردع اعتداءات إسرائيل وأطماعها كافة، وعلى حماية لبنان من كل المخاطر، وأولها خطر الإرهاب المتطرف والمعولم.

ويدرك اللقاء أن السياسة الدفاعية المطلوبة للبنان واحدة من أبرز المسائل التي ينقسم حولها اللبنانيون. إذ إن للبنان اليوم جيشاً نظامياً وطنياً صاحب عقيدة قتالية واضحة، غير أن السياسات الحكومية المتعاقبة حياله، حالت دون امتلاكه قدرات الردع الكافية في مواجهة الأخطار الخاريجة كافة. فضلاً عن تكليفه بمهمات كثيرة لحفظ الأمن في الداخل. وهناك إلى جانب الجيش قوة عسكرية منظمة، لكن غير تقليدية، تملك قوة ردعية أثبتت فاعليتها في أكثر من استحقاق وطني. هذا فضلاً عن تحديات المنظمات الإرهابية والسلاح المنتشر في داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، وفي أيدي فئات واسعة من اللبنانيين.

أدى هذا الواقع إلى ظهور وجهات نظر مختلفة حول سلاح المقاومة ودوره. وهنا يعلن اللقاء المسيحي أنه يفهم هواجس بعض اللبنانيين من مختلف الطوائف، حيال أي سلاح خارج عن سيطرة الدولة ومؤسساتها الشرعية. وهو يعتبر أن على سلاح المقاومة – بما يعنيه - واجب إزالة هذه الهواجس وطمأنة أصحابها. لكن اللقاء لا يفهم تحويل خوف مفهوم إلى عملية تخويف منظمة ومنهجية، من مخاطرها إمكان ضرب جماعات الوطن ببعضها، أو نزع رافد من روافد قوة لبنان ووحدته في مواجهة الأخطار المحدقة والدائمة. علماً أن اللقاء يدعو إلى أن يكون المسار النهائي لحل هذه الإشكالية، عبر بناء دولة فاعلة قادرة وعادلة، تملك جيشاً مؤهلاً لكل مهمات الدفاع عن لبنان.

 

 

المسيحيون ومقومات الوجود: الديمغرافيا والجغرافيا

 

1 – الارض: يعتبر اللقاء المسيحي أن عمليات بيع الأراضي والشقق السكنية بين مواطنين لبنانيين من مذاهب وطوائف مختلفة، مسألة مكفولة بالقانون والدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تؤكد الدولة اللبنانية التزامها به. لكن اللقاء يشدد على ضرورة ربط هذا الموضوع بمرجعية ميثاقية. مفادها ألا تكون عمليات البيع تلك، جزءاً من مخطط منهجي يهدف إلى تغيير في الهوية الديمغرافية أو الجغرافية، بما يشكل خطراً على الميثاق نفسه، وبالتالي على الوطن.

كما يتوقف اللقاء المسيحي عند تحول المسيحيين اليوم ضحية متمادية لنوعين من الارتكابات الخطيرة المخالفة لأي قانون: أولاً احتلال عشرات ملايين الأراضي المملوكة من المسيحيين. وثانياً عدم تطبيق القوانين المرعية في ما يخص تملك غير اللبنانيين للأرض اللبنانية.

تظهر الارقام الموثقة ان مجموع مساحات الأراضي التي يملكها مسيحيون لبنانيون، و الموضوع اليد عليها اغتصاباً واحتلالاً وعدواناً، يبلغ أكثر من 130 مليون متر مربع في كل أنحاء لبنان، مصادرة كلها من قبل أشخاص وجهات معروفة. وهو ما يؤدي إلى انحسار الانتشار المسيحي على امتداد جغرافيا الوطن، وإلى فقدان ثقة المواطن بدولته، نتيجة عجزها عن ضمان حق طبيعي ودستوري بديهي له، هو حقه في الملكية الخاصة. وهو ما يزيد من وتيرة الهجرتين المسيحيتين، داخل الوطن، وخارجه.

 

أما لجهة تملك غير اللبنانيين للأرض اللبنانية خلافاً للقوانين المرعية، فتظهر الأرقام أيضاً أن مجموع ما بات يملكه غير لبنانيين في شكل مسجل، بات يقارب 40 مليون متر مربع. والأهم أن هناك أكثر من ألف مرسوم يسمح بتملك غير اللبنانيين، يقتضي إلغاؤها بموجب القانون رقم ٢٩٦ /٢٠٠١، وذلك نتيجة انقضاء المهل الزمنية القانونية لاستثمار الأراضي المباعة لهؤلاء الأجانب، من دون القيام بذلك فعلاً. وهو ما يعني تحولها عمليات مضاربة عقارية غير قانونية. وهو ما يقتضي بموجب القوانين النافذة استرداد تلك الأراضي فوراً وتغريم شراتها. الأمر الذي تتلكأ الحكومات المتعاقبة في القيام به، في مخالفة متمادية للقوانين اللبنانية.

 

إن اللقاء المسيحي، حيال هذا الواقع، وتطبيقاً للقوانين اللبنانية ومبدأ التعامل بالمثل، يطالب بالتالي:

  • ضرورة أن تعلن السلطات اللبنانية كافة، خطة وطنية شاملة وحازمة، لاستعادة الأراضي المصادرة في كل لبنان. بما يتضمن ذلك من ضرورة استكمال المسوحات العقارية اللازمة، بدءاً من النقاط الحساسة حالياً. حتى لا يستخدم البعض غياب تلك المسوحات ذريعة لاحتلال الأراضي، بما قد يؤدي إلى فتن فعلية متنقلة.
  • التزام الجهات الحكومية المعنية بتطبيق القانون الحالي، والمبادرة إلى تنفيذ الخطوات القانونية اللازمة لاسترداد الأراضي المملوكة من أجانب خلافاً للقوانين اللبنانية.
  • مسارعة مجلس النواب إلى إقرار اقتراح القانون المقدم إليه منذ أعوام، حول تملك غير اللبنانيين.

 

 

2 – الديمغرافيا: يرى اللقاء المسيحي أن التغيير الديمغرافي الحاصل منذ أعوام طويلة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون نتيجة تطورات ديمغرافية طبيعية، ولا يمكن قطعاً عزوه إلى تبدلات عادية في حركة الجماعات اللبنانية. إن الخلل الديمغرافي الحاصل، ما كان ليبلغ حد الخطر لولا ممارسات منهجية مدروسة ومنظمة، لكنها غير قانونية ولا دستورية ولا ميثاقية. وفي طليعة هذه الممارسات محاولات الإضافات السكانية، من تجنيس غير قانوني، أو تكريس لأمر واقع ديمغرافي، بالتوطين الكامن أو التسلل الدائم. فضلاً عن محاولات الإنقاص السكاني، بالتضييق والتهجير العنفي أو الهادئ. كل ذلك يضاف إلى سياسات شاملة على مستوى الدولة طيلة عقدين، أمنياً واقتصادياً ومالياً وسياسياً وثقافياً، بدت وكأن غرضها الأساسي دفع اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، إلى ترك بلدهم وهجرته نهائياً.

في مواجهة هذا الخطر البنيوي، يطالب اللقاء المسيحي بالعمل فوراً على تحقيق التالي:

  • التطبيق الفوري والكامل لقرار مجلس شورى الدولة الصادر في مراجعة مرسوم التجنيس الممرر سنة 1994، ونزع الجنسية عن غير مستحقيها.
  • إقرار مشروع قانون استعادة الجنسية الذي أقره مجلس الوزراء أخيراً، لا سيما أن ثمة اقتراحاً لقانون مماثل قدم إلى مجلس النواب أيضاً منذ سنوات.
  • إقرار معاملات تسجيل اللبنانيين المقيمين خارج لبنان، والعالقة منذ سنوات طويلة، وتسهيل معاملات تسجيل الولادات.
  • والأهم في هذا المجال اليوم، إعلان استنفار الدولة اللبنانية بكامل قواها ومؤسساتها، من أجل مواجهة ظاهرة النزوح من سوريا إلى لبنان، الذي تحول بمعظمه إلى نزوح اقتصادي دائم، يقارَب رسمياً بسياسات تكرسه وتجذره وتؤدي إلى استيطانه في المجتمع اللبناني. إن هذه المشكلة هي وجودية كيانية بامتياز، وهي الأخطر في تاريخ لبنان الحديث، ويتوجب على الجميع وضع حد نهائي لها، بدءاً من وقف النزوح، وصولاً إلى إعادة النازحين إلى بلادهم، حفاظاً عليهم وعلى وطنهم، وصوناً لحقوقهم الإنسانية وكرامة عيشهم.

 

 

المسيحيون والاقتصاد: اللامركزية الميثاقية

 

يؤكد اللقاء المسيحي أن سلامة الاقتصاد الوطني شرط أساسي من شروط حياة المواطن وحياة الوطن. ويدرك بالتالي إن سلسلة الأزمات الاقتصادية الراهنة في لبنان، تشكل خطراً وجودياً ملحاً. وفي هذا السياق، يهم اللقاء المسيحي التأكيد على بعض المبادئ الأساسية في هذا المجال:

 

 أولاً، ضرورة إصلاح الإدارة العامة للدولة وتأمين توازنها الميثاقي، وترشيد قطاعها العام، خصوصاً في مجالات السياسة المالية والنقدية والإنمائية. لأن الدولة اللبنانية هي أكبر رب عمل في لبنان، وهي أكبر منفق في تلك المجالات. وبالتالي فإن أي خلل يقع على مستوى الدولة، لا يمكن لأي نشاط مواز على مستوى القطاع الخاص أن يعوضه. والأولوية على هذا الصعيد، تتمثل في محاربة الفساد، ومحاسبة المسؤولين عنه وعن هدر الأموال العامة طيلة أعوام طويلة. فضلاً عن إقرار سياسة مالية شفافة، تحترم الأصول الدستورية والقانونية، ولا تشكل مطية لإملاءات خارجية مشبوهة أو سياسات سلطوية داخلية مدمرة.

 

ثانياً، ضرورة إعادة الاقتصاد الوطني إلى طابعه المنتج. بعيداً عن مساره الريعي القائم، وبما يجنبه سياسات الاستتباع والابتزاز وعدم الاستقرار.

 

ثالثاً، ضرورة اعتماد اللامركزية الإدارية والمالية في لبنان. لأنها مسألة تتصف ببعد ميثاقي أكدته وثيقة الوفاق الوطني. فضلاً عن كونها عقد شراكة بين الدولة كسلطة مركزية، وبين الناس في مناطقهم كسلطات محلية وكأصحاب مصالح مشروعة في تحقيق تنميتهم وتأمين خدماتهم وتحسين ظروف عيشهم. بما يكرس مبدأ أن الإنماء المتوازن هو نتيجة حتمية للتوازن بين أداء المواطنين لواجباتهم تجاه الدولة، وبين حصولهم على حقوقهم منها. هذا المبدأ الطبيعي هو المدخل الوحيد إلى عدالة إنمائية شاملة، لا تتعامى عن حرمان أو تخلف، ولا تقيم بسببهما ظلماً أو غبناً في التعاطي مع أي مواطن أو منطقة. إن التغاضي عن هذا الواقع المتمادي إجحافاً بحق المسيحيين، يعزز أفكاراً انشطارية عند بعضهم، وثورية عند البعض الآخر، يقتضي العمل على كبحها، عبر تحقيق مبدأ الإنماء العادل، حقوقاً وواجبات، لا الإنماء الحصصي أعداداً ومساحات.

 

رابعاً، يهم اللقاء أن يتوقف على هذا الصعيد، عند مسألة جوهرية. ففي لبنان اليوم ثروتان كبيرتان، متمثلتان في المياه والبترول اللبنانيين. إن هاتين الثروتين تشكلان فعلياً ركنين داعمين لسيادة الوطن، في مواجهة محاولات إخضاعه أو استتباعه. ومن هذا المنطلق تحديداً، ينظر إليهما المسيحيون باهتمام وعناية وحرص. فكما الجيش أداة لتحقيق السيادة الوطنية على الأرض، كذلك المياه والبترول أداتان لضمان سيادة اللبناني على خبزه وكرامته معاً، ولترسيخه في أرضه والحد من هجرة شبابه وأدمغته، ولإبقائه بمنأى عن مخاطر الابتزاز المالي والاقتصادي والاستثماري، لأغراض تمس سيادة الوطن، في توطين داخلي مرفوض، أو موقف سياسي خارجي مفروض. فضلاً عن أن حسن استثمار هاتين الثروتين هو الضمانة لإعادة لبنان إلى خارطة العالم المتقدم، ولجعله لاعباً وشريكاً كامل الحقوق في سياسة المنطقة، لا ملعباً مشتركاً لأزماتها وحروبها. إنهما ثروتان وطنيتان بالمعنى الكامل لهذا المفهوم. فهما لكل لبنان، أياً كانت البقعة اللبنانية التي وُجدا فيها. ذلك أن استثمارهما يتخطى مساحة الوطن، وعائداتهما مرصودة لكل أبناء الوطن ولأجياله القادمة. وهو ما يقتضي ائتمان هاتين الثروتين، تماماً كما تؤتمن أغلى مقومات السيادة الوطنية الأساسية.

 

المسيحيون والهوية والثقافة المشرقيتان:

 

يؤمن اللقاء المسيحي بأن ليست مصادفة أن يكون الإنسان أكثر مخلوقات الأرض تنوعاً وتمايزاً. فيما الجماد أكثرها تطابقاً وتماثلاً. إنها قاعدة الخلق إذن، وأمثولة التاريخ والحقيقية والواقع، في أنه كلما ذهب مجتمع صوب التنوع والتعدد، كلما كان أكثر رقياً وتقدماً. وكلما جنح مجتمع صوب الأحادية والصهر التذويبي، كلما صار أكثر انحطاطاً وتخلفاً. ومن نعم المشرق الذي وُلدنا فيه وفيه نحيا ونبقى، أن مجتمعاته تعددية بامتياز. إنها تعددية حضارية تفاعلية تكاملية، وهي ابنة التاريخ، وضرورة المستقبل.

 ويؤمن اللقاء بأن كل هوية إنسانية في كل زمن وأرض، هي هوية مركبة، متراكمة، متعددة الأبعاد. وكلما انسجمت مكوناتها صار صاحب الهوية أكثر غنى وإبداعاً وخَلقاً وخُلقاً. لذلك، يجاهر اللقاء ويفاخر بهوية المسيحيين المشرقيين، وبكونها البنية المؤسسة للهويات المركبة لأصحابها في كل من أوطانهم المشرقية. فهوية المسيحي المشرقي أساس منسجم مع الهوية العربية لدولته، وضمانة روحية وأخلاقية لهويته الوطنية أياً كانت، أردنية، سورية، عراقية، فلسطينية، لبنانية، أو مصرية أو سواها. وهي في كل حال مدخل لانفتاحه الدائم على الهوية الإنسانية، مساهماً في حضارة البشرية، ومتمتعاً بكونيتها.

لذلك يعتبر اللقاء أن أي عمل يستهدف – عن قصد أو عن جهل – تعددية المجتمعات المشرقية، أو هويات جماعاتها المركبة المنسجمة والمتناغمة، لجهة صهرها أو تذويبها أو طمسها أو قمعها أو منعها من التعبير الحر الكامل عن ذاتها وخصوصياتها وحقوقها في بلورة أبعادها الثقافية والتراثية والحضارية، إنما هو عمل يستهدف الحضارة البشرية برمتها، ويهدف إلى منع كل المشرق من التقدم والترقي والتطور، وإلى جعله لججاً سحيقة للتخلف والقهر والظلم والاستبداد والانحطاط. إن حفاظنا على هويتنا المسيحية المشرقية، ضرورة لهويات وطنية عصرية، وشرط لهوية عربية حضارية، وأفق لكل هذه الهويات على مدى هوية إنسانية واحدة. وهذه الضرورة الإنسانية تعني حفاظنا على لغاتنا الأصلية، وعلى أدبنا وفنوننا وتراثنا ومقدساتنا وتقاليدنا. إنها أيقونات هذا المشرق، ولن تمتد يد على أيقوناتنا.

 

وبناء عليه، يتبنى اللقاء المسيحي مجموعة واسعة من المشاريع والاقتراحات الهادفة إلى تكريس الهوية المسيحية المشرقية، بكل أبعادها، وعلى مختلف المجالات والأصعدة. وهو يناشد المجتمعات الأخرى الشريكة لنا في أوطاننا ومنطقتنا، إدراك عمق مصلحتها الإنسانية والوطنية بالمساعدة على ذلك والمساهمة الفاعلة في حفظ تعددية المشرق وغنى هوياته المركبة وتناغم تفاعلها الخلاق. كما يطالب اللقاء كنائسنا جمعاء، والكنائس العالمية كافة، باعتبار مسألة الحفاظ على هوية مسيحيي المشرق، بمثابة القضية الأم، وواجب أول من واجبات كنيسة يسوع المجاهدة في أرضه. كما يتوجه اللقاء إلى دول العالم كافة، وإلى مؤسساتها الأممية الشرعية، لمطالبتها بأداء واجبها الإنساني والأخلاقي والقانوني، في المحافظة على هويات جماعات المشرق الأصيلة. وذلك إنفاذاً لكل المواثيق الدولية ولشرائع الحق الدولي الإنساني الخاص بالجماعات الأصيلة.

وفي كل حال، ومع مطالبتنا هذه ومناشدتنا تلك، يؤمن اللقاء، بأن هذه الهوية المسيحية المشرقية، هي أولاً وأخيراً واجب أبنائها وصليبهم المُحيي لهم ولكل شركائهم. وهي مسؤولية التاريخ والحق والحقيقة على وجدانهم ووعيهم، في الدفاع عنها والتضحية لصونها، والشهادة لقيمها الفذة: من براد ومعلولا وصيدنايا ومار جرجس الحصن، إلى دهوك ونينوى وقرقوش وعنكاو، إلى مغطس الأردن ونهر العماد، إلى دير النطرون والقديسة كاترين في سيناء، إلى دير ديموشيه في الفيوم، إلى جبل النقلون وكنائس القاهرة، إلى مقدسات الناصرة وبيت لحم وأورشليم القدس، وكل درب جلجلة في فلسطين المصلوبة، إلى كل ذرة من أرض لبنان... إنها هويتنا وحقنا, ولا يحيا إنسان بلا هوية، ولا يضيع حق وراءه لقاءٌ مطالِب.

 

4 تشرين الثاني 2013