سباتٌ مصطنعٌ، أحلامٌ راقدة وابتسامةُ ليثٍ بارزة، ثورٌ على الحضيض مدمّى تنازع المتناحرون على اقتطاع الحصّة الاسد من جلده، ما قبل ان يلفظ أنفاسه، وما قبل أن يُعلن احتضاره.

 الوطن الثور، انضوت تحت لوائه القبائل الممذهبة، منها طوعاً ومنها اكراهاً، منها غباءً ومنها تبصّراً، منها تسليماً ومنها ربضاً، ولسنينٍ طوال نهشتْ أحشاءه قوّضت مقوّماته، استباحت حرمات بعضها البعض، قاضمةً أمتاره ومربعّاته في تطاحنٍ ولا أعتى وسباقٍ ولا أمكَر، في انتظار تزاوج العقارب على صفر التفتّت.

 

تناثرٌ، تبعثرٌ، انقلابٌ فيه وانقلابٌ عليه، لبنان يعيش في انقلاب ٍ دائم منذ ان أورثه الفرنسيّون الدولة الوحدويّة عام 1920، نموذجٌ مستنسخٌ من مجتمع فرنسي يومها متجانس، لفظته مكونّات الوطن الصغير المتعدّدة القوميّات والاديان والولاءات همساً، وفي العلن هلّلت له.

 المشكلة في لبنان، هي في الاكثار من الاقنعة، والافراط من الشرب على نغمة معانقة الصليب للهلال، فيما الآذان صمّاء عن حقيقة الغبن التاريخي، وحقيقة الخصوصيّة الملازمة لمستلزمات المكوّنات في ممارستها حقوقها وامتيازها بديمقراطية.

المشكلة في لبنان، هي في التكاذب والمكابرة حين يتحدّثون عن الاساطيل الامميّة والحملات الصليبيّة، فيما هم عاجزون أو غير راغبين بايجاد الجرح لوضع الاصبع عليه المشكلة هي في اعتناق الانظمة السياسية من دون التعرّف على طقوسها، والمغالاة في التمسّك بها، وان لم يشهد الوطن فسحةً من الاستقرار مذّاك.

 ونحن ما زلنا الى يومنا هذا نُغني تاريخنا الغير مكتوب بحكايات الاقتتال وملاحمها، والتسويات ومآثرها، وطاولات الحوار وروّادها، وأمّا العبَر فمتروكةٌ للحكماء من شعوبٍ وأممٍ للافادة منها، ربّما لقناعةٍ راسخة باقتصار دورنا على الأضاحي في حقول التجربة وحقول إزالة الكيان الغاصب من الوجود.

 عندما سقط لسويسرا زهاء المئة قتيل، على غرار الحرب الأهليّة القصيرة الممتدّة ل 26 يومٍ بين الراديكاليين البروتستانت الداعين الى مركزيّةٍ أكبر، والمحافظين الكاثوليك المدافعين عن الكونفدراليّة الحافظة لاستقلاليتهم، اختارت سويسرا الفيدراليّة سبيلاً للاستقرار، واختار معها البروتستانت على الرغم من انتصارهم، النظام السياسي الذي به تعيش الاقليّة الكاثوليكيّة خصوصيّتها في ايمانها وقناعاتها وأفكارها، وأيضاً في نظامها الضريبي والقضائي والتعليمي.

 وعندما سقط للبنان آلاف القتلى منذ ان ألحق البطريرك الحويّك الاقضية الأربعة بجبل النصارى، اختارت سويسرا الشرق التحديق الى الجارة والشقيقة والتمثّل بها في كلّ شيء والإمتثال لها في كلّ شيء.

 

 ولعلّ من الواقعيّة في مكان ان ترتضي سوريا النظام، الإحتفاظ بسلطتها على بعض سوريا، في بقعةٍ جغرافيّة تطلّ على البحر المتوسّط، هي الحصن الأخير لهلال الممانعة.

ولعلّ من المفارقة، أن تتقوقع سوريا الممانعة هي هي، عنوةً، في نظامٍ أشبه بالفدرلة وأشبه بمحميّة الاقليّات والاعراق بعد أن ضاقت بها كلّ سوريا، وبعد ان امتدّت يديها في الغابر من الايّام الى الوطن العلقم، تطوّب لاسمها كلّ ما هو لقيصر وكلّ ما هو للّه.

 

والسؤال البديهي الذي يبادر الى ذهن اللبناني: هل يّكشف النقاب عن المقنّع من أجندات دفينة وواقعيّة تقسيميّة مذهبيّة كيسنجريّة، نمت في الصمت وأقعدت الدولة الكيان قبل الأوان، هل يصبح المحظور مباح، والحرام حلال، وتستحيل الفيدراليّة المن والسلوى، تيمّناً بالجارة التي على ما يبدو، لاذت مؤخّراً اليها، كبديلٍ حتمي عن الامبراطورية المتهاوية.

 

أيّاً تكن خارطة الطريق المعدّة لسوريا من تفاهم أحلافها وأخصامها، وأيّاً تكن طبيعة التسويات وطبيعة النظام المقبلة عليه، من المنطقي ان يلج لبنان نظام يشبه طبيعة مكوّناته بتعدّدياتها وحساباتها الارضيّة والالهيّة، عندها لا نعيّد لكلّ يوم استقرار.

 عضو المكتب السياسي الكتائبي - صيدلي