استَشرَفوا المستقبل وجاءوا بنظريات يقيّمون من خلالها وضعَ المسيحيين الرازح في الشرق تحت كفّتَي ميزان غير متساويتين: الاولى هي الخوف على الحاضر – وقد يكون من الحاضر – الذي يحمل شعارات الاضطهاد واشارات الاضطراب، والثانية هي القلق على مصير المستقبل، وهذه الكفة ترتكز على قاعدة الكفة الأولى – اي الحاضر – وتعتمد على تغيراتها وتطوّراتها.

 قالوا إنّ المسيحيين في هذا الشرق هم أقلّية، حقوقُها تُهدر أمام كمٍّ من الأفكار التكفيرية والأعمال الأصولية،  وهم سيزدادون اقلية مع  الجرائم والمجازر المنتشرة  في سوريا والعراق ومصر ولبنان...-  الموثّقة عبر الشاشات الاعلامية- وهذا ما يهدد بقاءهم في أرضٍ غرسوا فيها وجودهم، فحصدوا من ترابها، في التاريخ الأوّل، ثمار أتعابهم، وحصدوا من انقاضها، في التاريخ الثاني، انفاساً خُنقت باسم "شهداء الشرق"...

وما لبثوا ان يقولوا المزيد حتى انتشرت مظالم الإرهاب في دول الغرب لتضرب كلّاً من الولايات المتحدة وفرنسا والمانيا وبروكسيل وغيرها، لتشعل معضلاتٍ جديدةً وتطرح إشكالياتٍ معقّدةً قد تكون بمعظمها مرتبطة بأنظمة الحكم السائدة أو بأنظمة الأمن الجارية، وتدعو كلّها إلى حماية المواطنين ومن بينهم المسيحيين المهددين في هذا الشرق المتنوّع.

 والجدير ذكره ان المسيحيين بأغلبهم، يعلمون انّ دول العالم غير قادرة على حمايتهم، وان النخبة منهم يدركون ادراكاً بليغاً انّ الحلّ الانسب لهذه الازمة العالمية والشرق اوسطية، تتطلب وقتاً وصبراً وجهداً، فالحماية لن تبدأ بصياغة ميثاق عيش مشترك من دون التحرر من قيود الخوف ومن اشباكٍ وهمية ترتبط بالنظرة إلى "الآخر "، لا بل تتمثل بما يسمّى "الإسلاموفوبيا" وما تتضمنه من مشاعر الكراهية نحو الآخر المختلف بالدين  وما تولّده من اضمحلال الثقة تجاهه وذعر من تحركاته.

 

ان الانفتاح على الآخر وقبوله، ينبع من ازالة الجهل والجاهلية اللتين لا تزالان متمركزتين في عمق اللاوعي الانساني، وهما إن وُجِدتا، قد تساعدان اولاً على التمييز بين كل مسلم وكل ارهابي، فتسمحان بالعيش المشترك والآمن في بيئة واحدة مختلطة، كما تسمحان بتفهم ماضي الارهابي ومسامحته على ما ارتكبه، وبالتالي مساعدته على الخروج من الحفرة التي غرستها في عقله جهات لا تفهم بالدين سوى لغة القتل والعنف.   

 ان فكرة "التسامح" -  ولو انها لا تزال غريبة عندما يُشار الى محور الارهاب - انطلقت منذ احداث 11 ايلول عبر فلاسفة التنوير من جاك ديريدا ويورغن هابرماس، لا بل بدأت منذ آلام المسيح على الصليب، ذاك المسيح المُسامِح الذي كان يعلم مسبقاً ما يخبئه الزمان لمصير المسيحيين ومسارهم في الشرق والعالم.

 ان المعرفة والايمان، هما القاعدتان اللّتان من خلالهما تظهر قدرة الخالق على التخفيف من معاناة المسيحيين وازالة روح الخوف التي تجعل احوالهم قابعة في مكانها من دون اي تغيير او تطوّر... أما السلب والقتل والخطف والتهجير، فتبقى في هذا الشرق قلب الجلجلة... وأما التفجيرات واستهداف المقدسات، فهي نفسها... إعصار الصليب!

 

صحافية في المؤسسة اللبنانية للإرسال