الصليب رمز أساسي من رموز المسيحية المعاصرة، يندر أن ترى شاباً مسيحيا او فتاة مسيحية لا يتحلى أو تتحلى به في عنقها، ويشكل أساً اساسياً في المنظومة الفكرية والعقائدية، وحتى الاجتماعية والعلائقية للمجتمعات المسيحية.

 إلا أن هذه العلامة الواسعة الانتشار على مدى مساحة الانتشار المسيحي لم تفسر بشكل أساسي لمن لم يكن مسيحياً، ما جعل الصور المنمطة والأحكام المسبقة تتناسل بهذا الخصوص، وشجعت الأيديولوجيات الالغائية على المزيد من الغربة بين العرف والتعريف، وبين المعنى الروحي وحتى الليتورجي العقائدي، وبين المعنى المفهومي العام.

  مما لا يدركه الكثيرون أن الصليب كان يستخدم قبل المسيح بقرون، فعلى ما وجد في المراجع أنه في المتحف البريطاني على سبيل المثال تمثال للملك الآشوري سامسي بال، ابن الملك شلمنصر. وحول عنقه يلتف صليب قريب في الشكل جداً من الصليب المالطي المعروف، ويرى على ملابس الحاشية المرافقة أشكال شبيهة.

كما يرى في الفن الأوروبي القديم مشاهد مماثلة، فالإلهة «ديانا» التي كانت تعبد بوصفها إلهة القمر وحامية النساء وراعية الغابات والصيد وابنة كبير الآلهة جوبيتر تصور في غير صورة مع الصليب فوق رأسها، وفي الكثير من الأحيان على طريقة تصوير «مريم العذراء»، كذلك هو الحال مع باخوس، إله النبيذ عند اليونان، ويصور دئماً وهو يضع غطاء للرأس يحتوي الكثير من الصلبان.

ومن نافل الذكر أن المصريين أيضاً استعملوا رمز الصليب، كذلك شعب المكسيك قبل وصول الإسبان إليهم، كما الهندوس، إلا أن الشيء الملفت هو أن المسيحية لم تستعمل الصليب كرمز إلى حين وصول الامبراطور قسطنطين، أي بعد ثلاثة قرون على المسيحية، وذلك كما يقول القاموس التفسيري لكلمات العهد الجديد تحت مادة «الصليب».

أما لماذا يكرم المسيحيون الصليب، فلذلك تأصيل لاهوتي، منه ما يقوله المؤرخ الكبير أوسابيوس القيصري عن الملك الروماني قسطنطين الكبير، الذي قال أنه «رأى علامة الصليب في السماء على مثال نور بهيئة الصليب مكتوب تحتها عبارة: «بهذه العلامة تغلب».

 

أما عيد الصليب كعيد سنوي ضمن الروزنامة الليتورجية للكنائس المسيحية، فهو عيد اكتشاف الصليب المقدس، أو عيد رفع الصليب، إذ تذكر الروايات والقصص الشعبية أن الصليب، بعد أن أزيل المصلوب إلى القبر، ظل مطمورا تحت تل من القمامة، وقام، حسب المؤرخين، الامبراطور هوريان الروماني، ببناء هيكل للزهرة الحامية لمدينة روما، عام مئة وخمسة وثلاثين للميلاد فوقه، إلا أن القديسة هيلانة، والدة الملك قسطنطين الأول الكبير، أتت الى الأراضي المقدسة في القرن الرابع للميلاد، مع ثلاثة آلاف جندي، بعد انتصار إبنها عام ثلاثة عشر وثلاثمائة، للبحث عن الصليب في أورشليم. واستطاعت، بمعونة مكاريوس أسقف أورشليم، وبعد أن أرشدهم أحد اليهود الطاعنين في السن، الاستدلال على موضع الصليب «مدفوناً بالقرب من الجلجلة بين ثلاثة صلبان» من خلال اللوحة التي كتبت بأمر بيلاطس «يسوع الناصري ملك اليهود» والتي بقيت معلقة عليه. فأخذت الصليب لساعتها، و«لفته بحرير كثير الثمن ووضعته في خزانة من الفضة في أورشليم بتراتيل وتسابيح كثيرة.. وأقامت كنيسة القيامة على مغارة الصليب وأودعته فيها، ولا تزال مغارة الصليب».

 

بقي الصليب في كنيسة القيامة حتى الرابع من أيار عام أربعة عشر وستمائة، عندما قام الفرس بغزو القدس، وهدم الكنيسة، وكانت خشبة الصليب من جملة الغنائم التي أخذت ونقلت الى قطيسفون عاصمتهم الشتوية على دجلة، وظلت في حوزته، حتى انتصر الإمبراطور هرقل على كسرى الثاني، عام ثمانية وعشرين وستمائة للميلاد، وأعاد الصليب الى القسطنطينية ، ثم إلى القدس عام واحد وثلاثين وستمائة.

 ووجدنا في غير موضع أن الملك هرقل «حمل الصليب على كتفه وسار به بحفاوة كبيرة بين الجموع المحتشدة إلى الجلجلة وهناك أحسّ الملك بقوة خفية تصده وتمنعه من دخول المكان فوقف الأسقف زكريا بطريرك أورشليم وقال للإمبراطور: «حذار أيها الملك أن هذه الملابس اللامعة وما تشير اليه من مجد وعظمة تبعدك عن فقر المسيح يسوع ومذلة الصليب» وفي الحال خلع الملك ملابسه الفاخرة وارتدى ملابس حقيرة وتابع مسيره حافي القدمين حتى الجلجلة حيث رفع عود الصليب المكرم فسجد المؤمنون على الأرض، وهم يرنمون «لصليبك يارب نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد». فأضيف تذكار هذه المسيرة الى عيد ارتفاع الصليب في الرابع عشر من ايلول في اكثرية الطقوس. وتشمل تكريم كنيسة القيامة، وخاصة الموضع الذي وجدت فيه القديسة هيلانة الصليب، حيث ردم مهندسو الملك الأرض، وأدخلوها في تصميم الكنيسة الكبرى بمثابة معبد.

ومن العادات المتوارثة في عيد الصليب إشعال النار على قمم الجبال أو أسطح الكنائس والمنازل أو في الساحات العامة، و«ترجع هذه العادة إلى النار التي أمرت القديسة هيلانة باشعالها من قمة جبل إلى أخرى لكي توصل خبر عثورها على الصليب لابنها الملك قسطنطين».

كما تقول المسيحية، الصليب هو معبر إلى القيامة، بقوة الرجاء والحب، ونحن، في لبنان، وفي الشرق، ليس لنا إلا الرجاء، بقيامة قريبة، فقد تقرحت جروحنا لعظم الصلب... وارباه أدركنا...

 أستاذ جامعي وكاتب سياسي