باركتها القديسة تقلا فشقت الجبل وفجت منه الماء وجعلتنا ابناء النور... تقلدها القديس سركيس بسيفه وجعلها القديس باخوس في رمحه طعنة في صدر الوثنية.... وطئت أرضها أقدام القديسين فتحوَّل غبارها بخور يعبق هواها... قلدتها الأمبراطورة هيلانة وسام شرف في رحلة فلسطين فاشتعلت النار على جبالها وارتفع الصليب على قمتها... عشقَ امبراطور روما كرمَتها فارسلت له خمرها ليملأ كوؤسه ويكون فخر الهدايا في طقوس الانتصار... رفض الطامعون الانحناء امام محراب قدسها فذاق مرارة الذل ووجع الانكسار.....

 

هجوم البرابرة

في مثل هذا اليوم من ثلاث سنوات وصل الزمن الاسود الى معلولا،  وألبسوها الاحمر وتناثرت قصص الاطفال فوق اشلاء اجسادهم... وفي معلولا ماتت كل كروم العنب وما عاد الخمر يغزو كؤوسها وبدل ذلك بقيت دوالي الموت تعتصر شباب وطني.... بكل سلمية يصير يسوع مقلوع العينين... أغراض الكنائس تسرق والصلبان مخلوعة من مذابحها والبطرشيل يتدلى على عنق تكفيري... بكل سلمية ساقوا قوافل محملة بأجراس الكنائس وايقوناتها وكتبها المقدسة القديمة ولا نعلم اين حط الرحال بهم...... بكل سلمية دنسوا ضريح تقلا معادلة الرسل ونبشت قبور الرهبان والكهنة... بكل سلمية تم التمثيل بحجارة الكنائس وانياتها وايقوناتها وبخورها....كراسي ومقاعد الكنائس مخلعة ولا احد يشفي مخلعي الإرهاب الجدد من كساحهم الفكري.... فكر ظلامي ونفوس داكنة وعقول قاتمة وقلوب مليئة بالحقد الاسود...

مثل خفافيش الليل مروا تحت جنح الظلام على بيوت آمنة ومؤمنة واستباحوها وفعلوا كل ما حرم الله..

دنسوا ونجسوا وسرقوا ونهبوا وخربوا ودمروا ثم احرقوا وصبغوها بلون سواد فقههم العاهر... ونشروا على الارض قحطهم ويباسهم....

 

قبل 1700 عام تقريباً وفي رحلة القديسة هيلانة للبحث عن صليب الفادي اشعلت النار بعد العثور عليه على قمم الجبال بدءاً من فلسطين وصولاً الى القسطنطينية مروراً بالجبال السورية ومنها جبال معلولا. لم يبق من يشعل النار في هذه الرحلة الا جبالاً في منتصف الطريق بين فلسطين والقسطنطينية هي جبال معلولا ويريدون اطفاءها ولاجل ذلك استباحوا معلولا وفي اسبوع عيد رفع الصليب.. ولم يعلموا انهم بفعلتهم لم يمنعونا من اقامة العيد، حيث حمل كل واحد منا صليبه ومشى على درب الالام والبعض منا ذاق مرارة الموت وقدم نفسه قرباناً لايمانه بصليب الفادي. ولكن نقول لهؤلاء لن يستطيع احد ان يقص اجنحة الملائكة التي ترفرف فوق ارض القداسة، طالما هناك بشر يرتقون الى الاعلى مدفوعين بماّثر التاريخ وبطولاته ومجللين بثوب الايمان.

 

استعادة الصليب

معلولا وحدها الباقية في قافلة القديسة هيلانة. صخورها اعشاش السنونو وقممها موشحة بضباب البخور العابق بكنائسها... صبيانها كدروب متعبة في جبالها الصاعدة الى السماء.... معلولا اليوم استعادت عيد الصليب بعد تحريرها من برابرة العصر، والصليب يرفرف كروح الله فوق جبالها ليعمدها. ان رمي القرامي الخشبية المشتعلة من قمة الجبل حيث تشعل النار (المعوفرة) تعطي الاحتفال بالعيد طابعا مميزا وتمضي به نحو كرنفال رائع ترسمه مسارات القرامي الملتهبة وصولا الى قاع الوديان. من يفكر بتفاصيل رمي القرامي يدرك مدى ابداع المعلولي من خلال خلق هذا الطقس الاحتفالي في العيد باشياء بسيطة بدائية (القرامي) واستغلال الجبال والمنحدرات المشرفة على الضيعة. والقرامي تكون على الاغلب من اشجار الدردار القاسية التي تعيش في سقي معلولا توضع ضمن النار المشتعلة ليلة العيد كي يشتعل جزء منها ثم تحمل على اكتاف شباب الصليب وترمى من الاعلى، بعد ترداد صيحة معلولية متعارف عليها ثلاث مرات تسمع بوضوح في بيوت الضيعة ويجب ان ترمى على مكان بارز من الصخرة اسفل (المعوفرة) يسمى (المدق) كي ترتطم به و(تقنطر) في الهواء ككتلة ملتهبة، راسمة صور رائعة من الالعاب النارية وتتابع هبوطها بقفزات متناوبة على المنحدر باتجاه اسفل الوادي وسط الضيعة، حيث يتم تجميعها كي تستخدم في العام التالي. وشباب الصليب يتسابقون فيما بينهم في رمي القرامي من خلال تصويب (القارم) وتوجيهه باتجاه صحيح ودقة اصابته المدق وقوة اندفاعه نحو الاسفل وحتى عدد قفزاته كي يصل الى القاع.

 

معلولا المدينة الناطقة بلغة السيد المسيح عادت لترفع رمزها اليوم على أعالي جبالها !

 باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة