السياسة هي فن إدارة المجتمع والمدينة، وأجد أن البحث فيها لا يبدأ من تقنياتها ورجالاتها وإطاراتها بل يبدأ من المفاهيم، وعلى رأسها، مفهوم السلطة أو مبدأ السيادة وجوهرها وأصلها، ليصل إلى مناقشة لمن أعطيت وكيفيّة ممارستها.

نجد في الكتاب المقدس أنّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله كائناً سيداً وسلّطه على الأرض وما فيها وذلك بفعل إرادة واعية وحكيمة منه. افتعل الله إذاً السياسة في المجتمع البشري الَّذي صمّمه وخلقه ليكون مجتمعًا سياسيًّا لإنسان سياسيّ يمارس السِّياسة أو قُلْ التحكّم والسيادة والرّبوبيَّة على الخليقة. بهذا تكون السِّياسة واحدة من الهبات التي أنعم بها الله على الإنسان.

اللافت في موضوع منح الله السلطة للإنسان أنه أعطاها لآدم وحواء معاً. كانت هذه بداية المجتمع البشري الَّتي حكمت على الإنسان أن يكون كائنًا اجتماعيًّا يمارس السلطة التشاركية. هذا التكليف السلطوي، المعطى من الله، استمرّ عبر الأجيال مع تنوّع أشكال الممارسة السلطوية. فالبشر يحتاجون إلى السلطة إذ لا يستقرّ مجتمع من دون حكم وحكّام. أمّا التبشير بزوال السلطة لصالح مجتمع مثالي فهو ضرب من ضروب الأحلام الطوباوية التي لا تتحقّق بل تفتح الباب للفوضى والخراب والجنون. والاتكال على سلطة جائرة أو مجنونة أو غبية أو شريرة أو ضعيفة يقود إلى النتيجة عينها، ولا مناص بالتالي من سلطة رشيدة تدبّر الشأن العام في الجماعة الإنسانية.

وفي ظنّي أنّ البحث في مفهوم السيادة هو بحث روحي صافٍ. فمفهوم السيادة نابع من شخص الله السيّد. وفي الذات الإلهية تكمن السلطة والمجد والقوة، حتى إن اللاهوتيين الباحثين في جوهر الذات الإلهية يصلون إلى استنتاج مفاده أن سيادة الله هي الموضوع الأساس في اللاهوت كلّه.

وقد يفيدنا، لفهم موضوع السلطة والسيادة، أن نراجع المحادثة بين يسوع وبيلاطس عندما سأله الأخير "أما تُكلّمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلِبَك وسلطانًا أن أُطلقَكَ؟" عندذاك، وأمام المفهوم الخاطئ للسلطة، وجَدَ يسوع نفسه مُضطرًّا إلى أن يُعلّم بيلاطس، الآتي من روما التشريع والعسكر والقيصر المؤلَّه، أنّ هناك سلطة أعلى منه وهبَتْه هذا السلطان، وأن سلطته محدودة أمام سلطان الله: "أجاب يسوع: لم يكن لك عليَّ سلطان البتّة، لو لم تكن قد أعطيت من فوق". يسوع لم يناقش كيف أخذ بيلاطس أو هيرودس أو قيصر سلطتهم، بل اعترف أنهم أُعطوا سلطة من فوق. وليس في هذا تأييدٌ لهم كأصحاب سيادة مطلقة بل اعتراف بالسلطة الموجودة في مؤسّسات الحكم في الأرض أيّاً كان شكلها.

ونحن اليوم لا نؤيد مفهوم احتكار السلطان في نظام ملكيّ مُطلق أو في دولة استبداديّة، بل نؤيد الحكومة المقيَّدة والحكم المحدود. فسلطة الدَّولة المعاصرة تُبنى على أساس "التعاقد والتفويض،" على ما يقول ناصيف نصّار، أو "الميثاق الاجتماعيّ" كما يُسمّيه كلّ من سقراط وجون لوك وجان جاك روسو. فممارسة السُّلطة وفرض القانون في الدَّولة الحديثة يستوجبان أن يطيع المواطنون الحاكم انطلاقاً من إرادتهم الحرّة. وبالتالي فلن يكون الحاكم أبدًا "السَّيِّد المُستبدّ" الَّذي يفرض القانون فرضًا بل يصير "ضامناً" لحكم القانون "وخادماً" للشعب.

وليست الحكومة المحلية أو الوطنية هي الأخرى بلا محدوديّة سياسيَّة؛ فهي هشّة أمام القوى السياسيَّة المكوّنة لها وأمام الأحزاب والقوى المعارضة لها مهما حاولت ضبطهم أو قمعهم. وهي محدودة أمام الضغوط السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريّة الخارجيّة. ويبقى عنصر آخر يؤكّد على محدوديّة سلطان الحاكم وهو شخصه البشريّ المحدود، إذ يقف في ظروف كثيرة عاجزًا عن تسيير الأمور أو التأثير فيها أو حتّى عن معرفة أدنى الأسرار وأعتى المؤامرات الَّتي تُحاك ضدّه في الخارج والداخل. ذلك كلّه يؤكّد على أن الحكومات ليست مطلقة السُّلطات ولا يجوز لها أن تتصرّف على هذا الأساس. وهذا ما أظهره اللاهوتي الإسكوتلندي صموئيل راذرفورد (1600-1661) في كتابه Lex Rex أي "القانون هو الملك" حيث نادى بحكومة مدنيَّة محدودة أو مُقيّدة تأخذ سلطتها مباشرة من الله وليس من أيّ طائفة دينيّة، ويحُدّها الدستور والقوانين

وفي الختام أقول إنّه، حتى في هذه السلطة المحدودة والمقيدة والتشاركية، يبقى الناس في حاجة إلى نعمة من هو أقوى منهم فيساندهم ويعينهم وينجّح سبلهم. وسأحكي هنا عن أمر عجيب لا تتداوله قواميس العلوم السياسية وهو النعمة العامة التي لولاها لفشل كل مجتمع في إدارة نفسه. هكذا أفهم ما قاله الملك سليمان وعن خبرة طويلة في الحكم: "إن لم يبنِ الرب البيت، فباطلاً يتعب البناؤون. إن لم يحفظ الرب المدينة، فباطلاً يسهر الحارس.

قسيس إنجيلي - باحث وكاتب