أعتقد أنه من الممكن أن نتفق جميعاً أن أهم ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية هي قدرته على بناء حضارة تتقدم وتتطور عبر العصور.

فالحمير مثلاً، وهي من عُلية القوم في مملكة الحيوان، لا تحرز أي تقدم أو تفوق على أجدادها، فالحمار من مئة الف سنة هو نفسة حمار اليوم، ياكل بنفس الطريقة و يتزاوج بنفس الطريقة ويرفس بنفس الطريقة، اللهم إلا ربما تغير طفيف في لونه او حجمه نتيجة فعل الانتخاب الطبيعي. بينما الإنسان اليوم يختلف تماماً عن أجداده من مئة ألف سنة حين كانوا يسكنون الكهوف والمغارات في الجبال.

وقد يعتقد البعض أن ذكاء الإنسان هو العامل الأساسي في تقدمه عن باقي الكائنات وبناء حضارته. لكن الحقيقة غير ذلك، والدليل ان ذكاء القردة العليا يفوق كثيرا ذكاء كائنات أخرى كثيرة، لكن ذلك لم يجعلهم يؤسسون أي حضارة ينفصلون بها عن بقية الحيوانات.

سر عظمة الإنسان هو أولا قدرته على تبادل المعلومات وتراكمها وانتقالها عبر الأجيال، وثانياً التعاون بين الأفراد و توزيع الأدوار.

بدون هاتين الميزتين يصبح الإنسان مجرد قرد.

 

أينشتاين في الغابة!

تصوروا معي اننا اخذنا اينشتاين يوم ولادته وتركناه في الغابة حيث تعهدته قبيلة من القردة بالعناية حتى أصبح رجلاً. و من دون التأثر بقصة طرازان، تعالوا نحاول تصور مصير أينشتاين في تلك البيئة الجديدة، هل نتوقع أن يكون أفضل من باقي المجموعة ؟

انا شخصيا اعتقد انه سيكون اقلهم قدرة على التصدي لتحديات الحياة في الغابة بسبب ضعف بنيته مقارنة بالقرود. كان في الأغلب سيكون عالة على باقي القردة، و معتمداً عليهم في مساعدته على تسلق الأشجار والحصول على الطعام و الهروب من المفترسات.

نعم، قد يتكون عنده وعي فائق، وإدراك أعمق، وقد تنشأ عنده تساؤلات، وقد تطرأ على عقله أفكار يمكن أن تجعل حياة المجموعة أسعد، لكنه سيكون عاجزاً عن ايصال افكاره ومشاعره لباقي أفراد المجموعة، وبالتالي ستموت أفكاره مع موته.

وقد يدفع القدر بإنسان رضيع آخر بين القردة، لتنتابه نفس الأسئلة، ويتأمل نفس الأفكار والأحلام ثم يموت كل شيئ بموته لنبدأ من جديد. كأننا نعيد تجسيد معاناة سيسفيوس (Sisyphus) في الاسطورة الاغريقية الذي عاقبته الآلهة بأن يقضي الأبدية كلها في رفع صخرة الى اعلى الجبل، وكلما كاد يصل إلى القمة، سقطت مجددا إلى القاع ليعود ويكرر المحاولة إلى ما لا نهاية. فقط لأنه حاول أن يقيد اله الموت و يتحداه.

لكن الإنسان الذي يعيش بين البشر، وليس بين القردة أو في الأساطير الإغريقية، لا يبدأ من جديد، كل طفل جديد يولد في هذا العالم يقف على أكتاف ابائه و اجداده ليصل إلى قمة جديدة. و إذا نحن حرمنا الجنس البشري من ميزة التواصل بين أفراده وتبادل الأفكار والسماح له بتسجيلها ونشرها وطرحها على باقي أفراد جنسه بحرية، سنصبح جميعا قرود أو سيسفيوس.

 

الوصاية على الفكر

لكن وبالرغم من كل ما ذكرناه عن أهمية تبادل المعلومات والأفكار في الحضارة الانسانية الا ان السؤال الذي يتحدانا هنا هو:

هل يجب أن نسمح للأفراد بمناقشة كل الأفكار بلا استثناء أو رقابة؟ أم يجب السماح فقط بالأفكار الجيدة والسليمة؟

حسناً، أي إنسان سيفضل الأفكار الجيدة والمعلومات السليمة بالطبع، لكن ما هي الآلية التي يمكن بها أن نفحص الأفكار الجديدة لنعرف ان كانت جيدة و سليمة أم لا؟

أعتقد أن المعيار الوحيد المتاح لنا لفحص الأفكار الجديدة هو أفكارنا القديمة، ومعلوماتنا السابقة.

مما يعني أن أي فكرة جديدة، نعرضها على مخزوننا من الأفكار و المفاهيم و المُسلمات، فان توافقت معها، تكون مقبولة، وإن اختلفت تُمنع من التداول وتُدعى شاذة. وهذا ما نفعله بالفعل.

وحيث أن كل فكرة جديدة هي بالضرورة جديدة، ومختلفة عن أفكارنا القديمة، فهي إذا مرفوضة مسبقاً.

 

آلية بديلة

بينما يبدو أن القانون الطبيعي في عالم الأحياء يعمل بطريقة مغايرة. كل الطفرات الجينية يمكن أن تحدث، والكثير منها يجد طريقه إلى الحياة، وتتصارع كل الأفراد على البقاء، وفي النهاية لا يبقى إلا الأصلح، وتنتقل الصفات الجيدة فقط للأجيال الجديدة، دون وصاية مسبقة من الطبيعة على التغيرات والطفرات الجينية.

وهكذا نرى أن فقر مجتمعاتنا للإبداع ليس سببه الحقيقي فقر في الأفكار، بل بسبب الآلية التي اخترناها لفحص الأفكار وتقييمها.

كأن نقول: نريد فكراً جديدا على أن يكون صحيحاً، علما بأن معيار صحته، موافقته للقديم.

ويبقى الخوف من البلبلة، والهرطقة، والزندقة والكفر، كفناً نلتف به لنختبئ من الموت. بينما الحقيقة أن الهرطقة والزندقة لم تعرف طريقها إلى عقول الناس الا لأننا لم نسمح لهم بمناقشة بعض المسلمات فكفر الناس بالكل.

  • طبيب مصري مقيم في الولايات المتحدة