رغم مرور سبع سنوات عجاف من الحرب والويلات كان نور الميلاد أقوى في سورية، كان صوت الحياة أبقى فلم تمنع أصوات القذائف التي لا زالت تسمع في ارجاء العاصمة دمشق الناس من حضور الاحتفالات الدينية لأن صوت الفرح وصوت جوقة الفرح والتراتيل الميلادية طغت على صوت الحرب.

يردد المسيحيون هذه الأيام ترنيمة الميلاد "ليلة الميلاد تُدفن الحربُ". وهم يتطلعون بعين الأمل ويترقبون انتهاء الحرب وما جرته وتجره من ويلات، حرمت الصغار والكبار فرحة مثل هذه الأعياد. وتمنوا كما كل عام أن يكون العام الجديد خيراً وسلاماً على هذا البلد.

في حي القصاع الدمشقي يبدو المشهد عابقاً برائحة العيد رغم أصوات القذائف الشاذة، الناس تتسوق وكل شيء يبدو طبيعياً.

أما ليلاً فإن الحياة تعكس وجهها، تضاء الشوارع والمحلات بأنوار عيد الميلاد، الومضات أسرع على شرفات البيوت وأبواب المطاعم، الكنائس مزينة كلٌ على طريقته.

على رغم ذلك، كان من الصعب على الدمشقيين الوقوف على طقوس العيد كاملة ففي كل حي وكل بيت قصة مع الموت والشهادة.

وغصّت حارات القصّاع وباب توما وباب شرقي والتجارة والغسّاني بتراتيل الميلاد، صوت فيروز يصدح في كل مكان: "ضوّي بليالي سعيدة يا نجمة بيتا قريب"، شجرة الميلاد تُشكّل واجهة لأغلب مطاعم المدينة، قبّعات “بابا نويل” تُباع على الأرصفة، البعض يتبادل انخاب النبيذ المعتق كما جرت العادة ولا ندري ان كان سبب شرب النبيذ هو نخب الميلاد، أم نخب شهيد في الحي ؟”.

مما لا شك فيه ان الماديات ضرورية، لكنّ النّاس اليوم تبحث عن بقعة ضوء تجد فيه ملاذا أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وهذا صحيح ، السوريون يسألون في هذا الزمن المقدس أين سلامك يا يسوع مما يجري في بلدنا ؟! والجواب يأتي من داخل الإنجيل. سلام الميلاد هو سلام الروحِ المدعوِّ أن ينمو ويتبرعم في النفوس البشرية المقتبلة كلام الله. إن لم يكن هذا سلامَ المسيح، كيف يمكننا أن نفهم ونعي أن ميلاد المسيح أنبت في النفس والأرض سلاماً في الوقت الذي بكت فيه راحيل على آلاف الأطفال في بيت لحم، الذين قُتلوا في زمن المسيح، فكانوا زهرة الشهادة المسيحية في ارجاء المعمورة! سلام المسيح هو بالدرجة الأولى بلسم تعزية للنفوس الحزينة.

منذ سبع سنوات والعالم يتفرّج على جلجلتنا في هذا الشرق، على رجال دين تُخطف وشعوب تهجر وتُقتل.

لكن هو زمن الميلاد المجيد، فرجاؤنا وقلوبنا ترنو إلى مزود بيت لحم، وتسأل الطفل المولود في مزوّد أن يرنو بناظريه من أعلى السموات إلى الأرض التي وُلد فيها. صلاتنا إلى من صبغنا ووسمنا باسمه أن يفيض رجاءه ومحبته في قلوبنا. صلاتنا إلى طفل المزود أن يحمي بلادنا ويملأ قلوب الجميع بفيض أنواره الإلهية..

صلاتنا إليه أن يضع يده في قلب أبناء الوطن الواحد السلام وأن يبلسم جراحهم فنرتل له مع الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة