اختتم الإرهاب الذي يضرب في سورية بعنف اليوم الأخير من السنة السادسة للحرب بضربات حاقدة وسوداء في عقر دار العدل والقضاء. وبين تفجير القصر العدلي الذي يعج بالمواطنين وتفجير منتزه في الربوة نحو ساعة، لكن الفارق الزمني البسيط يريد أن يبعث برسائل معينة ان هذا الطاعون الأسود باستطاعته ان يطال القضاء وأماكن الترفيه والتسلية كما طال دور العبادة والأماكن المقدسة من قبل.

 في الحرب السورية انكشفت حقيقة وطبيعة التنظيمات الإرهابية المنحدرة من عباءة الإخوان المسلمين متحولة بالتدرج عن المزيد من التوحش عبر تسميات وصفات مختلفة، بدءاً من القاعدة وجبهة النصرة فتنظيم داعش، وعبرها كانت التنظيمات المتعددة كجيش الإسلام، وأحرار الشام والجبهة الشامية وغيرها، مما كان يشكل استبدال للتسميات فيما تبقى المسميات مركزة حول جوهر الإرهاب، فسقطت بالتأكيد مرة تلو الأخرى.‏ هنا اتحدث عن إرهاب لم يهبط من فراغ، ولم يكن شبحاً. تمَّتْ رعايته وتغذيته ومنهجة حركته. الإرهاب منبعه الأصولية التكفيرية.

الطاعون الذي يتغلغل ويمتدُّ ويجتاح سورية والعراق،. الموجة الإرهابية التي وجدت حاضناتها في اليمن وتونس وليبيا ومصر، وغيرها من البلدان بفعل إصرار واندفاعة فكر تدميري يشكّل تهديداً للعالم، وللمُنجز البشري والحضاري عموماً، ينفق مليارات الدولارات على «التبشير» و «الدعوة»، لإدامة وتمدّد ذلك الفكر الذي لا ذرة فكر فيه، لن يُكتب له الاستمرار ولا الهيمنة، ولو أنفقت كل خزائن واحتياطيات الدول الداعمة لتلك الموجة الإرهابية المنحطة، والتي ستجد نفسها يوماً وقد ارتطمت بصخور الواقع والفطرة.

 إن سورية التي استعصت على امبراطوريات وغزاة، لن تخضع وتسلِّم راية وجودها الحافر في التاريخ والزمن إلى مجموعة أوباش وقتلة ومتخلّفين ومرتزقة، جاءوا من بيئات لم تتحمَّل قذاراتهم، فكانوا في الهامش، في محاولة للبحث عن مكان لهم تحت الشمس التي لا يعرفون، وباسم الله الذي لا يعرفون ويقتلون باسمه، ويكبّرون لحظة النحر وجز الأعناق.

 

ليست جهة في المجاز نولِّيها بالقول، إن الشام وياسمينها سينتصران على العفن القادم من الجهات الأربع. فسرّهما أنهما يستطيعان خلق تلك العلاقة الوجدانية والروحية والوجودية لكل من يحاول أن يفهم سرهما، أو يقترب من روعتهما وبهائهما. وحين نقول، الشام وياسمينها، فنعني بها تلك القيمة الجميلة والخلاَّقة التي هي جزء لا يتجزَّأ من عظمته، وسحْره، وقدرته على قلب المعادلات، منذ أن وعينا على قراءة التاريخ، قديمه وحديثه، ولن تكون الحثالة مدفوعة الأجر، والذين يحشدونها ويحرّضونها، استثناءً من قلب المعادلات تلك.

 

العراق سبقه إلى دفع تلك الفاتورة، ومنذ العام 2003. لكن لسورية خصوصيتها، ليس على مستوى الجغرافية وحدها، وليس على مستوى تأسيسها للتاريخ في العمران الذي بدأته وغيره؛ بل على مستوى صنع المعجزة بتلك القدرة على الصمود والمواجهة، وأن تصبح عصية على أمم الدنيا جميعها.

فمن احيائها القديمة عبر القديس بولس ليبشر بالمسيح الى كل المعمورة، هي باقية منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا. ونحن نعيش اليوم الصوم الاربعيني على رجاء القيامة والحياة الابدية كما بشرنا الفادي.

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة