هاجت الدنيا ولم تقعد وطالب العديد بحبس أحد علماء الأزهر المشهورين وصاحب البرامج الإعلامية لازدراء الدين المسيحي عندما قال إن المسيحي كافر وعقيدة المسيحية فاسدة والمؤمنين بها في النار.

 

أحترم رأي من يكفرني

أولاً: رغم أنني بحسب فكري وإيماني أختلف كلية مع ما قاله الشيخ، لكنني أحترم رأيه و حريته في التعبير عن رأيه. بل أحترمه أكثر ممن يطوفون في البرامج و الندوات و ينطقون بآيات الحب و السلام واحترام الأديان ويستعملون ألطف العبارات على عكس قناعاتهم الحقيقية وإيمانهم الداخلي ولأفكارهم التي ينشرونها بعيداً عن الشاشات!

 

ثانياً: هذا الشيخ ليس أول من يوجه هذا الاتهام للمسيحيين وليس الأخير وان تم منعه من الاعلام فهل نستطيع منع من ينشرون هذا الفكر في القاعات المغلقة. فليس المطلوب ان نحاكم من ينطقون بما يعتقدون؟

المشكلة ان الشيخ المذكور استخدم الفاظاً قاسية وفظّة مثل (الكفر) و(العقيدة الفاسدة) و أصدر تصريحه في توقيت لا يتناسب مع الظروف ومع وجود جماعات تتخذ من الكفر مبرراً لقتل المسيحيين.

 

كلنا كفار بنظر بعضنا!

أعتقد انه من العبث اللعب على وتر محاسبة من يُتهم الاخر بالكفر فكلمة كافر بحسب المعاجم اللغوية تعني (غير مؤمن). والسؤال هنا انت تعني غير مؤمن بأي عقيدة؟ و بأي فكر؟! فالمسلمون لا يؤمنون إن المسيح هو الله ولا بصلبه وقيامته وهذا أساس العقيدة المسيحية فهم كفار بالعقيدة المسيحية، والمسيحيون لا يؤمنون بالعقيدة الاسلامية فهم أيضاً كفار من منظور المسلمين، والملحد يؤمن انه لا يوجد إله، لذلك فالمسلمون والمسيحيون و اليهود كُفَّار بعقيدته، بل أنه داخل الديانة الواحدة يكاد المتعصبون ان يكفّروا من ينتمون لطائفة مختلفة عنهم لأنهم لديهم اختلاف في العقيدة.

فمن العبث إذن ان نطالب بحبس من يعتقد ان الاخر كافر فَلَو كان يعتقد بصحة العقيدة الأخرى لاعتنقها.

 

لنبنِ المواطنة

ارى ان الأهم بدلاً من تجريم التكفير، هو التركيز على إعلاء قيمة المواطنة وحقوق الانسان بغض النظر عن عقيدته. وليس الحل في ان نزيّف معتقداتنا ونتظاهر اننا لدينا نفس العقيدة و نفس المفهوم عن الله. نعم هناك مفاهيم مشتركة لكن المفاهيم المختلفة اكثر وأعمق. 

الحل في بناء التعايش المشترك بعيداً عن العقيدة الدينية التي يجب ان تبقى شأناً خاصاً لا يؤثر في تعاملاتنا. ولنتذكر انه ربما تكون أكثر البلاد أخلاقاً وتحضراً هي بلاد لا دين لها وبلاد اخرى تبدو متدينة بينما تسجل الإحصائيات فيها أعلى نسب فساد وانحراف أخلاقي. هل تعلم ان مصر تسجل ثاني اكثر بلد في العالم في مشاهدة المواقع الجنسية الإباحية على الانترنت؟! وان الأولى هي باكستان؟!

 

القيم والمعاملة

لا يمكن ان أنسى واقعة حدثت في بلاد الملحدين الكفار عندما كنت مدعواً لأحد المؤتمرات الدولية في طوكيو عاصمة كوكب اليابان. وفي أول ليلة لي في الفندق اكتشفت ضياع حافظة نقودي وبها كل ما معي من مال وبطاقات مصرفية وفقدت الأمل بعد البحث عنها في كل مكان. وتمنيت لو ان من سرقها او عثر عليها يعيد البطاقات ويأخذ النقود، الى ان جاءني شاب في عمر العشرين هو عامل النظافة يحضرها لي بعد ان عثر عليها و اندهشت انها لم تنقص دولاراً واحداً! الدهشة الأكبر كانت عندما شكرته وأعطيته مبلغاً بسيطاً من المال تعبيرا عن تقديري لأمانته فإذا به يرفض بشدة ان يتقاضى اي مكافأة او بحسب تعبيرنا (بقشيشاً )

وحقاً لو تقدم هذا الشاب للعمل بالمؤسسة التي أديرها سأعطيه اولوية عن اي شخص اخر مسيحي او مسلم بسبب أمانته و لن يعنيني كونه كافراٌ بوجود الله.

الحل للتعايش ليس في محاولة تقارب الأديان بل في محاولة احترام الإنسان.

 

كافر لكنني إنسان!

من حقك ان تعتقد اني كافر و هذا امر لا يعنيني في شيء، لكن ليس من حقك أن تحقّر من شأني كإنسان. 

من حقك ان تعتقد انني كافر لكن ليس من حقك أن تستهزأ بعقيدتي.

من حقك أن تعتقد أنني كافر لكن ليس من حقك أن تحلّل قتلي أو إيذائي.

من حقك ان تعتقد أنني كافر لكن ليس من حقك أن تستحل مالي و عرضي.

 من حقك أن تعتقد أنني كافر لكن ليس من حقك أن تنتقص من أي حق من حقوقي كمواطن.

من حقك ان تعتقد أنني كافر لكن ليس من حقك أن توجه لي أي إهانة.

من حقك أن تعتقد أنني كافر لكن لا تغضب ولا تقاضيني إذا قلت إنك أيضاً كافر.

من حقك أن تعتقد انني كافر لكن ليس من حقك ان تمنعني من أمارس عقيدتي بحرية و أدعو لها أيضاً بحرية.

  • د. فريدي البياضي برلماني سابق وعضو المجلس الانجيلي العام في مصر.