قد ينسب البعض داعش وممارساتها العنفية- الاجرامية "السوريالية" الى ابو مصعب الزرقاوي (احمد الخلايلة) وتنظيمه "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، الا ان تطور هذا الفكر العنفي بدأ قبيل ذلك بكثير...

 

بدايات التكفير

نشأ الفكر الاسلامي المتطرف في بداية القرن الرابع عشر مع الفقيه والعالم "ابن تيمية (تقي الدين احمد) والذي بدوره كان تـأثر بالمدرسة والمذهب الحنبلي (نسبة لمؤسسه احمد بن حنبل)، حيث ارتكز العديد من تعاليم ابن تيمّية على اسس ومفاهيم متطرفة الافكار منها: التكفير، الردة، الزندقة حتى وصلت الى الدعوة للقتل واباحة الدم...

وفي القرن الثامن عشر، ظهرت من جديد (مع بعض التعديلات) تعاليم ابن تيمية عبر الشيخ محمد عبد الوهاب وهو يعتبر مؤسس المذهب الوهابي ومحمد ال سعود المؤسس الاول للمملكة العربية السعودية. ايضاً ومع بزوغ الحقبة ذاتها، تأسست جماعة الاخوان المسلمين في مصر مع حسن البنّا وكان من اهم منظريها فيما بعد لاحقاً سيد قطب والذي اعدمه عبد الناصرـ والجدير بالذكر بان روح الله الخميني استوحى البعض من افكاره. اضافة الى ذلك، شارك علماء في تدعيم الفكرر التكفيري وكان ومن ابرزهم الشيخ ابو الاعلى المودودي والذي ولد في بدايات القرن العشرين في الهند وعاش ومارس نشاطه السياسي في باكستان.

 

المفصل الأفغاني

عند اجتياح الاتحاد السوفييتي لافغانستان ومن اجل خلق حافز على مواجهة الشيوعيين فيها والسوفيات، اعتبر بعض المنظرين في الغرب وكان معظمهم يتعاون مع وكالة المخابرات الاميركية والمخابرات البريطانية، ان الوسيلة الافضل للتصدي للتمدد الشيوعي والسوفييتي يكون عبر خلق قوى دينية لتواجه هذا التمدد، فكان ان احيت مبادىء المودودي (والذي كان قد توفي في نيويورك وذلك مع بدايات الازمة الافغانية والاجتياح السوفييتي فيما بعد) مرتكزة عى العامل الديني، حيث عادت بعض المصطلحات الى الظهور ككلمة مجاهدين (مستقاة من الجهاد في سبيل الله)، وكان لها الاثر في اعلان النفير العام لقدوم المتطوعين لقتال الجيش السوفييتي من كل اصقاع العالم وبالاخص من الدول العربية.

لقد ارتكب قسم من هؤلاء المجاهدين عمليات شنيعة في حق بعض الاسرى السوفيات ولكن لم يتم الاضاءة على الموضوع لا من قبل وسائل اعلام الاتحاد السوفييتي وذلك حفاظاً على المعنويات ومنعاً للبلبلة بحسب وجهة نظرهم، ولا من قبل الاعلام الغربي، وذلك حفاظاً على الصورة البطولية للثوار والمجاهدين الافغان.

وبعد انتهاء الحرب الافغانية، عاد قسم كبير من هؤلاء "المجاهدين" من بينهم اسامة بن لادن، احمد الظواهري وابو مصعب الزقاوي والالاف غيرهم الى البلدان العربية حيث سمو "بالافغان العرب".

 

إرهاب التسعينات

عند بدايات الحرب الاهلية الجزائرية في العام 1992، قاتل قسم كبير من هؤلاء الى جانب الجبهة الاسلامية للانقاذ واحد اذرعتها العسكرية المسماة "الجماعة الاسلامية المسلحة"، حيث ارتكبت مذابح ومجازر بحق القرويين في عدد من القرى الجزائرية منها مجزرة طلحة ومجزرة رايس الى جانب اعمال ارهابية في الجزائر وفرنسا. هذا من ناحية، اما من ناحية ثانية وابان الحرب في الشيشان مع الحكومة الروسية الاتحادية، قام عدد من الثوار الشيشان والذين كان من بينهم افغان عرب ومتطوعون اخرون، بارتكابات وعمليات ذبح بحق الاسرى الروس الى جانب اعمال ارهابية رداً على الغزو الروسي لمناطقهم.

وبعد نشوء تنظيم طالبان ومن ثم تنظيم القاعدة المتحالف معه، كانت الذروة في تاريخ 11 ايلول من العام 2001، حيث قام تنظيم القاعدة بتنفيذ هجمات دموية أدت الى مقتل الآلاف من المواطنين الاميركيين في سابقة تاريخية لم تشهدها من قبل. وفي العام 2003 وبعد الاجتياح الاميركي للعراق، برز من المقاتلين التكفيريين ابو مصعب الزرقاوي، وقد عرفت عملياته بعنفها وبالعمليات الانتحارية ضد المواطنين الشيعة. وعند بدايات الحرب السورية، بدأ صعود نجم تنظيم داعش، والذي سمي بالدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي تلقى دعماً من اطراف عدة اهمها قطر وتركيا. وقد قامت بالعديد من المجازر البشعة المعروفة ناهيك عن عمليات الابادة الجماعية بحق الايزيديين وايضاً العمليات الإرهابية على المواطنين العزل.

التسويات المطلوبة

في الخلاصة، إن التعامي عن الحقائق التاريخية وجوهر المفاهيم العقائدية والتكوين الإجتماعي الذي أرساه الاسلام السياسي المناقض بجوهره للمفاهيم الغربية، لن يؤدي أبداً الى تأسيس أي حلول مشرقة، لا بل سيزيد من توسع رقعة أرض التطرف العالمي. فالمطلوب إذاً هو عدم التعويل فقط على الحوار الديني، انما ايضاً إعادة النظر بالمقومات الجديدة المستلزمة من أجل إرساء نفوذ السلام العالمي. وهذا ما يستدعي إستعادة تلمس واقعي وحديث لسياسات توزيع المصالح والمكاسب الدولية بين القوى المتحضرة القديمة والقوى الجديدة، بهدف النجاح في الحفاظ على مسار البشرية في صراعها الأبدي مع القوى الظلامية (اللا-حضارية)!!! وكل ما عدا ذلك فانه يعتبر وهماً ورهاناً رومنسياً مبنياً فقط على السراب!!!

أمين عام المؤتمر الدائم للفدرالية