اجتمع حوله تلاميذه في الزنزانة التي يقضي فيها ليلته الأخيرة، وبينما كان هو محتفظا بهدوئه و سكينته، كان التلاميذ خائفون و يبكون، كانت المحكمة قد أدانت المعلم السبعيني سقراط بما يمكن أن نسميه فى لغتنا اليوم ازدراء الاديان، بالإضافة الى تهمة تضليل الشباب الأثيني، وقد حُكم عليه بالإعدام عن طريق شرب السم.

 قال له أحد تلاميذه: لقد وجدنا طريقة يمكن ان تنجو بها.

كيف؟ هناك جندي مستعد أن يسهل لك الهرب مقابل المال، و تصبح حراً.

لا، لن أكسر القانون حتى و ان لم يكن قانوناً عادلاً.

وبعد قليل، دخل إليه السجان، يحمل في يده قارورة السم و قال له:

سوف تشرب هذا السم ثم يمكنك أن تتحرك قليلاً في زنزانتك حتى تشعر بثقل في قدماك عندها يكون قد بدأ السم في فعل مفعوله.

رفع سقراط السم إلى فمه بهدوء وشربه دفعة واحدة، و تمشى قليلا بين تلاميذه الذين كانوا يبكون و ينتحبون ثم عاد إلى سريره وقال: أشعر بثقل في قدماي، ثم تمدد على السرير وسحب الغطاء الى وجهه. بعد عدة دقائق، كشف أحد تلاميذه وجه المعلم فوجدوه قد مات.

 

كانت تهمة سقراط  الحقيقية هي أنه قرر أن يفكر بنفسه وأن يحض الشباب الأثيني أن يفكر باستقلالية. أراد تحريك المياه الراكدة في مجتمعه، أراد أن يفتح أعين الشباب الأثيني على أفكار جديدة تناسب العصر الجديد، عصر الفلاسفة الذي كان هو أهم أعمدته. ودفع حياته ثمناً لانتقال البشرية من مرحلة الأسطورة إلى الفلسفة وخطا بالإنسانية أول خطوة في رحلة التفكير المنطقي.

 وبعد أربعة قرون، وقف يسوع المسيح أمام بيلاطس البنطي في محاكمة متعجلة تحت جنح الظلام، وأجاب يسوع بيلاطس حين سأله عن تتهمه:

لهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي

فسأله بيلاطس: ما هو الحق؟

ما هو الحق؟  نفس السؤال الذي مات من أجله سقراط، البحث عن الحقيقة، ولم يحتاج يسوع أن يجيب. لأن بيلاطس لم يسأل عن جهل، بل لأنه كان لا يستطيع تحمل تبعات البحث عن الحقيقة. فخرج بيلاطس وقال لهم إنه لا يرى يسوع مذنباً. لكنه أسلمه لهم ليقتلوه.

 حتى العلماء الذين لا يتطرقوا للدين أو الأخلاق حوكموا بتهمة ازدراء الأديان حين تعرضوا للمسلمات. جاليليو كاد أن يفقد رأسه بتهمة ازدراء الكتاب المقدس لأنه أعتقد أن الأرض تدور حول الشمس . وقضى شيخوخته تحت الإقامة الجبرية حتى مات لأنه قرأ في السماء ما يخالف قراءة رجال الدين للنص المقدس في عصره.

 إن قائمة باسماء شهداء البحث عن الحقيقة لا نهاية لها. ويبدو أن البشرية كلما صعدت سلماً في اتجاه المعرفة لابد أن تقدم أضحية من أنبل وأنبه أبنائها.

 الحضارة الغربية التي يعيش كوكب الأرض كله الآن تحت ظلالها، لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بتضحيات كل هؤلاء. فهي بنت الفلسفة اليونانية، والثقافة المسيحية، وثورة كوبرنيكوس وجاليليو العلمية.

 

ونحن الآن في شرقنا السعيد، مازلنا نحاكم أبنائنا بازدراء الأديان. أو، لكي نسمي الأشياء بمسمياتها، بتهمة ازدراء فهم البعض للأديان.

منذ ربع قرن، قُتل فرج فودة لنفس السبب محاولة تحريك المياه الراكدة، البحث عن الحقيقة، التنازع على حق التفكير مع من يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

فرج فودة قُتل لان هناك من علماء الأزهر الشريف من أعتقد أن كل الحقيقة عنده، ولا حقيقة أخرى، وأراد إسكات أي صوت آخر، تماما كما فعلت المحكمة التي حكمت على سقراط، وكما فعل بيلاطس البنطي، وكما فعل بابا روما ومحكمته المقدسة التي حكمت على جاليليو.

 

"سقراط" الكنيسة

وعلى الصعيد الكنسي نرى نفس سيناريو تكفير فرج فودة. باحث شاب مهتم بدراسة الابائيات واللاهوت يطرح أبحاثه على صفحته على الفيسبوك، يتفاعل معه الشباب، يتفقون ويختلفون. يقدم لهم مراجعه، يقرأونها ثم يناقشوه. أوصلته دراساته إلى أن الكنيسة في السنوات الأخيرة قد تغربت قليلاً "أي تبنت أفكاراً غربية". فيضيق صدر أحد قيادات الكنيسة و يقرر إنهاء هذه المهزلة بالضربة القاضية،  فيخرج على شاشات إحدى القنوات و يتهمه بالإلحاد.

 

قد لا يؤدي هذا التكفير إلى اغتيال ذلك الشاب فعلياً، وربما لم يقصد مُكفره أن يعرضه للقتل. لكن حتماً كان يقصد تصفيته و القضاء عليه معنوياً. بينما كان من السهل جداً تفنيد آراءه بشكل علمي ومنهجي، فمن الممكن جداً أن يكون مخطأً، فما الذي يمنع من الرد عليه؟ فمقالاته مقرونه بمراجع من أقوال الآباء. هل هي منسوبة كذباً لهم؟ هل أساء فهمها؟ هل حَمَلها أكثر مما تحتمل؟

 

هل اتهام الباحثين والدارسين بالإلحاد هو ما يحتاجه مجتمع يعيش على الفتات العلمي و لا يعرف عن دراسات الاباء الا القشور؟ ألم تكن هذه فرصة رائعة لكي نبدأ حواراً لاهوتياً علمياً يستفاد منه الجميع عوضا عن التكفير والاتهام بالهرطقة؟

 وعلى الناحية الأخرى تماماً، وفي محاولات التحديث بعيداً عن الابائيات، يتعرض طبيب نفسي مشهور لحملة من التشهير لأنه يحاول أن يقرأ النص المقدس ويقدمه للأجيال القادمة بطريقة لا تتصادم مع الأسس العلمية والعقلية. تماما كما فعل الآباء حين قرأوا النص المقدس في اتساق مع العلوم الطبيعية في زمانهم. لكنه أيضاً مضطر دوماً للدفاع عن نفسه ونفي تهم التشكيك في إيمانه.

 إنني لا أطالب أطلاقاً أن يترك المجال لكل شطحة فكرية دون فحص ودراسة، لكن لا يمكن أن يكون البديل هو اتهام كل محاولة للتحديث أنها هرطقة او كفر. كما أن المصادرة على الأفكار لم تنجح أبداً في القضاء عليها، وإلا لكان المنطق قد مات يوم شرب سقراط السم و لكانت أوروبا ما زالت تعتقد أن زيوس يرسل المطر ويضرب أعداءه بالبرق.

 

إذا كنا ننعم ثمار الحضارة الغربية، وندعي أن علماءنا ومفكرينا في العصور الوسطى كانوا همزة الوصل بين الحضارة اليونانية القديمة و أوروبا الحديثة، وهذا صحيح، فإن أقل ما يجب علينا فعله الآن هو فتح الباب لنهضة علمية و ثقافية، وأهم مقومات النهضات هو عدم المصادرة على الآراء المختلفة والجديدة. ذلك هو طوق النجاة الأخير الباق على سفينتنا.

  • طبيب مصري